التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
5143 5459 - حدثنا أبو عاصم، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا فرغ من طعامه -وقال مرة: إذا رفع مائدته- قال: "الحمد لله الذي كفانا وأروانا، غير مكفي، ولا مكفور -وقال مرة: الحمد لله ربنا، غير مكفي، ولا مودع- ولا مستغنى، ربنا". [انظر: 5458 - فتح:9 \ 580].


ذكر فيه حديث أبي أمامة صدي بن عجلان - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رفع مائدته قال: "الحمد لله حمدا طيبا مباركا فيه، غير مكفي، ولا مودع ولا مستغنى عنه، ربنا".

وعنه أيضا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا فرغ من طعامه -وقال مرة: إذا رفع مائدته- قال: "الحمد لله الذي كفانا وأروانا، غير مكفي، ولا مكفور -وقال مرة: لله الحمد، ربنا، غير مكفي، ولا مودع- ولا مستغنى، ربنا".

هذا الحديث ذكره البخاري في "التاريخ" أيضا ، وأخرجه الأربعة قال الترمذي: حسن صحيح.

وروى ابن أبي عاصم بإسناد جيد، قال أبو أمامة: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقول عند فراغي من الطعام فقال: "قل: الحمد لله الذي أطعمتنا [ ص: 243 ] وأسقيتنا وأرويتنا" قال: "الحمد لله غير مكفور ولا مودع ولا مستغنى عنه" .

وله أيضا عن أنس مرفوعا: "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها" . وفي لفظ: كان إذا أوى إلى فراشه قال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي" .

ولأبي نعيم من حديث قطري الخشاب، عن عبد الوارث، عن أنس: "إن الرجل ليوضع طعامه فما يرفع حتى يغفر له"، قيل: يا رسول الله، بما ذاك؟ قال: "يقول: بسم الله إذا وضع، والحمد لله إذا رفع" .

ولابن أبي عاصم من حديث حجاج بن رباح بن عبيدة، عن مولى لأبي سعيد: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أكل طعاما قال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين".

ومن حديث ابن إدريس عن حصين، عن إسماعيل بن أبي سعد عن أبيه مثله، وأخرجه الترمذي فقال: عن حفص بن غياث، عن ابن أخي [ ص: 244 ] (ابن سعد) .

ولأبي داود من حديث سفيان، عن أبي هاشم الواسطي، عن إسماعيل بن رباح، عن أبيه أو غيره، عن أبي سعيد .

وفي "اليوم والليلة" للنسائي من رواية زكريا بن يحيى، عن عبد الله بن مطيع، عن (هاشم) عن حصين، عن إسماعيل بن أبي إدريس، عن أبي سعيد موقوفا .

وفي "اليوم والليلة" لأبي نعيم عن مخلد بن جعفر، حدثنا جعفر الفريابي، ثنا دحيم، ثنا عبد الله بن يزيد، حدثني بكر بن عمرو، عن عبد الله بن هبيرة، عن عبد الرحمن بن جبيرة حدثه رجل خدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ثماني سنين أنه كان يسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قرب إليه الطعام يقول "بسم الله" وإذا فرغ من طعامه قال: "اللهم أطعمت وسقيت، وأغنيت وأقنيت، وهديت وأحييت فلك الحمد على ما أعطيت" وفي حديث عبد الرحيم بن ميمون بن أبي مرحوم، عن سهل بن معاذ [ابن أنس] ، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أكل طعاما فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه" .

[ ص: 245 ] وقال الترمذي في هذا: حسن غريب، ولأبي داود زيادة: "وما تأخر" ، وله للنسائي من حديث عبيد القرشي عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن أبي أيوب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أكل أو شرب قال: "الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا" .

ولابن أبي حاتم في "علله" مضعفا من حديث ابن عباس مرفوعا: "من أطعمه الله طعاما فليقل: اللهم بارك لنا فيه وارزقنا خيرا منه". ومن حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: كان - عليه السلام - إذا فرغ من طعامه قال: "الحمد لله الذي من علينا وهدانا، والذي أشبعنا وأروانا، وكل الإحسان أتانا" قال أبو حاتم: رواه ابن أبي الزعيزعة عنه وهو منكر الحديث .

إذا تقرر فالمائدة -كما قال أبو عبيد- فاعلة بمعنى مفعول، مأخوذة من الميد وهو العطاء ، وقيل: هي الخوان، وقيل: لا يقال لها مائدة، إلا إذا كان عليها طعام وإلا فهي خوان. وقد سلف هذا، وقيل: هي الطعام نفسه لا الخوان، ذكره أبو علي القاري في "بارعه".

زاد ابن سيده في "المحكم" (اسما له) ، وإن لم يكن هناك خوان مشتق من ذلك . وعند القزاز سميت مائدة; لأنها تميد أصحابها بما عليها من الخير. وقيل: لأنها تميد بما عليها، أي: تتحرك من قوله [ ص: 246 ] تعالى: أن تميد بكم المعنى: لئلا تميد بكم، وميدة لغة في مائدة، وقال ابن فارس: هي من ماد يميد أي: يطعم الآكلين. وقال قوم: مادني فلان يميدني فلان يميده أي: نعشني، قالوا: وسميت المائدة منه .

وأهل العلم يستحبون حمد الله تعالى عند تمام الأكل; أخذا بحديث الباب وغيره، فقد روي عنه - عليه السلام - في ذلك أنواع من الحمد والشكر، وقد ذكرنا جملة منها، وقد روي "من سمى الله أول طعامه وحمده إذا فرغ لم يسأل عن نعمه" .

فصل:

قوله: ("غير مكفي") هو بفتح الميم وكسر الفاء والياء المشددة، وروي بضم الميم وفتح الفاء.

وقال ابن بطال : قوله: ("غير مكفي") يحتمل أن يكون من قولهم: كفأت الإناء، إذا قلبته، فيكون معناه غير مردود عليه إنعامه وأفضاله إذا فضل الطعام على الشبع فكأنه قال: ليست تلك الفضيلة (مردودة) ولا مهجورة، ويحتمل أن يكون معناه أن الله غير مكفى رزق عباده أي: ليس أحد يرزقهم غيره، ألا ترى أن في الرواية الأخرى: "ولا مستغنى عنه ربنا"، فيكون هو قد كفى رزقهم . وقال الخطابي: غير محتاج (إلي) فيكفى; لكنه يطعم ويكفي . وقال القزاز: غير مكفي، أي: غير مكتف بنقص يعن كفايته.

[ ص: 247 ] وقال الداودي: ("غير مكفي ") أي: (لم) يكتف من فضل الله ونعمه، قال: وقول أبي سليمان أولاها; لأن مفعولا بمعنى مفتعل فيه بعد، وخروج عن الظاهر.

وقال ابن الجوزي: غير مكفور إشارة إلى الطعام. والمعنى: رفع هذا الطعام غير مكفي، أي: مقلوب عنا، من قولك: كفأت الإناء: إذا قلبته، والمعنى غير منقطع.

"ولا مودع" يعني: الطعام الذي رفع، "ولا مستغنى عنه": عائد إليه أيضا، وقيل: "غير مودع": بكسر الدال أي: غير تارك ما عند ربنا. وقيل: المراد به الله تعالى وأن معنى غير مكفي أي: أنه تعالى يطعم ولا يطعم، كأنه هنا من الكفاية، أي: أنه تعالى مستغن عن معين وظهير. وقال ابن التين : "غير مودع" أي: غير متروك الطلب إليه والرغبة فيما عنده. ومنه قوله: ما ودعك ربك وما قلى [الضحى: 3] أي: ما تركك، وقيل: ما أخلاك من صنعه بمعنى: غير مودع وغير مستغن عنه سواء.

و"ربنا": مرفوع خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ربنا، ويصح نصبه بإضمار أعني، وبه ضبط في بعض الكتب، أو (يا ربنا) فحذف حرف النداء، ويصح خفضه بدلا من الضمير في (عنه)، ويصح الرفع على أن يكون مبتدأ، وخبره مقدم عليه، وهو غير مكفي.

وقوله: ("ولا مكفور") يرجع إلى الطعام، أي: لا نكفر نعمتك بهذا الطعام، ونقل ابن الجوزي عن شيخه أبي منصور أن صوابه:

[ ص: 248 ] غير مكافأ، فيعود إلى الله; لأنه لا تكافأ نعمه، وقال ابن التين : أي: لست كافرا لنعمتك وفضلك.

وقوله: ("الحمد لله الذي كفانا") أي: لم يحفنا وأعطانا كفاية من طعامه.

وقوله: ("وأروانا") أي: أعطانا ريا من شرابنا أذهب عنا عطشا.

التالي السابق


الخدمات العلمية