التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
5470 [ ص: 627 ] 16 - باب: التقنع

قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه عمامة دسماء. [انظر: 3800] وقال أنس - رضي الله عنه - : عصب النبي - صلى الله عليه وسلم - على رأسه حاشية برد. [انظر: 3799]

5807 - حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: هاجر إلى الحبشة ناس من المسلمين، وتجهز أبو بكر مهاجرا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي". فقال أبو بكر: أو ترجوه بأبي أنت. قال: "نعم". فحبس أبو بكر نفسه على النبي - صلى الله عليه وسلم - لصحبته، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر. قال عروة: قالت عائشة: فبينا نحن يوما جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة، فقال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقبلا متقنعا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها. قال أبو بكر: فدا له بأبي وأمي، والله إن جاء به في هذه الساعة إلا لأمر. فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستأذن، فأذن له فدخل، فقال حين دخل لأبي بكر: " أخرج من عندك". قال: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله. قال: "فإني قد أذن لي في الخروج". قال: فالصحبة بأبي أنت يا رسول الله؟. قال: "نعم". قال: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : "بالثمن". قالت: فجهزناهما أحث الجهاز، وضعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فأوكت به الجراب، - ولذلك كانت تسمى ذات النطاق - ثم لحق النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور، فمكث فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب لقن ثقف، فيرحل من عندهما سحرا، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة - مولى أبي بكر - منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسلها حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك كل ليلة

[ ص: 628 ] من تلك الليالي الثلاث.
[انظر: 476 - فتح 10 \ 273]


ثم ساق حديث عائشة - رضي الله عنها - : قالت: هاجر إلى الحبشة رجال، وجهز أبو بكر مهاجرا.

الحديث في الهجرة، وقد سلف فيها، وفي البيوع: في باب من اشترى متاعا، والإجارة ويأتي في الأدب .

وموضع الحاجة منه (فقال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متقنعا في هذه الساعة) والتقنع للرجل عند الحاجة مباح. وقال ابن وهب: سألت مالكا عن التقنع بالثوب فقال: أما الرجل الذي يجد الحر والبرد أو الأمر (الذي له) فيه عذر فلا بأس به، وأما لغير ذلك فلا، ولقد كان أبو النضر يلزم ذلك لبرد يجده وما بذلك بأس.

وذكر ابن أبي زيد عن مالك قال: رأت سكينة أو فاطمة بنت الحسين بعض ولدها متقنعا رأسه فقالت: اكشف عن رأسك فإن القناع ريبة بالليل ومذلة بالنهار، وما أعلمه حراما وأكرهه لغير عذره، ولكن ليس من لباس خيار الناس.

وقال الأبهري: إذا تقنع لدفع مضرة فمباح ولغيره مكروه، فإنه من فعل أهل الريب، ويكره أن يفعل شيئا يظن به الريبة، وليس ذلك من فعل من مضى .

[ ص: 629 ] فصل:

سلف تفسير الدسماء في بابه بعد أبواب الجمعة.

وقوله: (عصب على رأسه حاشية برد) عصب بتشديد الصاد، قال الجوهري: حاشية البرد جانبه .

وقال القزاز: حاشيتا الثوب: ناحيتاه اللتان في طرفهما الهدب، واعترض الإسماعيلي فقال: ما ذكره من العصابة لا مدخل له في التقنع؛ فإنه تغطية الرأس، وهي شده الخرقة على ما أحاط بالرأس كله.

وقوله: ("على رسلك") هو بكسر الراء، أي: اتئد فيه، كما يقال: على هينتك، و (السمر) - بضم الميم - من شجر الطلع، وهو شجر العضاه، ذات شوك. وقوله: (متقنعا)، لعله لأجل الحر، وقول أبي بكر: فداك أبي وأمي، إن كسرت الفاء مددت، وإن فتحت قصرت. قال ابن التين : وهو الذي قرأنا هنا.

فصل:

قوله: (والله إن جاء في هذه الساعة إلا لأمر). وفي نسخة: (إلا أمر)، وذكر ابن بطال بلفظ: (الأمر)، ثم قال: (إن) ههنا مؤكدة، واللام في قوله: (لأمر) لام التأكيد، لقوله تعالى: وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال [إبراهيم: 46] في قراءة من فتح اللام، وهو الكسائي، وقوله: وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك [القلم: 51]، وقوله: وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين [الأعراف: 102]. هذا قول سيبويه والبصريين.

[ ص: 630 ] وأما الكوفيون (فيجعلون) (إن) ههنا نافية بمعنى (ما)، والمعنى: إلا، والتقدير عنده: ما كان إلا أمر، وما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين، وما يكاد الذين كفروا إلا يزلقونك.

وهذه دعوى يحتاج فيها إلى حجة قاطعة، وإخراج الكلام عن موضعه لا يصح إلا إذا أبطل معنى نسقه وموضوعه، وقد صح المعنى في نسقه، وقوله قبله: (علف راحلتين). قال صاحب "الأفعال": يقال: علفت الدابة وأعلفتها، واللغة الأولى أفصح.

فصل:

والسفرة - بالضم - طعام يصنع للمسافر، ومنه سميت السفرة، والجراب بكسر الجيم أفصح من فتحها. قال الجوهري: و (العامة) تفتحه، وحكاها غيره.

وقوله: (فقطعت أسماء قطعة من نطاقها)، فيه جواز عطية ذات الزوج بغير إذنه، وبه قال: (...) قال الجوهري: والنطاق: شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها، ثم ترسل الأعلى على الأسفل إلى الركبة، والأسفل ينجر على الأرض، وليس لها حجزة ولا نيفق ولا ساقان .

[ ص: 631 ] وقال الهروي نحوه، وزاد: وبه سميت أسماء ذات النطاقين; لأنها كانت تطاوق نطاقا على نطاق .

قال ابن التين : وهذا مخالف لما في الكتاب، قلت: لا مخالفة فتأمله، ثم نقل عن الشيخ أبي محمد: شقت نصف نطاقها للسفرة وانتطقت بنصفه.

قال الداودي : النطاق: المئزر، وقال ابن فارس: هو إزار فيه تكة تلبسه النساء .

وفيه: اتخاذ الفضلاء الزاد في أسفارهم، ورد قول من أنكر ذلك من الصوفية، وزعم أن من صح توكله ينزل عليه طعام من السماء إذا احتاج. ولا أجد أصح توكلا من الشارع والصديق.

فصل:

وقوله: لقن ثقف فاللقن: الفهم - بكسر القاف - ، يقال: لقن الشيء لقنا ولقانة عقلا وذكاء، وقال ابن فارس: سريع الفهم، وكذا قاله الجوهري، ويجوز سكونها ، وقال الهروي: هو الحسن التلقي لما يسمعه، وثقف بكسر القاف، قال ابن التين : كذا قرأناه.

قال الجوهري: تقول: ثقف الرجل، إذا صار حاذقا خفيفا فهو ثقف، مثل ضخم فهو ضخم، وكذا هو في بعض الروايات بسكون القاف.

وقال الجوهري: وثقف أيضا مثل تعب تعبا، لغة في ثقف، أي: صار حاذقا فطنا فهو ثقف ثقف، مثل: حذر وحذر .

[ ص: 632 ] وعبارة ابن بطال لما ذكر اللقن قال: والثقف مثله، يقال: ثقفت الحديث: أسرعت فهمه، وثقفت الشيء: أخذته، ومنه قوله تعالى: واقتلوهم حيث ثقفتموهم ، وأكثر كلام العرب: ثقف لقف، وثقف لقف: أي: راو، شاعر رام، وهذا شاع عن الخليل.

فصل:

قوله: (يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر)، وذكر الهروي أن اسم ولد أبي بكر هذا عبد الرحمن، وهو غريب.

فصل:

والرسل بكسر الراء: اللبن، ونعق ينعق (بالغنم) إذا صاح بها، عن الخليل .

فصل:

في استخفائهم في الغار عندما أراد المشركون المكر بنبيه وقتله كما وصفه الله بقوله: وإذ يمكر الآية. إلى أن سكن الطلب، ثم هاجر بالإذن، لتكون سنة لأمته، وإلا لو سأله أن يعمي الخلق عنه أو يخسف بهم لكان هينا عليه، وكذا في هجرتهما خوفا على مصيرهما رد على من قال: من رأى منكم منكرا يغيره وإن أدى إلى هلاك نفسه، وإلا كان مضيعا فرضا.

[ ص: 633 ] وفيه أيضا: فساد قول من منع أن يتحيز بيته أو يتحيز إلى حصن إذا خشي على نفسه، وقال: قد برئ من التوكل من فعل هذا; لأن الضر والنفع بيد الله، والله أمر نبيه بدخول الغار والاختفاء فيه من شرار خلقه، وكان سيد المتوكلين، وبان أيضا فساد قول من زعم أن من خاف شيئا سوى الله لم يؤمن بالقدر، وذلك أن الصديق قال للشارع: لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا، حذرا أن يكون ذلك من بعضهم فيلحقهما الضرر، وبذلك أخبر الله في قوله: إلا تنصروه الآية، فلم يصفه ولا رسوله بذلك من قوله; لضعف اليقين، (بل كان من اليقين) لقضاء الله وقدره في المحل الأعلى، وكان الذي منه مثل ما كان من موسى (إذ) أوجس في نفسه خيفة: قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى .

فصل:

فيه الدليل الواضح على ما خص الله به (صديق نبيه) من الفضيلة والكرامة ورفيع المنزلة عنده; لاختياره إياه دون باقي الأمة (لموضع سره) وخفي أموره التي كان يخفيها عن سائر أصحابه، ولصحبته في سفره، إذ لم يعلم أحد بكونه في الغار أيام مكثه فيه غيره وحاشيته من ولد له ومولى وأجير، (ولا صحبه في طريقه غيره) ، وخصص له بذلك دون قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فتبين بذلك منزلته عنده، ودل به على اختياره إياه لأمانه ولأمانته عليه.

[ ص: 634 ] فصل:

وفيه المعنى الذي استحق به اسم الصديق بحبس نفسه عليه بقوله له: إني لأرجو أن يؤذن لي في الهجرة، فبادر إلى صدقه، ولم يرتب عالما بحالته معه، وتحريه الصدق عليه، وتكلف النفقة على الراحلتين وأعد إحداهما له، وبذل ماله كما بذل نفسه في الهجرة معه، وكذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : "ليس أحد أمن علي في نفسه وماله منه".

فصل:

وفيه: أن المرء (ينبغي) له أن يتحفظ بسره ولا يطلع عليه إلا من تطيب نفسه عليه، لقوله للصديق: "أخرج من عندك"؛ ليخبره بخروجه مخليا به، فلما قال له الصديق: إنما هم أهلك، وعلم أن شفقتهم عليه كشفقة أهله أطلعه حينئذ على سره، وأنه قد أذن في الخروج، فبدر الصديق وقال: الصحبة، قبل أن يسأله ذلك، وهذا من أبلغ المشاركة وأعظم الوفاء له.

فصل:

وقوله للصديق: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، أي: بالحفظ والكلاءة، ولم يرد أنه يعلم مكانهما فقط، كما قال تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم الآية، ويدل أنه (أراد) الله ثالثهما بالحفظ قوله: لا تحزن إن الله معنا أي: يكلؤنا ويحفظنا، ولو أراد يعلمنا لم يكن (له) ولا لصاحبه فضيلة على أحد من الناس؛ لأن

[ ص: 635 ] الله شاهد كل نجوى وعالم بها، وإنما كان فضيلة له ولصاحبه حين كان الله ثالثهما بأن صرف عنهما طلب المشركين، وأعمى أبصارهم، وسيأتي في التمني معنى قوله: لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا في باب ما يجوز من اللو، إن شاء الله.

التالي السابق


الخدمات العلمية