التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن - عمر بن علي بن أحمد الأنصاري

صفحة جزء
5667 6013 - حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش قال: حدثني زيد بن وهب قال: سمعت جرير بن عبد الله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من لا يرحم لا يرحم". [ 7376 - مسلم: 2319 - فتح: 10 \ 438]


ذكر فيه أحاديث:

أحدها:

حديث أبي قلابة - واسمه عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي - عن أبي سليمان مالك بن الحويرث قال: أتينا النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن شببة متقاربون.

الحديث سلف، وموضع الحاجة منه: (وكان رحيما رفيقا).

وقوله: (ونحن شببة) أي: (أخيار) ، شببة وشبان وشباب كل ذلك جمع شاب.

وقوله: (وسألنا عن من تركنا في أهلنا) فيه هجرة بعض الحي لقوله تعالى: فلولا نفر من كل فرقة منهم الآية [التوبة: 122].

وقوله: ("ارجعوا إلى أهليكم") فيه أن من هاجر قبل الفتح من غير أهل مكة يرجع إلى أهله.

وقوله: ("صلوا كما رأيتموني أصلي") أمر حتم.

وقال الداودي: يحتمل أن يكون (جاءوا) لصغرهم أو تكون الصلاة في القول على من يعقل. قال: وفيه إمامة الصبيان.

[ ص: 314 ] قال ابن التين: وهذا كله غير بين، بل هم رجال شباب كما ذكر، وليس قوله: "شببة" دليلا أنهم لم يبلغوا الحلم.

وقوله: ("ليؤمكم أكبركم") يريد لاستوائهم في الفقه والقراءة، وفيه: الأذان في السفر.

الحديث الثاني:

حديث أبي هريرة في قصة شرب الكلب وفي آخره: "في كل ذات كبد رطبة أجر".

قوله: ("بكلب يلهث")، يقال: لهث الكلب يلهث لهثا ولهاثا بالضم إذا أخرج لسانه من التعب والعطش. وكذلك الرجل إذا أعيا أو عطش.

و ("الثرى"): التراب الندي، وقوله: "في كل ذات .. ") إلى آخره، أي: روح.

و (الكبد): بفتح أوله وكسر ثانيه وسكونه.

الحديث الثالث:

حديثه أيضا في قصة الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمدا، الحديث. ومعنى "تحجرت"، وفي نسخة "حجرت": ضيقت، وقال ابن التين: والذي قرأناه بالراء.

الحديث الرابع:

حديث النعمان بن بشير يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالحمى والسهر".

[ ص: 315 ] الحديث الخامس:

حديث أنس - رضي الله عنه - ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من مسلم غرس غرسا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له به صدقة".

السادس:

حديث جرير بن عبد الله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من لا يرحم لا يرحم".

وفي هذه الأحاديث: الحض على استعمال الرحمة للخلق كلهم، كافرهم ومؤمنهم ولجميع البهائم، والرفق بها، وإن ذلك مما يغفر الله به الذنوب، ويكفر به الخطايا، فينبغي لكل مؤمن عاقل أن يرغب في الأخذ بحظه من الرحمة ويستعملها في أبناء جنسه، وفي كل حيوان، فلم يخلقه الله عبثا، وكل أحد مسئول عما استرعاه وملكه من إنسان أو بهيمة لا يقدر على النطق وتبيين ما بها من الضر، وكذلك ينبغي أن يرحم كل بهيمة، وإن كانت في غير ملكه، ألا ترى أن الذي سقى الكلب الذي وجده بالفلاة لم يكن له ملكا فغفر الله له بتكلفه النزول في البئر وإخراجه الماء وسقيه، ومثله الإطعام، ألا ترى قوله: ("ما من مسلم غرس .. ") إلى آخره، وفي معنى ذلك: التخفيف عنها في أحمالها وتكليفها ما تطيق حمله فذلك من رحمتها، والإحسان إليها، ومن ذلك ترك التعدي في ضربها وأذاها وتسخيرها في الليل وفي غير أوقات السخرة، فقد نهينا في العبيد أن نكلفهم الخدمة ليلا، فإن لهم الليل ولمواليهم النهار، وجميع البهائم داخلون في هذا المعنى.

وفي قوله: ("ما من مسلم غرس") إلى آخره، دليل على أن ما ذهب من مال المسلم بغير علمه أنه يؤجر عليه.

[ ص: 316 ] وأما إنكاره عليه الصلاة والسلام على الأعرابي ما قاله بقوله: ("لقد حجرت واسعا") ولم يعجبه دعاؤه لنفسه وحده فلأنه بخل برحمة الله على خلقه، وقد أثنى الله على من فعل خلاف ذلك بقوله: والذين جاءوا من بعدهم [الحشر: 10] الآية، وأخبر تعالى أن الملائكة يستغفرون لمن في الأرض.

فينبغي للمؤمن الاقتداء بالملائكة والصالحين من المؤمنين ليكون من جملة من أثنى الله عليه ورضي بفعله، فلم يخص نفسه بالدعاء دون إخوانه المؤمنين حرصا على شمول الخير لجميعهم.

(آخر كتاب الأدب، والحمد لله وحده) .

[ ص: 317 ] كتاب البر والصلة

[ ص: 318 ] [ ص: 319 ] بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب البر والصلة

التالي السابق


الخدمات العلمية