صفحة جزء
1 [ ص: 75 ]

[كتاب الطهارة]

الأصل

[ 1 ] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، ثنا مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة - رجل من آل ابن الأزرق - أن المغيرة بن أبي بردة - وهو من بني عبد الدار - أخبره أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - يقول: سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". .


الشرح

مالك إمام دار الهجرة، أبو عبد الله بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، انتهى العلم إليه بالحرمين وانتشرت كتبه وأصحابه ومذهبه، وعن الشافعي - رضي الله عنه - أنه قال في تصنيفه "الموطأ": ما بعد [ ص: 76 ] كتاب الله كتاب هو أكثر صوابا من موطأ مالك، وهم هارون الرشيد بأن يعلقه في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه؛ فمنعه مالك لورعه، وقال: إن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تفرقوا في الأمصار واختلفوا، ولكل اجتهاد فاترك الناس وما أخذوا منهم، ويذكر أنه إذا جلس مجلسه لم ينطق بشيء حتى يقول: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العلم الحكيم. ولد سنة ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين، ومات سنة تسع وسبعين ومائة، ودفن بالبقيع.

وصفوان بن سليم أبو الحارث، ويقال: أبو عبد الله، مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف، سمع: عطاء بن يسار، وحميد بن عبد الرحمن.

روى عنه: مالك، وسفيان بن عيينة، والدراوردي، وغيرهم، مات سنة أربع وعشرين ومائة.

وعن ابن عيينة أنه قال: كنت إذا رأيته علمت أنه يخشى الله تعالى.

وسعيد بن سلمة يقال له: المخزومي، من آل [بن] الأزرق، وعكس بعض الرواة الاسمين، فقال: سلمة بن سعيد، وبدل بعضهم فقال: عبد الله بن سعيد [ ص: 77 ]

روى عن سعيد: صفوان، وعمرو بن الحارث، وغيرهما.

والمغيرة بن أبي بردة من بني عبد الدار، روى عنه: يحيى بن سعيد الأنصاري، وروى عن: أبي هريرة وغيره.

ووهم بعضهم فقال: المغيرة بن أبي بر، وجعل بعضهم مكانه في الإسناد عبد الله بن المغيرة، والأول أثبت.

وأبو هريرة الدوسي من مشهوري الصحابة، اسمه في الإسلام: عبد الرحمن أو عبد الله، وفي الجاهلية: عبد شمس، أو عبد غنم، أو عبد نهم، أو سكتتين، أو عامر، كل قيل، وقيل: غيرها، نزل المدينة وكان قدومه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإسلامه عام خيبر، توفي [...] سنة [ ص: 78 ] ...................... [ ص: 79 ]

......................... [ ص: 80 ]

ثلاث وسبعين وقد بلغت مائة سنين لم يسقط لها سن ولم [ ص: 81 ] ينكر من عقلها شيء.

وعن نوفل بن أبي عقرب أن الحجاج دخل عليها بعد ما قتل ابنها عبد الله بن الزبير فكان فيما قال لها: كيف رأيت صنعتي بعدو الله ابن الزبير؟ فقالت: رأيت أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك، ولقد بلغني أنك كنت تعيره بابن ذات النطاقين، وأما نطاق فكنت أحمل فيه الطعام لأبي ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهما في الغار، وأما النطاق الآخر فلا بد لي من نطاق، ثم ذكرت - أحسبه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: يكون في ثقيف مبير وكذاب، أما الكذاب فقد رأيناه؛ وأما المبير فلا إخاله إلا أنت فخرج من عندها متغيرا وجهه.

وروى الحديث عن سفيان كما رواه الشافعي: الحميدي، وابن أبي عمر، ومن روايته أخرجه الترمذي، وعن مالك كما رواه الشافعي: عبد الله بن يوسف وأخرجه البخاري في "الصحيح" من روايته، وعبد الله بن [مسلمة] ومن روايته أخرجه أبو داود. ورواه عن هشام كما رواه ابن عيينة: مالك، وحماد بن سلمة، ويحيى بن سعيد، وابن نمير، ووكيع، وأبو خالد الأحمر. ورواه عن فاطمة كما رواه هشام: محمد بن إسحاق [ ص: 82 ]

وفي الباب عن أبي هريرة، وأم قيس بنت محصن.

والحت: الحك بطرف عود ونحوه، والقرص: الدلك الشديد والقلع بالظفر ونحوه، يقال منه: قرص يقرص، وأراد بالقرص بالماء أن يستعين به ليلين ما على الثوب وينماع فيه ويزول معه، وقيل: اقرصيه بالماء أي: اغسليه به بأطراف أصابعك، والرش: صب الماء مفرقا، ومنه قيل للمطر القليل: رش.

وقوله: "أخبرني الربيع في أول الكتاب" يريد كتاب الطهارة، والرواية الثانية كالأولى إسنادا ومتنا؛ لكن في المرة الثانية تعرض لبعض نسب سفيان وهشام وفاطمة وأسماء، وأن فاطمة امرأة هشام، وأن أسماء جدة فاطمة فاشتمل إيرادها على فوائد، ثم في رواية سفيان أن أسماء قالت: "سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، وفي رواية مالك: أنها قالت: "سألت امرأة رسول الله" يمكن أن تعني في الرواية الثانية نفسها، ويمكن أنها سألت عنه وسأل غيرها أيضا، ورجع كل رواية في سؤال، وذكر البيهقي أن الصحيح: "أن امرأة سألت".

وقولها: "عن دم الحيضة" يجوز فيه الكسر وهي الحالة التي عليها المرأة، ويجوز الفتح وهي المرة من الحيض، وهذا أظهر؛ لقوله في الرواية الأولى: "عن دم الحيض".

وقوله: "فلتقرصه" [يقرأ] بالتخفيف ويوافقه قوله في الرواية الأولى: "اقرصيه" ويقرأ فلتقرصه بالتشديد.

وقوله: "ولتنضحه بالماء" فسره الشافعي - رضي الله عنه - بالغسل، والنضح: الصب والرش والغسل، وعلى الغسل حمل بما روي في بعض [ ص: 83 ] الحديث: "ولينضح فرجه" أي: ليستنج بالماء، وقد يروى في الخبر: "حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء".

واحتج الشافعي بالخبر في المسألتين:

إحديهما: أن مس الشيء النجس لا يوجب الوضوء؛ لأنه أمر بحت دم الحيض، والحت يقع بالظفر ورءوس الأصابع غالبا، ولم يأمر بالوضوء له.

والثانية: أنه لا يجب في غسل النجاسة عدد معين، فإنه أطلق النضح بالماء وأذن في الصلاة فيه بعد.

وقد يستدل به لأمور أخر:

منها: أنه لا فرق بين قدر الدرهم من الدم وبين ما فوقه.

ومنها: أنه لا فرق بين ما يدركه الطرف منه وما لا يدركه.

ومنها: العفو عن أثر الدم الباقي بعد القرص والنضح؛ فإنه أطلق الصلاة فيه بعدهما.

ومنها: ظاهر الأمر بالحت والقرص يقتضي وجوبهما وأشعر به مشعرون، والأكثرون اقتصروا على الاستحباب، وقد يعطف الواجب على المستحب؛ لأن الترغيب يشملهما [ ص: 84 ]

ومنها: استدل بعضهم بقوله: "ثم اقرصيه بالماء" وقوله: "فلتنضحه بالماء" على أنه لا بد من استعمال الماء.

ومنها: أنه لا بأس للمرأة بمراجعة المفتي فيما تبتلى به من الحيض وما يتعلق به، وأن سؤالها عنه لا يخل بالحياء المحمود؛ وإلا لأشبه أن يرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - السائلة إلى خلاف ما صنعت.

التالي السابق


الخدمات العلمية