صفحة جزء
1505 [ 1814 ] أبنا الربيع قال: قال الشافعي: أبنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- استعمل مولى له يقال [له] : هنى على الحمى ، فقال يا هنى، ضم جناحك للناس، واتق دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مجابة، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة، وإياى ونعم ابن عفان ونعم ابن عوف؛ فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع، وإن رب الغنيمة يأتي بعياله فيقول: يا أمير المؤمنين أفتاركهم أنا لا أبا لك، فالماء والكلأ أهون من الدنانير والدراهم، وايم الله لعلى ذلك إنهم ليرون أني قد ظلمتهم، إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، ولولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت على الناس من بلادهم شبرا.


الشرح

هني مولى لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

سمع منه، وليس هو بهني بن نويرة الضبي .

وحديث الصعب أورده البخاري في "الصحيح" عن يحيى بن بكير عن الليث عن يونس عن الزهري، وأبو داود عن ابن السرح عن ابن وهب عن يونس [ ص: 320 ] .

وقصة عمر داخلة في "الموطأ" رواها مالك عن زيد بن أسلم، وأوردها البخاري عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك.

والمراد من الحمى أن يحمي بقعة من الموات لمواش خاصة، ويمنع مواشي سائر الناس منها، وكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يحمي لخاصة نفسه لكنه لم يفعل، وحمى النقيع لمصالح الخيل المعدة في سبيل الله، ولما فضل من سهمان أهل الصدقة وما فضل من نعم الجزية، روي عن نافع عن ابن عمر "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حمى [النقيع] لخيل المسلمين ترعى فيه" .

والنقيع: موضع بالمدينة معروف، وهو مستنقع للماء ينبت فيه الكلأ إذا نضب الماء.

قال الشافعي: وهو بلد ليس بالواسع الذي إذا حمي ضاقت البلاد على أهل المواشي .

ولما روى الزهري حديث الصعب قال عقيبه: وبلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمى النقيع.

وأما الأئمة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فليس لأحد منهم أن يحمي لنفسه خاصة، وهل يحمي لمصالح المسلمين؟

فيه قولان للشافعي: أحدهما: لا لظاهر قوله:" لا حمى إلا الله ورسوله".

وأصحهما: نعم [ ص: 321 ] .

وهو قول أبي حنيفة ومالك والأكثرين؛ لأن عمر -رضي الله عنه- حمى السرف والربذة، وأولوا الحديث على أن يحمي لنفسه كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، كان العزيز منهم إذا انتجع بلدا متحصنا أرقى بكلب على جبل أو نشز ثم استعوى الكلب فوقف له من يسمع منتهى صوته بالعواء، فإلى حيث انتهى صوته حماة لنفسه من كل ناحية ورعى فيما سواه لسائر الناس.

وقوله: "ضم جناحك للناس" في بعض الروايات: "اضمم جناحك عن المسلمين"، وهما صحيحان، أي: لن وتواضع لهم واكفف شرك عنهم.

والصريمة: تصغير الصرمة، وهي القطعة القليلة من الإبل، ويقال: هي ما دون الأربعين.

وأراد بالغنيمة: القطعة من الغنم.

وقوله: "وإياي ونعم ابن عفان وابن عوف" كأنه يقول: كل أمر نعمهما إلى راغبين أنت بمواشي الضعفاء لئلا تهلك مواشيهم فأحتاج إلى الإنفاق عليهم من بيت المال، وقد يوجد: "وإياك ونعم ابن عفان" أي: لا تدخلها في الحمى.

وقولهم: لا أبا لك، ولا أب لك: كلمة تذكر في معرض المدح والتلطف.

وقوله: "وايم الله" قسم بقطع الألف ووصلها: وهو جمع أيمن جمع يمين، ثم حذفوا النون لكثرة اللفظ في الكلام.

وقوله: "إنهم ليرون ... إلى آخره" أي: قد يظن بعضهم أني ظلمت بما حميت ولكن قصدي رعاية المسلمين ولولاها ما حميت شبرا [ ص: 322 ] .

التالي السابق


الخدمات العلمية