صفحة جزء
607 ص: فذهب قوم إلى أن من لم يجد إلا نبيذ التمر في سفره توضأ به، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار، وممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة - رضي الله عنه -.


ش: أراد بالقوم هؤلاء: عكرمة والأوزاعي [1\ق156-ب] وحميدا صاحب الحسن بن حي وإسحاق، فإنهم ذهبوا إلى جواز التوضؤ بنبيذ التمر عند عدم الماء المطلق، وإليه ذهب أيضا أبو حنيفة .

[ ص: 278 ] وفي "المغني" لابن قدامة: وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه كان لا يرى بأسا بالوضوء بنبيذ التمر وبه قال الحسن والأوزاعي .

وقال عكرمة: النبيذ وضوء من لم يجد الماء.

وقال إسحاق: النبيذ الحلو أحب إلي من التيمم، وجمعهما أحب إلي.

وعن أبي حنيفة كقول عكرمة، وقيل عنه: يجوز الوضوء بنبيذ التمر إذا طبخ واشتد، عند عدم الماء في السفر؛ لحديث ابن مسعود .

وفي "أحكام القرآن" لأبي بكر الرازي: عن أبي حنيفة في ذلك ثلاث روايات.

أحدها: يتوضأ به، ويشترط فيه النية ولا يتيمم، قال: وهذه هي المشهورة.

وقال قاضي خان: وهو قوله الأول، وبها قال زفر .

والثانية: يتيمم ولا يتوضأ، رواها عنه نوح بن أبي مريم وأسد بن عمرو والحسن بن زياد، قال قاضي خان: هو الصحيح عنه، وقوله الآخر، والذي رجع إليها، وبها قال أبو يوسف وأكثر العلماء واختيار الطحاوي .

والثالثة: روى عنه الجمع بينهما، وهذا قول محمد، وقال صاحب "المحيط": صفة هذا النبيذ أن يلقى في الماء تمرات حتى يأخذ الماء حلاوتها، ولا يشتد ولا يسكر، فإن اشتد حرم شربه، فكيف الوضوء وإن كان مطبوخا؟! فالصحيح أنه لا يتوضأ به.

وقال في "المفيد": إذا ألقي فيه تمرات فحلا، ولم يزل عنه اسم الماء، وهو رقيق، فيجوز الوضوء به بلا خلاف بين أصحابنا، ولا يجوز الاغتسال به، خلاف ما قاله في "المبسوط" من أنه يجوز الاغتسال به.

وقال الكرخي: المطبوخ أدنى طبخة يجوز الوضوء به، إلا عند محمد .

وقال الدباس: لا يجوز.

[ ص: 279 ] وفي "البدائع": واختلف المشايخ في جواز الاغتسال بنبيذ التمر على أصل أبي حنيفة، فقال بعضهم: يجوز لاستوائهما في المعنى.

ثم لا بد من تفسير نبيذ التمر الذي فيه الخلاف؛ وهو أن يلقى في الماء شيء من التمر فتخرج حلاوته إلى الماء، وهكذا ذكر ابن مسعود - رضي الله عنه - في تفسير النبيذ الذي توضأ به النبي - عليه السلام - فقال: "تميرات ألقيتها في الماء"، لأن من عادة العرب أنها تطرح التمر في الماء الملح ليحلو. فما دام رقيقا، حلوا أو قارصا، يتوضأ به عند أبي حنيفة، وإن كان غليظا كالرب، لا يجوز التوضؤ به، وكذا إذا كان رقيقا لكنه علا واشتد وقذف بالزبد؛ لأنه صار مسكرا، والمسكر حرام، فلا يجوز التوضؤ به؛ لأن النبيذ الذي توضأ به رسول الله - عليه السلام - كان رقيقا حلوا، فلا يلحق به الغليظ.

والنبيذ إذا كان نيا أو كان مطبوخا أدنى طبخة، فما دام قارصا أو حلوا، فهو على الخلاف. وإن علا واشتد وقذف بالزبد، ذكر القدوري في شرحه "مختصر الكرخي" الاختلاف فيه بين الكرخي وأبي طاهر الدباس: على قول الكرخي يجوز، وعلى قول أبي طاهر لا يجوز.

وذكر القاضي في شرحه "مختصر الطحاوي" وجعله على الاختلاف في شربه، فقال: على قول أبي حنيفة يجوز التوضؤ به كما يجوز شربه، وعند محمد لا يجوز كما لا يجوز شربه، وأبو يوسف فرق بين الوضوء والشرب فقال: يجوز شربه ولا يجوز التوضؤ به؛ لأنه لا يرى التوضؤ بالنبيذ الحلو، فبالمر المطبوخ أولى، وأما نبيذ الزبيب وسائر الأنبذة فلا يجوز الوضوء بها عند عامة العلماء، وقال الأوزاعي: يجوز التوضؤ بالأنبذة كلها، نيا كان النبيذ أو مطبوخا، حلوا كان أو مرا، قياسا على نبيذ التمر.

التالي السابق


الخدمات العلمية