صفحة جزء
978 [ ص: 252 ] ص: قال أبو جعفر - رحمه الله -: فذهب قوم إلى أن الظهر والعصر وقتهما واحد، قالوا: ولذلك جمع النبي -عليه السلام- بينهما في وقت إحداهما، وكذلك المغرب والعشاء في قولهم، وقتهما وقت واحد، لا يفوت إحداهما حتى يفوت وقت الأخرى منهما.


ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وطاوسا ومجاهدا وسالم بن عبد الله وإسحاق بن راهويه والشافعي ومالكا وأحمد وداود وأبا ثور ؛ فإنهم قالوا: وقت الظهر والعصر وقت واحد ولأجل ذلك جمع النبي -عليه السلام- بينهما في وقت إحداهما، وكذلك المغرب والعشاء.

وقال أبو عمر : اختلف الفقهاء في هذا الباب، فروى ابن القاسم عن مالك - وهو رأيه -: لا يجمع المسافر في حج أو عمرة إلا أن يجد به السير أو يخاف فوات أمر فيجمع في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر، وكذلك في المغرب والعشاء إلا أن يرتحل عند الزوال فليجمع حينئذ في الرحلة بين الظهر والعصر، ولم يذكر في العشاءين الجمع عند الرحيل أول الوقت، وقال سحنون : وهما كالظهر والعصر يجمع بينهما عند الرحيل، قال أبو الفرج : وأصل هذا الباب الجمع بين الظهر والعصر بعرفة ، والمغرب والعشاء بمزدلفة ؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سافر وقصر وجمع بينهما كذلك، والجمع أيسر من التقصير، فوجب الجمع بينهما في الوقت الذي جمع بينهما رسول الله -عليه السلام-، وهو قول الشافعي وأصحابه وعطاء بن أبي رباح وسالم بن عبد الله بن عمر وجمهور علماء أهل المدينة وأبي ثور وأحمد وإسحاق وداود في أن يجمع المسافر بين الصلاتين إن شاء في وقت الأولى، وإن شاء في وقت الآخرة ، وقال الشافعي وداود وأصحابهما: ليس للمسافر أن يجمع بين الصلاتين ولا يؤخر صلاة عن وقتها إلا بنية الجمع. وقال الطبري : للمسافر أن يجمع بين الظهر والعصر ما بين الزوال إلى أن تغيب الشمس، وبين المغرب والعشاء ما بين مغيب الشمس إلى طلوع الفجر، وقال أحمد بن حنبل : وجه الجمع أن يؤخر الظهر حتى يدخل وقت العصر [ ص: 253 ] ثم ينزل فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يغيب الشفق ثم يجمع بين المغرب والعشاء، قال: فإن قدم العصر إلى الظهر والعشاء إلى المغرب فأرجو أن لا يكون به بأس. وقال إسحاق : لا بأس بذلك بلا رجاء.

وقال عياض : الجمع بين الصلوات المشتركة في الأوقات يكون تارة سنة وتارة رخصة، فالسنة الجمع بعرفة والمزدلفة ، وأما الرخصة فالجمع في المرض والسفر والمطر، فمن تمسك بحديث صلاة النبي -عليه السلام- مع جبريل -عليه السلام - [وقدمه] ولم ير الجمع في ذلك، ومن خصه أثبت جواز الجمع في السفر بالأحاديث الواردة فيه وقاس المرض عليه، فنقول: إذا أبيح للمسافر الجمع لمشقة السفر فأحرى أن يباح للمريض ، وقد قرن الله -تعالى- المريض بالمسافر في الترخيص له في الفطر والتيمم، وأما الجمع في المطر فالمشهور من مذهب مالك إثباته في المغرب والعشاء، وعنه مقولة شاذة: أنه لا يجمع إلا في مسجد رسول الله -عليه السلام-، ومذهب المخالف: جواز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في المطر.

وقال أيضا: وقد اختلف العلماء في الجمع للمسافر مع اتفاقهم على الجمع بعرفة والمزدلفة واتفاقهم على منع الجمع بين الصلوات التي لا اشتراك فيها من العصر والمغرب، والعشاء والصبح والظهر، فرأى الجمع للمسافر بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء جماعة السلف والشافعي وفقهاء أصحاب الحديث، وهو معروف مذهب مالك ، واختلف عنه مع القول هل ذلك لمجرد السفر أو حتى يجد به السير أو يخاف فوات أمر، وباشتراط جد السير قال الليث والثوري ، وباشتراط العدو قال الأوزاعي ، وبمجرد السفر قال جمهور السلف وعلماء الحجاز وفقهاء أصحاب الحديث وأهل الظاهر، وأنه يجمع أي وقت شاء من الأولى والآخرة، وأما في غير السفر فقال مالك بالجمع في المطر بين العشاءين ولم ير ذلك مالك في الظهر والعصر، وقال الشافعي بالجمع بينهما في المطر الوابل، وبه قال أبو ثور والطبري ، [ ص: 254 ] وهو ظاهر قول مالك في "الموطإ"، والطين والظلمة عند مالك كالمطر، وقد جاء عنه ذكر الطين مجردا.

والمرض عند مالك كالسفر وقال ابن قانع : لا يجمع المريض. وقال مالك أيضا: يجوز الجمع لأجل الخوف ، وعن ابن القاسم فيه روايتان، وفي "الحاوي" في فروع الحنابلة : ويجوز الجمع ليلا لأجل المطر الذي يبل الثياب أو نعله أو بدنه، ولثلج برد وفي الجمع نهارا روايتان: فإن قدمه لعذر اعتبر وجوده في طرفي الأولى وأول الثانية، وقيل: بل في أولها فقط، وإن أخر جمع، ولو انقطع في وقت للثانية صح، وإن زال قبله فلا، وهل يجوز الجمع لوحل وريح شديدة باردة مع ظلمة؟ وقيل: بدونهما، ولمن يصلي وحده أو في المسجد يخرج إليه تحت ساباط أو في كن على وجهين، ولمن لا يناله مطر ولا وحل الجمع؛ خوف فوت الجماعة.

التالي السابق


الخدمات العلمية