صفحة جزء
1065 ص: قال أبو جعفر - رحمه الله -: وليس في شيء من هذه الآثار ولا فيما تقدمها دليل على أن الأفضل من ذلك ما هو؟ لأنه قد يجوز أن يكون -عليه السلام- فعل شيئا وغيره أفضل منه، على التوسعة منه على أمته، كما توضأ مرة بعد مرة، وكان وضوؤه ثلاثا ثلاثا أفضل من ذلك، فأردنا أن ننظر فيما روي عنه سوى هذه الآثار هل فيها ما يدل على الفضل في شيء من ذلك؟ فإذا علي بن شيبة قد حدثنا، قال: ثنا أبو نعيم ، قال: ثنا سفيان الثوري ، عن محمد بن عجلان ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله -عليه السلام-: " أسفروا بالفجر، فكلما أسفرتم فهو أعظم للأجر، أو لأجوركم " .

وحدثنا علي بن شيبة ، قال: ثنا يزيد بن هارون ، قال: أنا محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع بن خديج ، قال: سمعت رسول الله -عليه السلام- يقول: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" .

وحدثنا بكر بن إدريس ، قال: ثنا آدم بن أبي إياس ، قال: حدثني شعبة ، عن داود ، عن زيد بن أسلم ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله -عليه السلام-: "نوروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" .


[ ص: 387 ] ش: أشار بهذا الكلام إلى أن استدلال كل واحد من الفريقين بالأحاديث التي ذكرها كل فريق للاحتجاج لا يتم به؛ وذلك لأنه قد يجوز أن يكون -عليه السلام- فعل التغليس والحال أن الإسفار أفضل، ويجوز أن يكون فعل الإسفار والحال أن التغليس أفضل توسعة بذلك على أمته، كما فعل كذلك في الوضوء حيث توضأ مرة مرة، والحال أن الثلاث كان أفضل، فإذا كان كذلك فلا يتم استدلال بذلك، فيتعين الرجوع إلى غير هذا ليوقف على أي شيء أفضل، فنظرنا في ذلك فوجدنا رافع بن خديج -رضي الله عنه- قد روى عن النبي -عليه السلام-: "أسفروا بالفجر" . وفي رواية: "نوروا" وكذا روي عن غيره بصيغة الأمر على ما نذكره إن شاء الله تعالى.

فدل ذلك على أن الإسفار أفضل من التغليس ؛ فحينئذ يتم استدلال أهل المقالة الثانية، وتقوم حجتهم على ساقها.

فإن قيل: فعل هذا ينبغي أن يكون الإسفار واجبا لمقتضى الأوامر فيه.

قلت: الأمر إنما يدل على الوجوب إذا كان مطلقا مجردا عن القرائن الصارفة إلى غيره، والأوامر التي وردت في الإسفار ليست كذلك، فلا يدل إلا على الاستحباب.

ثم إنه أخرج حديث رافع بن خديج من ثلاث طرق صحاح:

الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي ، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري ، عن سفيان الثوري ، عن محمد بن عجلان القرشي روى له الجماعة، البخاري مستشهدا، عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري روى له الجماعة، عن محمود بن لبيد بن عتبة بن رافع الأنصاري ذكره مسلم في التابعين من الطبقة الثانية وذكر ابن أبي حاتم أن البخاري قال: له صحبة، قال: وقال أبي: لا يعرف له صحبة. قال أبو عمر : قول البخاري أولى.

[ ص: 388 ] والحديث أخرجه الأربعة:

فالترمذي : عن محمد بن إسحاق ، عن عاصم بن عمر . الباقون عن محمد بن عجلان ، عن عاصم بن عمر .

ولفظ أبي داود : "أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم أو أعظم للأجر" .

ولفظ ابن ماجه : "أصبحوا بالصبح فإنه أعظم للأجر أو لأجركم" .

ولفظ النسائي : "أسفروا بالفجر" .

وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" وقال: أنا أحمد بن علي بن المثنى ، قال: ثنا أبو خيثمة ، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان ، عن ابن عجلان ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع بن خديج ، عن النبي -عليه السلام- قال: "أصبحوا بالصبح؛ فإنكم كلما أصبحتم بالصبح كان أعظم لأجوركم أو لأجرها" . وذكره الطوسي وابن القطان وابن حزم في الصحاح، فقال ابن القطان : طريقه طريق صحيح.

وقال الترمذي : حديث رافع بن خديج حديث حسن صحيح، وقال البغوي : هو حديث حسن.

ولما ذكر ابن حزم هذا الحديث في "المحلى" قال: الخبر صحيح، وقال أبو محمد الأزدي : هذا حديث يدور بهذا الإسناد فيما أعلم على عاصم ، وهو ثقة عند أبي زرعة وابن معين ، وضعفه غيرهما، وقد روي مسند آخر إلى رافع ، وحديث عاصم أصح.

[ ص: 389 ] وحديث رافع من طريق عاصم حسن.

وقال ابن القطان : لا أعرف لعاصم مضعفا.

ورواه أبو داود من حديث ابن عجلان بدلا من ابن إسحاق .

وجمع بينهما الطبراني فقال: نا إبراهيم بن نائلة ، نا محمد بن المغيرة ، ثنا النعمان ، ثنا سفيان ، عن محمد بن إسحاق وابن عجلان .

وثنا محمد بن عبدوس ، ثنا إبراهيم بن راشد الأدمي ، ثنا معلى بن عبد الرحمن ، عن عبد الحميد بن جعفر ، قالوا: ثنا عاصم به.

قال: وثنا أبو معن ، ثنا آدم بن أبي إياس ، ثنا شعبة ، عن أبي داود ، عن زيد بن أسلم ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع .

قال: لم يروه عن شعبة إلا آدم وبقية ، إلا أن بقية رواه عن شعبة ، عن داود البصري ، وقيل: إنه داود بن أبي هند .

ورواه أبو نعيم في كتاب "الصلاة": عن هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن محمود به.

وهذا الطحاوي أيضا رواه من حديث ابن عجلان وابن إسحاق ، كلاهما عن عاصم ، ومن حديث داود بن أبي هند عن زيد بن أسلم عن محمود به.

الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت ، عن يزيد بن هارون الواسطي ، عن محمد بن إسحاق ، عن عاصم ... إلى آخره.

وأخرجه الترمذي : ثنا هناد ، قال: ثنا عبدة ، عن محمد بن إسحاق ، عن [ ص: 390 ] عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله -عليه السلام- يقول: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" .

الثالث: عن بكر بن إدريس بن الحجاج الأزدي ، عن آدم بن أبي إياس عبد الرحمن التميمي شيخ البخاري ، عن شعبة بن الحجاج ، عن داود بن أبي هند البصري ، عن زيد بن أسلم ... إلى آخره.

وأخرجه الطبراني في "الكبير": ثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي ، حدثني أبي، ثنا بقية بن الوليد ، عن شعبة بن الحجاج ، حدثني داود البصري ، عن زيد بن أسلم ، عن محمود بن لبيد ، عن رافع بن خديج ، عن النبي -عليه السلام- قال: "أسفروا بصلاة الفجر فإنه أعظم للأجر" .

فإن قيل: قد قال ابن حزم في "المحلى": وهذا الخبر صحيح، إلا أنه لا حجة لهم فيه إذا أضيف إلى الثابت من فعله -عليه السلام- في التغليس، حتى إنه لينصرف والنساء لا يعرفن، أو حين يعرف الرجل وجه جليسه الذي كان يعرفه، وإن هذا كان المداوم عليه من عمله -عليه السلام-، وصح أن الإسفار المأمور به إنما هو بأن ينقضي طلوع الفجر ولا يصلي على شك منه.

قلت: قد مر أن الثابت من فعله -عليه السلام- في التغليس لا يدل على الأفضلية؛ لأنه يجوز أن يكون غيره أفضل منه وإنما فعل ذلك للتوسعة على أمته، بخلاف الخبر الذي فيه الأمر؛ لأن قوله: "أعظم للأجر" . أفعل التفضيل فيقتضي أجرين أحدهما أكمل من الآخر؛ لأن صيغة أفعل تقتضي المشاركة في الأصل مع رجحان أحد الطرفين، فحينئذ يقتضي هذا الكلام حصول الأجر في الصلاة بالغلس، ولكن حصوله في الإسفار أعظم وأكمل منه ، فلو كان الإسفار لأجل تقصي طلوع الفجر لم يكن في وقت التغليس أجر لخروجه عن الوقت. فافهم.

[ ص: 391 ] فإن قيل: قد قال البيهقي : رجح الشافعي حديث عائشة -رضي الله عنها- بأنه أشبه بكتاب الله - عز وجل – لأن الله تعالى يقول: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فإذا دخل الوقت فأولى المصلين بالمحافظة المقدم للصلاة، وأن رسول الله -عليه السلام- لا يأمر بأن تصلى صلاة في وقت يصليها في غيره، وهذا أشبه بسنن رسول الله -عليه السلام- وذكر حديث "أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله" وهو لا يؤثر على رضوان الله شيئا، والعفو لا يحتمل إلا معنيين: عفو عن تقصير، أو توسعة. والتوسعة تشبه أن يكون الفضل في غيرها إذا لم يؤمر بترك ذلك الغير الذي وسع في خلافه - يريد الوقت الأول - قال: وقد أبان رسول الله -عليه السلام- مثل ما قلنا، وسئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة في أول وقتها" وهو لا يدع موضع الفضل ولا يأمر الناس إلا به.

وقال: قال الشافعي في حديث رافع : له وجه يوافق حديث عائشة ولا يخالفه، وذلك أن رسول الله -عليه السلام- لما حض الناس على تقديم الصلاة، وأخبر بالفضل فيها احتمل أن يكون من الراغبين من يقدمها قبل الفجر الآخر، فقال: "أسفروا بالفجر" حتى يتبين الفجر الآخر معترضا فأراد -عليه السلام- فيما نرى - الخروج من الشك، حتى يصلي المصلي بعد اليقين بالفجر، فأمرهم بالإسفار أي بالتبين.

قلت: المراد بالآية والمحافظة فيها: هو المداومة على إقامة الصلوات في أوقاتها ، وليس فيها دليل على أن أول الوقت أفضل، بل هي دليل لنا؛ لأن الذي يسفر بالفجر يترقب الإسفار في أول الوقت، فيكون هو المحافظ المداوم على الصلاة؛ ولأنه ربما تقع صلاته في التغليس قبل الفجر، فلا يكون محافظا للصلاة في وقتها.

قوله: "وإن رسول الله -عليه السلام- لا يأمر بأن تصلى صلاة..." إلى آخره يوهم رد حديث رافع المذكور، وليس هذا بصحيح؛ لأنه ثبت من طريق صحيح عن [ ص: 392 ] النبي -عليه السلام- أنه أمر بالإسفار كما مر ذكره، وقد قلنا أيضا: إن صلاته -عليه السلام- في الغلس لا يدل على الأفضلية حتى يقال: لا يأمر بأن تصلى صلاة في وقت يصليها في غيره.

وأما حديث: "أول الوقت، رضوان الله، وآخره عفو الله" فالمراد من العفو: الفضل، كما في قوله تعالى: ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو أي الفضل، فكان معنى الحديث - والله أعلم -: أن من أدى الصلاة في أول الوقت فقد نال رضوان الله وأمن من سخطه وعذابه، لامتثاله أمره وأدائه ما وجب عليه، ومن أدى في آخر الوقت فقد نال فضل الله، ونيل فضل الله لا يكون بدون الرضوان، فكانت هذه الدرجة أفضل من تلك.

وأما حديث: "سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: الصلاة في أول وقتها" فمعناه أداء الصلوات في أول وقتها أفضل الأعمال ، وذكر "أول" ها هنا لأجل الحث والتحضيض والتأكيد على إقامة الصلوات في أوقاتها، وإلا فالذي يؤديها في ثاني الوقت أو ثالثه أو رابعه كالذي يؤديها في أوله، فعلم أن المراد من ذكر الأول الحث والتأكيد في المنع عن الكسل في أدائها وتأخيرها عن وقتها إلى خروجها عنه، لا أن الجزء الأول له مزية على الجزء الثاني أو الثالث أو الرابع، فحاصل المعنى: الصلاة في وقتها أفضل الأعمال ثم يتميز الجزء الثاني في صلاة الصبح عن الجزء الأول بالأمر الذي فيه الإسفار الذي يقتضي التأخير عن الجزء الأول.

وأما قوله: وقد قال الشافعي في حديث رافع ... إلى آخره، يرده ويبطل تأويله [ ص: 393 ] ما رواه ابن أبي شيبة ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو داود الطيالسي في مسانيدهم والطبراني في "معجمه ".

فقال الطيالسي : ثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني .

وقال الباقون: ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، ثنا إسماعيل بن إبراهيم المدني ، ثنا هرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج ، سمعت جدي رافع بن خديج يقول: قال رسول الله -عليه السلام- لبلال : "يا بلال ، نور صلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع نبلهم من الإسفار" .

ورواه ابن أبي حاتم في "علله" فقال: ثنا هارون بن معروف وغيره، عن أبي إسماعيل المؤدب إبراهيم بن سليمان ، عن هرير به.

قال: ورواه أبو نعيم ، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مجمع ، عن هرير به.

ورواه ابن عدي أيضا في "الكامل": عن أبي إسماعيل المؤدب ، وأسند عن ابن معين أنه قال: أبو إسماعيل المؤدب ضعيف. قال ابن عدي : ولم أجد في تضعيفه غير هذا، وله أحاديث غرائب حسان تدل على أنه من أهل الصدق، وهو ممن يكتب حديثه.

وحديث آخر يبطل ما قالوا، رواه الإمام (أبو القاسم القاسم بن ثابت) السرقسطي في كتاب "غريب الحديث": حدثنا موسى بن هارون ، ثنا محمد بن الأعلى ، ثنا المعتمر ، سمعت يبانا ، أنا سعيد ، قال: سمعت أنسا -رضي الله عنه- يقول:

[ ص: 394 ] "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي الصبح حين يفسح البصر" انتهى. قال: يقال: فسح البصر وانفسح إذا رأى الشيء عن بعد، يعني به إسفار الصبح، فحينئذ تأويلهم معنى الإسفار أن يظهر الفجر ويتبين حتى لا يشك فيه غير صحيح؛ لأن الغلس الذي يقولون به هو اختلاط ظلام الليل بنور النهار كما ذكره أهل اللغة، وقبل ظهور الفجر لا تصح صلاة الفجر، فثبت أن المراد بالإسفار إنما هو التنوير وهو التأخير عن الغلس وزوال الظلمة.

فإن قيل: قد قيل: إن الأمر بالإسفار إنما جاء في الليالي المقمرة؛ لأن الصبح لا يتبين فيما جدا فأمرهم بزيادة التبين استظهارا باليقين في الصلاة.

قلت: هذا تخصيص بلا مخ -صلى الله عليه وسلم- وهو باطل.

ويرده أيضا ما أخرجه ابن أبي شيبة : عن إبراهيم النخعي : "ما اجتمع أصحاب محمد -عليه السلام- على شيء ما اجتمعوا على التنوير بالفجر" .

التالي السابق


الخدمات العلمية