صفحة جزء
1288 1289 1290 1291 ص: وأما حديث عبادة - رضي الله عنه - فقد بين الأمر، فأخبر عن رسول الله - عليه السلام - أنه أمر المأمومين بالقراءة خلف الإمام بفاتحة الكتاب، فأردنا أن ننظر هل ضاد ذلك غيره أم لا؟ فإذا يونس قد حدثنا، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن ابن شهاب ، عن ابن أكيمة الليثي ، عن أبي هريرة: " أن رسول الله - عليه السلام - انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ أحد منكم معي آنفا؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله - عليه السلام -: إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟ قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - عليه السلام - فيما جهر به رسول الله - عليه السلام - بالقراءة في الصلوات حين سمعوا ذلك منه".

حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابي ، عن الأوزاعي، قال: حدثني الزهري ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - عليه السلام - نحوه، غير أنه قال: "فاتعظ المسلمون بذلك فلم يكونوا يقرءون".


ش: هذا جواب عن حديث عبادة المذكور في أول الباب الذي احتج به أهل المقالة الأولى في وجوب القراءة بأم الكتاب خلف الإمام في سائر الصلوات، بيانه: [ ص: 95 ] أن حديث أبي هريرة هذا يعارضه; لأنه يصرح بانتهاء الناس عن القراءة مع رسول الله - عليه السلام - فيما جهر به رسول الله - عليه السلام - بالقراءة من الصلوات، وحديث عبادة أخبر أنه أمر المأمومين بالقراءة خلفه بفاتحة الكتاب مطلقا، فبينهما تعارض ظاهر في حكم القراءة في الجهرية، وحديث أبي هريرة الآخر الذي يأتي عن قريب وهو قوله: "فإذا قرأ فأنصتوا" يعارضه مطلقا، سواء كان في الجهرية أو في السرية، وكذلك أحاديث ابن مسعود وجابر وابن عمر وأنس بن مالك كلها تعارض حديث عبادة على ما يأتي مفصلا، فإذا ثبت التعارض يجب الرجوع في أخذ الحكم إلى طريق النظر، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.

وجواب آخر: أن قوله - عليه السلام - "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب" في حديث عبادة يحتمل أن يكون ذلك قبل أن يؤمروا بالإنصات عند قراءة القرآن، فلما نزل قوله تعالى: وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا بطلت القراءة خلف الإمام، وقد وردت أخبار في أن هذه الآية نزلت في القراءة خلف الإمام.

والدليل على ما قلنا: ما أخرجه البيهقي : عن مجاهد قال: "كان رسول الله - عليه السلام - يقرأ في الصلاة فسمع قراءة فتى من الأنصار، فنزل: وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا وأخرج عن الإمام أحمد قال: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة.

ويحتمل أن يكون ذلك بطريق تحصيل الفضيلة والكمال لا الوجوب للأحاديث التي وردت في منع المقتدي عن القراءة.

وقوله: "فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" معناه لا صلاة كاملة لمن لم يقرأ بها، ونحن نقول أيضا بذلك، ولكن هذا في حق الإمام والمنفرد، وأما المقتدي فليس عليه ذلك أصلا.

[ ص: 96 ] فإن قالوا: المقتدي مصل، وكل مصل تجب عليه القراءة، فالمقتدي تجب عليه القراءة.

قلنا: المقتدي أيضا قارئ; لأن قراءة إمامه قراءته وليست صلاة المقتدي صلاة بلا قراءة، بل صلاته صلاة بقراءة.

وقال الخطابي: هذا الحديث يصرح بأن قراءة فاتحة الكتاب واجبة على من صلى خلف الإمام، سواء جهر الإمام بالقراءة أو خافت بها.

وإسناده جيد لا طعن فيه.

قلت: فيما ذكرنا جواب عما قاله، ولو كان الحديث عليهم لأعلوه بمحمد بن إسحاق كما هو عادة البيهقي وأمثاله، فلما صار لهم جعلوا إسناده جيدا لا طعن فيه، نعم لا طعن فيه ولكن محمله ما ذكرناه، فافهم.

ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة هذا من طريقين صحيحين:

الأول: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن مالك ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن ابن أكيمة الليثي ، عن أبي هريرة ... إلى آخره.

وأخرجه أبو داود : ثنا القعنبي ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن ابن أكيمة الليثي ، عن أبي هريرة: "أن رسول الله - عليه السلام - انصرف من صلاة ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي .

وأخرجه الترمذي : نا الأنصاري، قال: نا معن، قال: نا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ... إلى آخره نحوه.

وأخرجه النسائي : أنا قتيبة ، عن مالك ... إلى آخره نحوه.

[ ص: 97 ] فإن قيل: كيف تقول طريقه صحيح وقد قال البيهقي: في صحة هذا الحديث نظر; لأن راويه ابن أكيمة الليثي رجل مجهول لم يحدث إلا بهذا الحديث وحده، ولم يحدث عنه غير الزهري؟

قلت: أخرج حديثه ابن حبان في "صحيحه" ، وحسنه الترمذي، وقال: اسمه عمارة، ويقال: عمرو، وقيل: اسمه عامر، وقيل: يزيد، وقيل: عباد، وكنيته أبو الوليد الحجازي، وقال ابن حبان في "صحيحه": اسمه عمرو، وهو وأخوه عمر ثقتان. وقال ابن معين: روى عنه محمد بن عمرو وغيره. وحسبك برواية ابن شهاب عنه، وأبو داود لما أخرج حديثه لم يتعرض له بشيء، وذلك دليل على حسنه عنده كما عرف .

وفي "الكمال" لعبد الغني: روى عن ابن أكيمة: مالك ، ومحمد بن عمرو. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: صحيح الحديث، حديثه مقبول. وفي "التمهيد": كان يحدث في مجلس سعيد بن المسيب وهو يصغي إلى حديثه، وبحديثه قال هو وابن شهاب، وذلك دليل على جلالته عندهم وثقته، وهذا كله ينفي الجهالة.

الثاني: عن حسين بن نمر بن المعارك ، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري ، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ... إلى آخره.

وهذا على شرط الصحيح. وأخرجه البزار: ثنا محمد بن مسكين، نا بشر بن بكر، نا الأوزاعي، حدثني محمد بن مسلم الزهري، حدثني سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: "قرأ ناس مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة جهر فيها [ ص: 98 ] بالقراءة، فلما قضى رسول الله - عليه السلام - صلاته أقبل عليهم فقال: "هل قرأ منكم معي أحد آنفا"؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ ". وهذا الحديث رواه ابن عيينة ، ومعمر، وجماعة من أصحاب الزهري ، عن الزهري ، عن ابن أكيمة ، عن أبي هريرة وهو الصواب.

وقال بعض أصحاب الزهري: عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة يحدث، عن سعيد بن المسيب، وأخطأ في إسناده، ورواه ابن أخي الزهري ، عن الزهري ، عن الأعرج عن ابن بحينة ، عن النبي - عليه السلام - فأخطأ في إسناده.

قوله: "ما لي أنازع القرآن" بصيغة المجهول، ونصب القرآن، ومعناه: ما لي إذا أداخل في القراءة وأغالب عليها؟ وقد تكون المنازعة بمعنى المشاركة والمداولة، ومنه منازعة الكأس في المدام.

التالي السابق


الخدمات العلمية