صفحة جزء
110 ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن حضين بن المنذر أبي ساسان ، عن [ ص: 226 ] المهاجر بن قنفذ: " أنه سلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتوضأ فلم يرد عليه، فلما فرغ من وضوئه قال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة". .

ففي هذا الحديث: أن رسول الله كره أن يذكر الله إلا على طهارة، ورد السلام بعد الوضوء الذي صار به متطهرا، ففي ذلك دليل أنه قد توضأ قبل أن يذكر اسم الله تعالى.


ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بما قد حدثنا ... إلى آخره.

وسعيد هو ابن أبي عروبة أبو النضر البصري ، روى له الجماعة.

وحضين -بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة وسكون الياء وفي آخره نون- روى له مسلم ، وهذا الإسناد صحيح.

وأخرجه أبو داود : ثنا محمد بن المثنى ، ثنا عبد الأعلى ، ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن حضين بن المنذر ، عن المهاجر بن قنفذ "أنه أتى النبي - عليه السلام - وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد [عليه] حتى توضأ، ثم اعتذر إليه قال: إني كرهت أن أذكر الله تعالى إلا على طهر أو [قال] على طهارة" .

وأخرجه النسائي ، وابن ماجه أيضا.

وأخرجه أحمد في "مسنده" عن محمد بن جعفر ، عن سعيد ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي .

[ ص: 227 ] وكذلك البيهقي في "سننه" ورواه ابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه" وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

وقال ابن دقيق العيد في "الإمام": هذا الحديث معلول، ومعارض; أما كونه معلولا فلأن سعيد بن أبي عروبة كان قد اختلط في آخر عمره، فيراعى فيه سماع من سمع منه قبل الاختلاط.

وقد رواه النسائي : من حديث شعبة عن قتادة به وليس فيه: "أنه لم يمنعني ... " إلى آخره، ورواه حماد بن سلمة عن حميد وغيره، عن الحسن ، عن مهاجر منقطعا، فصار فيه ثلاث علل.

وأما كونه معارضا فبما رواه البخاري ومسلم : من حديث كريب عن ابن عباس قال: "بت عند خالتي ميمونة ... " الحديث. ففي هذا ما يدل على جواز ذكر اسم الله تعالى وقراءة القرآن مع الحدث .

قوله: "ففي هذا الحديث" أي حديث مهاجر ، أراد أن هذا الحديث دل أنه - عليه السلام - توضأ قبل أن يذكر اسم الله; فدل ذلك على عدم اشتراط التسمية.

وفي "المبسوط": علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأعرابي الوضوء ولم يذكر التسمية. فتبين بهذا أن المراد من قوله - عليه السلام -: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" نفي الكمال لا نفي الجواز، وفي الحديث المعروف: "كل أمر ذي بال لم يبدأ باسم الله أقطع" أي ناقص غير كامل. وقد قيل: إن الأحاديث التي وردت في هذا الباب كلها ليست بصحيحة ولا أسانيدها مستقيمة، ولهذا قال أحمد : لا أعلم في هذا الباب حديثا له إسناد جيد.

[ ص: 228 ] قلت: قد ذكرنا عن جماعة أنهم صححوا حديث المهاجر ، والأولى أن يقال: الحديث محمول على نفي الفضيلة، حتى لا يلزم الزيادة على مطلق الكتاب بخبر الواحد، وذلك نحو قوله - عليه السلام -: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" .

فإن قيل: قوله - عليه السلام -: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" نظير قوله - عليه السلام -: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" في كونه خبر الواحد، فكيف اختلف حكمهما من السنة والوجوب؟

قلت: قد قال بعضهم: لا نسلم أنهما نظيران في كونهما خبر الواحد، بل خبر الفاتحة أشهر من خبر التسمية، فقدر مرتبة الحكم على حسب مرتبة العلة، وفيه نظر; لأن لقائل أن يقول: إذا كان خبر الفاتحة مشهورا لكان تعيين الفاتحة فرضا; لجواز الزيادة على النص بالخبر المشهور، والأحسن أن يقال: قارن خبر الفاتحة مواظبة النبي - عليه السلام - عليها من غير ترك، فهذا دليل الوجوب، بخلاف التسمية حيث لم تثبت فيها مواظبة.

فإن قلت: حديث عائشة - رضي الله عنها - الذي أخرجه البزار الذي ذكرناه عن قريب يدل على أنه - عليه السلام - كان يسمي في الوضوء دائما.

قلت: نعم، لكن لا نسلم أنها كانت باعتبار أنها سنة الوضوء بل باعتبار أنها مستحبة في ابتداء جميع الأفعال.

التالي السابق


الخدمات العلمية