صفحة جزء
2260 ص: حدثنا يزيد بن سنان وصالح بن عبد الرحمن وبكر بن إدريس، قالوا: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا يحيى بن أيوب أبو العباس المصري ، عن زيد بن جبيرة ، عن داود بن الحصين ، عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: " نهى رسول الله - عليه السلام - عن الصلاة في سبع مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق بيت الله -عز وجل- ".


ش: أبو عبد الرحمن المقرئ اسمه عبد الله بن يزيد القصير شيخ البخاري ، ويحيى بن أيوب الغافقي روى له الجماعة، وزيد بن جبيرة بفتح الجيم وكسر الباء والموحدة بن محمود بن أبي جبير بن الضحاك الأنصاري المديني أبو جبيرة، قال يحيى بن معين: لا شيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث جدا لا يكتب حديثه، روى له الترمذي وابن ماجه ، وداود بن الحصين القرشي المدني روى له الجماعة.

[ ص: 133 ] وأخرجه الترمذي: ثنا محمود بن غيلان، قال: نا المقرئ، قال: نا يحيى بن أيوب ... إلى آخره نحوه سواء، غير أن في لفظه: "وفوق ظهر بيت الله".

قال أبو عيسى: حديث ابن عمر إسناده ليس بذاك القوي ; قد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه.

وأخرجه ابن ماجه أيضا: عن محمد بن إبراهيم الدمشقي ، عن عبد الله بن يزيد ، عن يحيى بن أيوب ، عن زيد بن جبيرة ... إلى آخره نحوه.

قوله: "في سبع مواطن" كذا في رواية ابن ماجه، وفي رواية الترمذي: "في سبعة مواطن"، والظاهر رواية الطحاوي ; لأن المواطن جمع موطن وهو مؤنث ; لأنه اسم لبقعة من الأرض معينة، وقد عرف أن العدد يذكر في المؤنث ويؤنث في المذكر إلى العشرة.

قوله: "في المزبلة" وهي موضع رمي الزبالات، وهي بفتح الميم والباء، وحكى الجوهري فيها ضم الباء.

قوله: "والمجزرة" بفتح الميم والزاي موضع جزر الإبل أي ذبحها، وقال ابن الأثير: المجزرة الموضع الذي تنحر فيه الإبل وتذبح فيه البقر والشاء، وجمعها المجازر.

قوله: "والمقبرة" بفتح الميم وضم الباء، وقد تفتح، وقال ابن الأثير: المقبرة موضع دفن الموتى وتضم باؤها وتفتح.

قلت: المقبرة -بفتح الميم والباء- اسم مكان من قبر يقبر، والمقبرة -بضم الباء- اسم موضوع للمكان الذي يدفن فيه الموتى، وذكر في شرح "الهادي" أن ما جاء على مفعلة -بالضم- يراد بها أنها موضوعة لذلك ومتخذة له، فإذا قالوا: المقبرة بالفتح أرادوا مكان الفعل، وإذا ضموا أرادوا البقعة التي من شأنها أن يقبر فيها الموتى.

[ ص: 134 ] وذكر بعضهم أن المقبرة بالفتح أو الضم ليس بمقياس، أما الفتح فلأنه لم يرد بها مكان الفعل -يعني موضع وقوع الفعل- ولا زمانه، بل أريد المكان المخصوص، والفتح لمكان الفعل أو زمانه، وأما الضم فظاهر ; لأن مضارعها مضموم العين، فالقياس الفتح.

وفيه نظر ; لأن الضم إنما يكون غير قياس إن لو أريد بها مكان الفعل، أما لو أريد بها المكان الخاص فلا يكون خارجا عن القياس.

وقال ابن الحاجب في "شرح المفصل": وقد يدخل على بعضها تاء التأنيث مع جريها على القياس كالمزلة والمقبرة، ومع مخالفته كالمظنة، وأما ما جاء على مفعلة -بالضم- فأسماء غير جارية على الفعل ولكنها بمنزلة قارورة وشبهها.

قلت: معنى كلامه أنها أسماء غير مذهوب بها مذهب الأفعال، فإذا ضموا أرادوا اسم المكان مع قطع النظر عن كونه من الفعل كالقارورة فإنه اسم مع قطع النظر عن فعله فإنه لا يسمى كل ما يقر فيه الشيء قارورة وإن كان معنى القرار موجودا فيه، وشبهها، فافهم.

قوله: "وقارعة الطريق" قال الجوهري: قارعة الطريق أعلاه.

قوله: "ومعاطن الإبل" المعاطن جمع معطن وهو مبرك الإبل، وقد مر الكلام فيه مستوفى عن قريب.

قوله: "وفوق بيت الله -عز وجل-" أراد بها فوق الكعبة شرفها الله تعالى.

ويستنبط منه أحكام:

كراهة الصلاة في المزبلة ; لأنها موضع الزبالات ولا تخلو عن النجاسات، وكراهتها في مجازر الإبل والبقر والشاء ; لأجل النجاسة التي فيها من دماء الذبائح وأوراثها، فإن وجد هناك موضعا طاهرا وصلي فيه فلا بأس به.

قال ابن حزم في "المحلى": والصلاة في البيعة والكنيسة وبيت النار والمجزرة -ما اجتنب البول والروث والدم- وعلى قارعة الطريق وبطن الوادي ومواضع [ ص: 135 ] الخسف وإلى البعير والناقة والمتحدث والقيام وفي كل موضع جائزة ما لم يأت نص أو إجماع متيقن في تحريم الصلاة في مكان ما، فيوقف عند النهي في ذلك.

وقد روينا عن رسول الله - عليه السلام - من طريق أبي هريرة وجابر وحذيفة وأنس - رضي الله عنهم -: أن من فضائلنا أن الأرض جعلت لنا مسجدا، وكل ما ذكرنا من الأرض فالصلاة فيه جائزة حاشى ما جاء النص بالمنع من الصلاة فيه كعطن الإبل والحمام والمقبرة وإلى قبر وعليه والمكان المغصوب والنجس ومسجد الضرار، وإنما جاء النهي عن الصلاة في المجزرة وظهر بيت الله الحرام من طريق زيد بن جبيرة وهو لا شيء، ومن طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث وهو ضعيف، وجاء النهي عن الصلاة في موضع الخسف من طريق ابن لهيعة وهو لا شيء، وجاء النهي عن الصلاة على قارعة الطريق من طريق الحسن عن جابر، ولا يصح سماع الحسن عن جابر - رضي الله عنه -.

وقال ابن قدامة في "المغني": وزاد أصحابنا: المجزرة والمزبلة ومحجة الطريق وظهر الكعبة ; لأنها في خبر عمر وابنه - رضي الله عنهما -، وقالوا: لا يجوز فيها الصلاة، ولم يذكرها الخرقي فيحتمل أنه جوز الصلاة فيها وهو قول أكثر أهل العلم ; لعموم قوله: "جعلت لي الأرض مسجدا" وهو صحيح متفق عليه، واستثني منها المقبرة والحمام ومعاطن الإبل بأحاديث صحيحة خاصة، ففيما عدا ذلك يبقى على العموم، وحديث ابن عمر وأبيه يرويهما العمري وزيد بن جبيرة، وقد تكلم فيهما من قبل حفظهما فلا يترك الحديث الصحيح بحديثيهما، وهذا أصح، وأكثر أصحابنا فيما علمت عملوا بخبر عمر وابنه في المنع من الصلاة في المواضع السبعة.

ومعنى "محجة الطريق": الجادة المسلوكة التي يسلكها السابلة، وقارعة الطريق يعني التي تقرعها الأقدام فاعلة بمعنى مفعولة مثل الأسواق والمشارع [ ص: 136 ] والجادة للسفر، ولا بأس بالصلاة فيما علا منها يمنة ويسرة ولم يكثر قرع الأقدام له، وكذلك لا بأس بالصلاة في الطريق التي يقل سالكوها.

و "المجزرة": الموضع الذي تذبح فيه البهائم للقصابين وشبهها معروفا بذلك معدا.

و "المزبلة": الموضع الذي يجمع فيه الزبل ولا فرق في هذه المواضع بين ما كان منها طاهرا أو نجسا، ولا بين كون الطريق فيه سالكا أو لم يكن، ولا في المعاطن بين أن يكون فيها إبل أو لم يكن في ذلك الوقت.

ثم قال: يكره أن يصلى إلى هذه المواضع، فإن فعل صحت صلاته، نص عليه أحمد في رواية أبي طالب، انتهى.

وفيه دلالة أيضا على كراهة الصلاة في المقبرة، واختلف العلماء في ذلك، فكان الشافعي يقول: إذا كانت المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته صلاته.

ورخص عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - في الصلاة في المقبرة، وحكي عن الحسن البصري أنه صلى في المقابر.

وعن مالك: لا بأس بالصلاة في المقابر.

وقال أبو ثور: لا يصلى في حمام ولا مقبرة ; على ظاهر الحديث.

وكان أحمد وإسحاق يكرهان ذلك، ورويت الكراهة فيه عن جماعة من السلف.

وقال أصحابنا: إنما تخرج المقبرة عن كونها مسجدا إذا ظهرت فيه صدايد الموتى ونحوها، حتى إذا صلى في موضع طاهر منها يجوز.

وفي "المغني" لابن قدامة: وقد سئل أحمد عن الصلاة إلى المقبرة والحمام [ ص: 137 ] والحش، قال: لا ينبغي أن يكون في القبلة قبر ولا حش ولا حمام، فإن كان يجزئه.

وقال أبو بكر: يتوجه في الإعادة قولان:

أحدهما: يعيد لموضع النهي، وبه أقول.

والثاني: يصح ; لأنه لم يصل في شيء من المواضع المنهي عنها.

وقال أبو عبد الله بن حامد: إن صلى إلى المقبرة والحش فحكمه حكم المصلى فيهما إذا لم يكن بينه وبينهما حائل.

ثم قال: والصحيح أنه لا بأس بالصلاة إلى شيء من هذه المواضع إلا المقبرة.

وقال أيضا: ولا فرق في المقبرة بين الحديثة والقديمة وما نقلت أتربتها أو لم تنقل ; لأنه يتناولها اسم المقبرة، وإن نقلت القبور منها جازت الصلاة فيها، وإن كان في الموضع قبر أو قبران لم يمنع من الصلاة فيها ; لأنها لا يتناولها اسم المقبرة، وممن روي عنه أنه كره الصلاة في المقبرة علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي وابن المنذر، انتهى.

وفيه دلالة أيضا على كراهة الصلاة في قارعة الطريق، قيل: النهي في ذلك لكونها مظنة النجاسات، وقيل: لئلا يعوق المار فيها.

قلت: فعلى الأول: إذا صلى في مكان طاهر منها أجزأته صلاته من غير كراهة.

وعلى الثاني: إذا لم يكن فيها مار لا يكره أيضا.

وفيه دلالة أيضا على كراهة الصلاة في الحمام، قال أصحابنا: إنما يخرج الحمام عن كونه مسجدا إذا كانت النجاسة فيه ظاهرة، أو صلى في موضع فيه غسالات، حتى لو صلى فيه في مكان طاهر أو غسل موضعا منه وصلى فيه يجوز بلا كراهة.

وكذا قال الشافعي: إذا صلى في الحمام في موضع نظيف منه فلا إعادة عليه.

وقد اختلفت الرواية عن أحمد في الصلاة في الحمام، فعنه: أنها لا تصح فيها بحال.

[ ص: 138 ] وعنه: أنها تصح ما لم يكن على موضع نجس. وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة .

وكذلك اختلفت الرواية عن أحمد في الحش والمقبرة وأعطان الإبل.

وفي "المغني": وإن صلى على سطح الحش أو الحمام أو عطن الإبل أو غيرها فذكر القاضي أن حكمه حكم المصلي فيها ; لأن الهواء تابع للقرار.

وفيه دلالة على كراهة الصلاة على سطح الكعبة.

وفي "المغني": ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا على ظهرها، وجوزه الشافعي وأبو حنيفة ; لأنه مسجد، ولأنه محل لصلاة النفل فكان محلا للفرض كخارجها، وتصح النافلة في الكعبة وعلى ظهرها لا نعلم فيه خلافا، والله أعلم.

التالي السابق


الخدمات العلمية