صفحة جزء
2390 ص: فذهب قوم إلى أن المسافر بالخيار إن شاء أتم صلاته وإن شاء قصرها واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وبما حدثنا أبو بكرة ، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج ، قال: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار يحدث، عن عبد الله بن باباه ، عن يعلى بن منية قال: "قلت: لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: إنما قال الله: فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فقد أمن الناس. فقال: إني عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله - عليه السلام -، فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته".


ش: أراد بالقوم هؤلاء: أبا قلابة عبد الله بن زيد الجرمي وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب والشافعي ومالكا وأحمد وإسحاق ; فإنهم قالوا: القصر رخصة والمسافر مخير بين الإتمام، واحتجوا في ذلك بحديث عائشة المذكور.

[ ص: 312 ] وقال ابن قدامة في "المغني": المشهور عن أحمد أن المسافر إن شاء صلى ركعتين وإن شاء أتم.

وروى عنه أنه توقف وقال: أنا أحب العافية من هذه المسألة.

وممن روي عنه الإتمام في السفر: عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عمر وعائشة - رضي الله عنهم -، وبه قال الأوزاعي والشافعي ، وهو المشهور عن مالك .

وقال حماد بن أبي سليمان : ليس له الإتمام في السفر.

وهو قول الثوري وأبي حنيفة ، وأوجب حماد الإعادة على من أتم.

قوله: "وبما حدثنا أبو بكرة " أي واحتجوا أيضا فيما ذهبوا إليه بحديث أبي بكرة بكار الذي رواه عن روح بن عبادة بن العلاء البصري روى له الجماعة، عن عبد الملك بن جريج المكي روى له الجماعة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار القرشي المكي، وكان يلقب بالقس ; لعبادته، روى له الجماعة سوى البخاري ، عن عبد الله بن باباه -ويقال بابي، ويقال: بابيه- المكي روى له الجماعة سوى البخاري ، عن يعلى بن منية وهي أمه، وهو يعلى بن أمية بن أبي عبيدة أبو صفوان المكي أسلم يوم الفتح وشهد الطائف وحنينا وتبوك مع رسول الله - عليه السلام -، وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم .

وأخرجه مسلم : ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وأبو كريب وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم- قال إسحاق: أنا وقال الآخرون: ثنا- عبد الله بن إدريس ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي عمار ، عن عبد الله بن بابيه ، عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب . . . إلى آخره نحوه.

[ ص: 313 ] أخرجه الأربعة وابن حبان أيضا في "صحيحه" ولفظه: "فاقبلوا رخصته".

قوله تعالى: ليس عليكم جناح أي إثم وخطيئة، وقال الزمخشري : لما كانوا ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطروا ببالهم أن عليهم نقصانا في القصر، فنفى الله عنهم الجناح ; لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه وقرئ: "تقصروا" من أقصر، وقرأ الزهري : تقصروا بالتشديد.

والقصر ثابت بنص الكتاب في حال الخوف خاصة وهو قوله: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وأما في حال الأمن فبالسنة، وسيجيء مزيد كلام في هذه الآية الكريمة عن قريب إن شاء الله تعالى.

قوله: "صدقة" قال الجوهري: الصدقة ما تصدق به على الفقراء.

ويستفاد منه أحكام:

احتج به القوم المذكورون أن القصر رخصة وليس بعزيمة.

قلنا: الحديث دليل لنا ; لأنه أمر بالقبول فلا يبقى له خيار الرد شرعا ; إذ الأمر للوجوب.

فإن قيل: المتصدق عليه يكون مختارا في قبول الصدقة كما في المتصدق عليه من العباد.

قلنا: معنى قوله: "تصدق الله بها عليكم" حكم عليكم ; لأن التصدق من الله فيما لا يحتمل التمليك يكون عبارة عن الإسقاط كالعفو من الله.

وفيه: جواز قول الرجل: تصدق الله علينا، واللهم تصدق علينا، وهذه النعمة صدقة الله تعالى، وقد كره ذلك بعض السلف وهو غلط ظاهر.

[ ص: 314 ] وفيه: جواز القصر في غير الخوف وأن المفضول إذا رأى الفاضل يعمل عملا يشكل عليه دليله يسأله عنه، فافهم.

التالي السابق


الخدمات العلمية