صفحة جزء
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بكرة ، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن الزبير ، قال: ثنا سفيان ، عن منصور ، قال: "سألت سعيد بن جبير عن الشك في الصلاة فقال: أما أنا فإن كانت التطوع استقبلت، وإن كانت فريضة سلمت وسجدت. قال: فذكرته لإبراهيم فقال: ما نصنع بقول سعيد بن جبير ، حدثني علقمة ، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، عن النبي - عليه السلام - قال: "إذا سها أحدكم في صلاته فليتحر وليسجد سجدتين".

حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا يحيى بن حسان ، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إذا [ ص: 457 ] صلى أحدكم فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب فليتمه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين للسهو، ويتشهد ويسلم".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن منهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم ، عن منصور . . . فذكر مثله بإسناده، غير أنه لم يقل: "ويتشهد".

حدثنا أبو بكرة ، قال: ثنا أبو داود ، قال: ثنا زائدة بن قدامة ، عن منصور . . . فذكر بإسناده مثله.


ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن مسعود - رضي الله عنه -.

وأخرجه من أربع طرق صحاح:

الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن محمد بن عبد الله بن الزبير أبي أحمد الزبيري الكوفي روى له الجماعة، عن سفيان الثوري ، عن منصور بن المعتمر ، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه -.

ثم عن إبراهيم النخعي ، عن علقمة بن قيس النخعي ، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -.

وأصل هذا الحديث عند الجماعة.

وأخرجه الدارقطني مقتصرا على ما روي عن النبي - عليه السلام -: ثنا القاضي حسين بن إسماعيل، ثنا يوسف بن موسى، ثنا وكيع ، ثنا مسعر بن كدام ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي - عليه السلام -: "إذا شك أحدكم في الصلاة فليتحر الصواب ثم يسجد سجدتي السهو".

الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن ، عن يحيى بن حسان ، عن وهيب بن خالد البصري ، عن منصور . . . إلى آخره.

[ ص: 458 ] وأخرجه مسلم : عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، عن يحيى بن حسان ، عن وهيب ... إلى آخره نحوه.

ثم قال: وفي رواية ابن بشر: "فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب" وفي رواية وكيع : "فليتحر الصواب"، وفي أخرى: "فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب"، وفي أخرى: "فليتحر الذي يرى أنه الصواب".

الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن محمد بن منهال التميمي البصري شيخ الشيخين، عن يزيد بن زريع ... إلى آخره.

وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" بأتم منه: أنا أحمد بن يحيى بن زهير بتستر، قال: ثنا أحمد بن المقدام، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح بن القاسم ، عن منصور بن المعتمر ، عن إبراهيم النخعي ، عن علقمة بن قيس ، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "صلى بنا رسول الله - عليه السلام - صلاة زاد فيها أو نقص منها، فلما أتم قلنا: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قال: فثنى رجليه، فسجد سجدتين، ثم قال: لو حدث في الصلاة شيء أخبرتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا أحدكم شك في صلاته فليتحر الصواب، وليبن عليه، ثم ليسجد سجدتين".

الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي ، عن زائدة بن قدامة ، عن منصور بن المعتمر ... إلى آخره.

وأخرجه الطيالسي في "مسنده" نحوه.

قوله: "فليتحر" أمر من التحري، وهو: القصد والاجتهاد في الطلب، والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول.

[ ص: 459 ] قوله: "فلينظر أحرى ذلك" أي أولى ذلك وأقربه إلى الصواب. وفيه من الفوائد: وجوب الأخذ بالتحري عند وقوع الشك بين الثلاث والأربع، وكذلك بين الثنتين والثلاث والواحدة والثنتين، ولا يلزمه الاقتصار على الأقل والإتيان بالزيادة كما ذهب إليه الخصم.

فإن قيل: التحري في حديث عبد الله محمول على الأخذ بالأقل الذي هو اليقين ; لأن التحري هو القصد، ومنه قوله تعالى: تحروا رشدا ومعنى قوله: "فليتحر": فليقصد الصواب فيعمل به، وقصد الصواب هو ما بينه في حديث أبي سعيد الخدري وغيره على ما مضى ذكره.

قلت: حديث أبي سعيد محمول على ما إذا تحرى ولم يقع تحريه على شيء، فنقول: إذا تحرى ولم يقع تحريه على شيء بنى على الأقل.

وحديث أبي سعيد لا يخالف ما قلنا ; لأنه ورد في الشك وهو ما استوى طرفاه، ومن شك ولم يترجح له أحد الطرفين يبني على الأقل ; بالإجماع.

وقول الشيخ محيي الدين النووي -رحمه الله- في دفع هذا: إن تفسير الشك بمستوي الطرفين إنما هو اصطلاح طارئ للأصوليين، وأما في اللغة: فالتردد بين وجود الشيء وعدمه كله يسمى شكا سوى المستوي والراجح والمرجوح، والحديث يحمل على اللغة ما لم تكن هناك حقيقة شرعية أو عرفية، ولا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح ; لأن المراد الحقيقة العرفية وهي أن الشك ما استوى طرفاه.

ولئن سلمنا أن يكون المراد معناه اللغوي فليس معنى الشك في اللغة ما ذكره ; لأن صاحب "الصحاح" فسر الشك في باب: "الكاف" فقال: الشك خلاف اليقين. ثم فسر اليقين في باب: "النون" فقال: اليقين: العلم. فيكون الشك ضد العلم، وضد العلم الجهل، ولا يسمى المتردد بين وجود الشيء وعدمه جاهلا، بل يسمى شاكا، [ ص: 460 ] فعلم أن قوله: "وأما في اللغة فالتردد بين وجود الشيء وعدمه كله يسمى شكا" هو الحقيقة العرفية لا اللغوية.

وفيه: وجوب سجدتي السهو، وأنهما بعد السلام، وأن سجدتي السهو لهما سلام وتشهد.

التالي السابق


الخدمات العلمية