صفحة جزء
2592 2593 2594 [ ص: 33 ] ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن هلال بن أبي ميمون ، عن عطاء بن يسار ، عن معاوية بن الحكم السلمي قال : "بينما أنا مع رسول الله - عليه السلام - في صلاة إذ عطس رجل ، فقلت : يرحمك الله ، فحدقني القوم بأبصارهم ، فقلت : وا ثكل أماه ، ما لكم تنظرون إلي ؟! قال : فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم ، فلما رأيتهم يسكتونني لكني سكت ، فلما انصرف النبي - عليه السلام - من صلاته دعاني ، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه ، والله ما ضربني ولا كهرني ولا سبني ، ولكن قال : إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هو التكبير والتسبيح وتلاوة القرآن " .

حدثنا يونس وسليمان بن شعيب ، قالا : ثنا بشر بن بكر ، قال : حدثني الأوزاعي ، فذكر بإسناده مثله .

حدثنا ابن مرزوق ، قال : ثنا أبو عامر ، قال : ثنا فليح بن سليمان ، عن هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن معاوية بن الحكم ، . ثم ذكر نحوه وزاد : "فإذا كنت فيها فليكن ذلك شأنك" .

أفلا ترى أن رسول الله - عليه السلام - لما علم معاوية بن الحكم ، إذ تكلم في الصلاة قال له : "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " ، ولما لم يقل له : أو ينوبك فيها شيء مما تركه إمامك فتكلم به ، دل ذلك أن الكلام في الصلاة بغير التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن يقطعها .


ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث معاوية بن الحكم السلمي ، لأنه - عليه السلام - لما علمه حين تكلم في الصلاة قال له : "إن صلاتنا هذه . . . " إلى آخره ، دل أن الكلام في الصلاة بغير التسبيح والتكبير وتلاوة القرآن يقطعها ، وإلا لخلا كلامه عن الفائدة وذا لا يجوز . [ ص: 34 ] ثم إنه أخرج حديثه من ثلاث طرق صحاح :

الأول : عن محمد بن عبد الله بن ميمون الإسكندراني السكري شيخ أبي داود والنسائي أيضا ، وثقه ابن يونس وغيره .

عن الوليد بن مسلم القرشي الدمشقي روى له الجماعة ، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي الإمام المشهور ، عن يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي ، روى له الجماعة . عن هلال بن أبي ميمونة العامري ، روى له الجماعة ، عن عطاء بن يسار الهلالي أبي محمد القاضي المدني روى له الجماعة ، عن معاوية بن الحكم السلمي الصحابي - رضي الله عنه - .

وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي بأتم منه .

وقال مسلم : نا أبو جعفر محمد بن الصباح وأبو بكر بن أبي شيبة وتقاربا في اللفظ ، قالا : ثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن حجاج الصواف ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن هلال بن أبي ميمونة ، عن عطاء بن يسار ، عن معاوية بن الحكم السلمي قال : "بينا أنا أصلي مع رسول الله - عليه السلام - إذ عطس رجل من القوم ، فقلت : يرحمك الله ; فرماني القوم بأبصارهم ، فقلت : وا ثكل أمياه ، ما شأنكم تنظرون إلي ؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت ، فلما صلى رسول الله - عليه السلام - فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه ، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني ، ثم قال : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن . أو كما قال رسول الله - عليه السلام - ; فقلت : يا رسول الله ، إني حديث عهد بجاهلية ، وقد جاء الله بالإسلام ، وإن منا رجالا يأتون الكهان . قال : فلا تأتهم . قال : ومنا رجال يتطيرون . قال : ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم ، وقال ابن الصباح : فلا يصدنكم ، قال : فقلت : ومنا رجال يخطون ، [ ص: 35 ] قال : كان نبي من الأنبياء يخط ، فمن وافق خطه فذاك ، قال : وكانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوانية ، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها ، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون ، لكني صككتها صكة ، فأتيت رسول الله - عليه السلام - فأخبرته ، فعظم ذلك علي ، قلت يا رسول الله ، أفلا أعتقها قال : ائتني بها ، فأتيت بها ، فقال لها : أين الله ؟ قالت : في السماء . قال : من أنا ؟ قالت : أنت رسول الله . قال : اعتقها فإنها مؤمنة .

وقال : أبو داود : ثنا مسدد ، ثنا يحيى .

ونا عثمان بن أبي شيبة ، نا إسماعيل يعني ابن إبراهيم -المعنى- عن حجاج الصواف ، عن يحيى بن أبي كثير . . . إلى آخره نحوه ، وفيه اختلاف يسير .

وقال النسائي : أنا إسحاق بن منصور ، قال : ثنا محمد بن يوسف ، قال : ثنا الأوزاعي ، قال : حدثني يحيى بن أبي كثير ، عن هلال بن أبي ميمونة ، قال : حدثني عطاء بن يسار ، عن معاوية بن الحكم السلمي قال : "قلت يا رسول الله ، أنا حديث عهد بالجاهلية ، فجاء الله بالإسلام ، وإن رجالا منا يتطيرون . قال : ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم ، ورجال منا يأتون الكهان ، قال : فلا يأتوهم . قال : يا رسول الله ورجال منا يخطون . قال : كان نبي من الأنبياء يخط ، فمن وافق خطه فذاك . قال : وبينا أنا مع رسول الله - عليه السلام - في الصلاة إذ عطس رجل من القوم . . . " إلى قوله : "وتلاوة القرآن " نحو رواية الطحاوي ، وبعده قال : "ثم اطلعت إلى غنيمة لي ترعاها جارية لي من قبل أحد والجوانية ، وإني اطلعت فوجدت الذئب قد ذهب منها من شاة ، وأنا رجل من بني آدم ، آسف كما يأسفون ، فصككتها صكة ، ثم انصرفت إلى رسول الله - عليه السلام - فأخبرته ; فعظم ذلك علي ، فقلت : يا رسول الله! أفلا أعتقها ؟ قال : ادعها فقال لها رسول الله - عليه السلام - أين الله ؟ قالت : في السماء . قال : من أنا ؟ قالت : أنت رسول الله ، قال : إنها مؤمنة فأعتقها . [ ص: 36 ] الثاني : عن يونس بن عبد الأعلى المصري وسليمان بن شعيب الكيساني ، كلاهما ، عن بشر بن بكر التنيسي شيخ الشافعي ومن رجال البخاري ، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، عن يحيى . . . إلى آخره .

وأخرجه البيهقي في "سننه " : من حديث الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن ابن أبي ميمونة ، عن عطاء بن يسار ، حدثني معاوية بن الحكم ، قال : "بينا أنا مع رسول الله - عليه السلام - في الصلاة . . . " إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء .

الثالث : عن إبراهيم بن مرزوق ، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي ، عن فليح بن سليمان بن أبي المغيرة المدني ، عن هلال بن علي وهو هلال بن أبي ميمونة المذكور في الحديث السابق ، عن عطاء بن يسار المدني . . . إلى آخره .

وأخرجه أبو داود : ثنا محمد بن يونس ، نا عبد الملك بن عمرو ، نا فليح بن سليمان ، عن هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن معاوية بن الحكم السلمي قال : "قدمت على رسول الله - عليه السلام - علمت أمورا من أمور الإسلام فكان فيما علمت : أن قيل لي : إذا عطست فاحمد الله ، وإذا عطس العاطس فحمد الله ، فقل : يرحمك الله . قال فبينا أنا قائم مع رسول الله - عليه السلام - في الصلاة إذ عطس رجل ، فحمد الله ، فقلت : يرحمك الله -رافعا بها صوتي- فرماني الناس بأبصارهم ، حتى احتملني ذلك فقلت : ما لكم تنظرون إلي بأعين شزر ؟! قال : فسبحوا ، فلما قضى النبي - عليه السلام - الصلاة ، قال : من المتكلم ؟ قيل : هذا الأعرابي ; فدعاني رسول الله - عليه السلام - فقال : إنما الصلاة لقراءة القرآن وذكر الله ، فإذا كنت فيها فليكن ذلك شأنك ، فما رأيت معلما قط أرفق من رسول الله - عليه السلام - " .

قوله : "بينا " أصله "بين " فأشبعت الفتحة فصارت ألفا ، فقيل : "بينا " وقد تدخل فيه الميم فيقال : "بينما " وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ، ويضافان إلى [ ص: 37 ] جملة من فعل وفاعل ، ومبتدأ وخبر ، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى ، والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه إذ وإذا ، وقد جاء في الجواب كثيرا تقول : بينما زيد جالس دخل عليه عمرو ، وإذ دخل عليه عمرو ، وإذا دخل عليه عمرو وها هنا جوابه قوله : "إذ عطس " .

قوله : "فحدقني القوم " بتخفيف الدال ، ومعناه : رموني بأبصارهم وحدقهم ، وهي جمع حدقة وهي العين ، ويروى : "فحدقني " بتشديد الدال ، من التحديق : وهو شدة النظر .

قوله : "وا ثكل أماه " الثكل بضم الثاء المثلثة وإسكان الكاف ، وبفتحهما جميعا لغتان كالنحل والنحل ، حكاهما الجوهري وغيره ، وهو : فقدان المرأة ولدها ، وامرأة ثكلى وثاكل ، وثكلته أمه -بكسر الكاف- وأثكله الله أمه ، وثكلت المرأة وأثكلت : فقدت ولدها ، والواو في قوله : "وا ثكل " تسمى واو الندبة ، نحو وا زيداه ، والندبة والندب : لغة من ندبت الميت إذا بكيت عليه ، وعددت محاسنه ، وأصله من ندبه : إذا حثه ، كأن الحزن يحث النادب على مد الصوت باسم الميت ، ودعاء الناس إلى التضجر معه ، والأولى بالندبة : النساء لضعفهن عن تحمل المصيبة ، فيبنى المفرد على ما يرفع ، نحو : وا زيداه ، وا زيدان وينصب المضاف وشبهه نحو : وا عبد الله ، ثم يلحقونه حرف مد ليطول الصوت به فيكون أظهر للغرض ، وهو التفجع وإظهار اسم المندوب ، فيقال : وا زيداه واختير الألف ; لأنه أقعد في المد من أختيها ، أو لأنها أخف ، وزيادتها أكثر ، ولا يلحق الألف المضاف عند الإضافة لئلا يلزم الفصل بين المضاف والمضاف إليه ، بل يلحق المضاف إليه نحو : وا عبد اللاه وإن كان المضاف إليه منونا فسيبويه يحذف تنوينه نحو : وا غلام زيداه ، ثم ها هنا .

قوله : "وا ثكل أماه " مضاف ومضاف إليه ، فدخل الألف في المضاف إليه ، وهو أماه ، وفي رواية : "أمياه " قال المطرزي : حديث ابن الحكم : "وا ثكل أماه " ، وروي "أمياه " الأولى بإسقاط ياء المتكلم مع ألف الندبة ، والثانية بإثباتها ، والهاء للسكت ، ثم قيل : إن الميم مكسورة ، ولقد سمعت بعض من أثق به من أهل الحديث بضم [ ص: 38 ] الهمزة وفتح الميم المشددة وكذا وجدته مضبوطا بخط المطرزي ، وقد قلنا : إن الهاء للسكت ، دخلت لتتبين بها الألف ; لأنها حرف خفي ، فالوقف عليه يزيدها خفاء .

قوله : "فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم " معناه : فعلوا هذه الفعلة ليسكتوه وهذا محمول على أنه كان قبل أن يشرع التسبيح لمن نابه شيء في صلاته ، قال عياض : يحتمل أنه كان قبل نهي النبي - عليه السلام - عن التصفيق في الصلاة والأمر بالتسبيح ، وقد يحتمل أن هذا تفسير التصفيق في حديث أبي بكر - رضي الله عنه - على ما أشار إليه بعضهم .

قوله : "فلما رأيتهم يسكتوني " جواب "لما " محذوف تقديره : ما خالفتهم لكني سكت .

قوله : "يسكتوني " والأصل فيه : "يسكتونني " بنونين ، فحذفت نون الوقاية للتخفيف ، ويجوز أن يكون المحذوف "نون " الجمع ، على لغة من يرى حذفها بدون الجازم والناصب ، فافهم .

قوله : "فبأبي وأمي " هو هكذا في رواية النسائي ، وفي رواية مسلم : "بأبي هو وأمي " فقوله : "هو " مبتدأ ، وخبره قوله : "فبأبي " ، وقوله : "أمي " عطف عليه ، والمعنى هو مفدى بهما ، وفي بعض نسخ الطحاوي : "بأبي وأمي هو " ومعناه أيضا : هو مفدى بأبي وأمي ، أو : فديته بأبي وأمي ، فعلى الأول محل الياء رفع ، وعلى الثاني جر ، فافهم .

قوله : "ولا كهرني " معناه : ولا انتهرني ، ولا أغلظ لي ، وقيل : الكهر : استقبالك الإنسان بالعبوس ، وقرأ بعض الصحابة (فأما اليتيم فلا تكهر) وقيل : كهره ونهره بمعنى .

قوله : "بالجاهلية " والجاهلية : ما قبل ورود الشرع ، سموا جاهلية لكثرة جهالتهم وفحشها . [ ص: 39 ] قوله : "يأتون الكهان " بضم الكاف جمع كاهن ، وهو الذي يتعاطى الأخبار عن الكوائن في المستقبل ، ويدعي معرفة الأسرار .

و"العراف " الذي يتعاطى معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما ، وبهذا حصل الفرق بينهما ، وإنما نهى عن إتيان الكهان ; لأنهم يتكلمون في مغيبات قد يصادف بعضها الإصابة ، فيخاف الفتنة على الإنسان بسبب ذلك ; لأنهم يلبسون على الناس كثيرا من أمر الشرائع ، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن إتيان الكهان وتصديقهم فيما يقولون ، وتحريم ما يعطون من الحلوان ، وهو حرام بإجماع المسلمين ، وقد نقل الإجماع في تحريمه جماعة ، منهم : أبو محمد البغوي ، وقال الخطابي : كان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيرا من الأمور ، فمنهم من يزعم أن له رئيسا من الجن يلقي إليه الأخبار ، ومنهم من يدعي استدراك ذلك بفهم أعطيه ، ومنهم من سمي عرافا وهو الذي يزعم معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها لمعرفة من سرق الشيء الفلاني ومعرفة من يتهم به ونحو ذلك ، ومنهم من يسمي المنجم كاهنا .

قوله : "يتطيرون " من التطير وهو التشاؤم بالشيء ، وكذلك الطيرة ، وهي مصدر تطير أيضا ، يقال : تطير طيرة كتخير خيرة ، ولم يجئ من المصادر هكذا غيرها ، وأصله فيما يقال : التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما ، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم ، فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه .

قوله : "ذاك شيء يجدونه في صدورهم " معناه : أن الطيرة شيء يجدونه في نفوسهم ضرورة ولا عتب عليهم في ذلك ; فإنه غير مكتسب لهم ، فلا تكليف به ، ولكن لا تمتنعوا بسببه من التصرف في مقاصدكم .

قوله : "لا يصدهم " أي : فلا يصدهم ذلك عن التصرفات .

قوله : "يخطون " من الخط ، هو الضرب في الرمل على ما ذكر في كيفيته وقال ابن الأعرابي في تفسير الخط : كان الرجل يأتي العراف وبين يديه غلام ، فيأمره بأن يخط [ ص: 40 ] في الرمل خطوطا كثيرة وهو يقول : ابني عيان أسرعا البيان ، يأمره أن يمحو منها اثنين اثنين ، ثم ينظر إلى آخر ما يبقى من تلك الخطوط ، فإن كان الباقي منها تفسد ، وفي "المحيط " : رجل عطس فقال المصلي : يرحمك الله ، أو يرحمك ربك تفسد صلاته ; لأنه من كلام الناس بمنزلة قوله : أطال الله بقاءك وعافاك الله ، ولو قال له : الحمد لله لم تفسد ، وإن أراد به الجواب ; لأن التحميد لا يستعمل في جواب العاطس ، وإذا عطس وخاطب نفسه فقال : يرحمك الله لم يضره ; لأنه لم يخاطب غيره ، وإنما يدعو لنفسه .

وقال : الشيخ محيي الدين النووي : وقال أصحابنا إن قال : يرحمك الله أو يرحمكم الله بكاف الخطاب ، بطلت صلاته ، وإن قال : يرحمه الله ، أو اللهم ارحمه ، أو رحم الله فلانا لم تبطل صلاته ; لأنه ليس بخطاب ، وأما العاطس في الصلاة فيستحب له أن يحمد الله سرا هذا مذهبنا وبه قال مالك وغيره ، وعن ابن عمر والنخعي وأحمد : يجهر به ، والأول أظهر .

والخامس : فيه دليل على تحريم الكهانة والعرافة والإتيان إلى الكهان والعرافين وتصديق كلامهم كما قد ذكرناه .

السادس : فيه دليل على تحريم التطير والتشاؤم كما ذكرنا .

السابع : فيه دليل على جواز الفعل القليل في الصلاة ، وأنه لا تبطل به الصلاة ، وأنه لا كراهة فيه إذا كان لحاجة ، دل على ذلك قوله : "فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم "

الثامن : فيه دليل على أن إعتاق المؤمن أفضل من إعتاق الكافر .

التاسع : فيه دليل أن الكافر الذي لا يعتقد دينا باطلا ولا يعرف إلا الله إذا أقر بالله وبرسالة نبيه - عليه السلام - يحكم بإيمانه وإسلامه ، وأما الكافر الذي يعتقد دينا من [ ص: 41 ] الأديان الباطلة أو كتابا من الكتب السماوية فلا يحكم بإسلامه بمجرد الإقرار بالله ورسوله حتى يتبرأ عما يعتقده من الدين الباطل .

العاشر : فيه سيرة رسول الله - عليه السلام - في التعليم من الرفق بالجاهل ، وترك الغضب عليه إذا لم يقصد مخالفة ، وفيه تنبيه لغيره أن يسلك مسلكه في تعليم غيره ، فافهم .

فإن قيل : استدلالكم بهذا الحديث لا يتم ; لأنه لا يدل على أن الكلام ناسيا في الصلاة يفسدها ; وذلك لأن النبي - عليه السلام - علمه أحكام الصلاة وتحريم الكلام فيها ، ثم لم يأمره بإعادة الصلاة التي صلاها معه ، وقد كان تكلم بما تكلم به ، ولا فرق بين من تكلم جاهلا بتحريم الكلام عليه ، وبين من تكلم ناسيا لصلاته ، في أن كل واحد منهما قد تكلم ، والكلام مباح له عند نفسه .

قلت : لا نسلم أن كلام معاوية بن الحكم - رضي الله عنه - على وجه السهو والنسيان ، بل كان عامدا ولكن كان جاهلا بتحريم الكلام ، وقولكم : ثم لم يأمره بإعادة الصلاة التي صلاها معه ، فيحتمل أن يكون أمره بذلك ولم ينقل إلينا ، فإذا احتمل عدم أمره بالإعادة وأمره بالإعادة كان الرجوع إلى عموم قوله : "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس " في دلالته على بطلان الصلاة بالكلام سواء كان عامدا أو ناسيا أو جاهلا ، فالحديث لا يدل على أن كلام الناسي لا يبطل الصلاة ، فافهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية