صفحة جزء
2595 2596 2597 2598 ص: ثم قد علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس بعد ذلك ما يفعلون لما ينوبهم في صلاتهم ، حدثنا يونس ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، عن النبي - عليه السلام - قال : " من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله ، فإنما التصفيق للنساء والتسييح للرجال " .

حدثنا ابن منقذ ، قال : ثنا المقرئ ، عن المسعودي ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد الساعدي ، قال : " انطلق رسول الله - عليه السلام - إلى قوم من الأنصار ليصلح بينهم ، فجاء حين الصلاة وليس بحاضر ، فتقدم أبو بكر - رضي الله عنه - ، فبينما هو كذلك إذ جاء رسول الله - عليه السلام - ، فصفح القوم ، فأشار إليه رسول الله - عليه السلام - أن يثبت ، فأبى [ ص: 42 ] أبو بكر رضي الله عنه - حتى نكص ، فتقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى ، فلما قضى صلاته قال لأبي بكر : ما منعك أن تثبت كما أمرتك ؟! قال : لم يكن لابن أبي قحافة أن يتقدم أمام رسول الله - عليه السلام - ، قال : فأنتم ما لكم صفحتم ؟! قالوا : لنؤذن أبا بكر ، قال : التصفيح للنساء والتسييح للرجال " . .

حدثنا نصر ، قال : ثنا الخصيب ، قال : ثنا وهيب ، عن أبي حازم ، . . فذكر بإسناده مثله .

حدثنا أبو أمية ، قال : ثنا قبيصة ، قال : ثنا الثوري ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، أن رسول الله - عليه السلام - قال : " من نابه في صلاته شيء فليسبح ، فإن التصفيح للنساء " . . .


ش: لما لم يبين النبي - عليه السلام - في حديث معاوية بن الحكم ماذا يفعلون إذا نابهم شيء في الصلاة ، ومنعه عن الكلام بقوله : "إن صلاتنا هذه . . . " الحديث ، ودل أن كلام الناس مطلقا يفسد الصلاة ، علم بعد هذا ما يفعلون في صلاتهم إذا نابت لهم نائبة ، وذلك في حديث سهل بن سعد وغيره .

وأخرجه بأربع طرق صحاح :

الأول : عن يونس بن عبد الأعلى المصري ، عن سفيان بن عيينة ، عن أبي حازم -بالحاء المهملة والزاي المعجمة- سلمة بن دينار الأعرج الأفزر التمار المدني القاضي الزاهد الحكيم ، روى له الجماعة ، عن سهل بن سعد الساعدي الصحابي - رضي الله عنه - .

وهذا الإسناد على شرط مسلم .

وأخرجه أحمد في مسنده : ثنا سفيان ، عن أبي حازم ، سمع سهل بن سعد ، عن النبي - عليه السلام - : "من نابه شيء في صلاته فليقل : سبحان الله إنما التصفيح للنساء والتسبيح للرجال " . [ ص: 43 ] وأخرجه البخاري : ثنا يحيى ، أنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد قال : قال النبي - عليه السلام - : "التسبيح للرجال ، والتصفيح للنساء " .

وأخرجه مسلم نحوه .

الثاني : عن إبراهيم بن منقذ العصفري ، عن عبد الله بن يزيد القرشي أبي عبد الرحمن المقرئ القصير شيخ البخاري ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي وثقه أحمد ويحيى وآخرون ، عن أبي حازم . . . إلى آخره .

وأخرجه البخاري : ثنا عبد الله بن مسلمة ، ثنا عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال : "خرج النبي - عليه السلام - يصلح بين بني عمرو بن عوف وحانت الصلاة ، فجاء بلال أبا بكر - رضي الله عنهما - ، فقال : حبس النبي - عليه السلام - ، فتؤم الناس ؟ قال : نعم إن شئتم ; فأقام بلال الصلاة ، فتقدم أبو بكر - رضي الله عنه - فصلى ، فجاء النبي - عليه السلام - يمشي في الصفوف يشققها شقا حتى قام في الصف الأول ، فأخذ الناس بالتصفيح -قال سهل : هل تدرون ما التصفيح ؟ هو التصفيق- وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته ، فلما أكثروا التفت ، فإذا النبي - عليه السلام - في الصف ، فأشار إليه : مكانك! فرفع أبو بكر يديه فحمد الله ، ثم رجع القهقرى وراءه ، وتقدم النبي - عليه السلام - فصلى " .

وفي رواية للبخاري : "فتقدم رسول الله - عليه السلام - فصلى للناس ، فلما فرغ أقبل على الناس فقال : أيها الناس ، ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق! إنما التصفيق للنساء ، من نابه شيء في صلاته فليقل : سبحان الله ; فإنه لا يسمعه أحد حين يقول : سبحان الله إلا التفت ، يا أبا بكر ، ما منعك أن تصلي بالناس حين [ ص: 44 ] أشرت إليك ؟! فقال أبو بكر : ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله - عليه السلام - " .

وأخرجه مسلم : حدثني يحيى بن يحيى ، قال : قرأت على مالك بن أنس ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد الساعدي : "أن رسول الله - عليه السلام - ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم ، فحانت الصلاة ، فجاء المؤذن إلى أبي بكر ، فقال : أتصلي بالناس فأقيم ؟ قال : نعم ، قال : فصلى أبو بكر ، فجاء رسول الله - عليه السلام - والناس في الصلاة ، فتخلص حتى وقف في الصف ، فصفق الناس ، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - لا يلتفت في الصلاة ، فلما أكثر الناس من التصفيق التفت ، فرأى رسول الله - عليه السلام - فأشار إليه رسول الله - عليه السلام - أن امكث مكانك ، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله - عليه السلام - من ذلك ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف ، وتقدم النبي - عليه السلام - فصلى ، ثم انصرف فقال يا أبا بكر ! ما منعك أن تثبت إذ أمرتك ؟ فقال أبو بكر - رضي الله عنه - : ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله - عليه السلام - . فقال رسول الله - عليه السلام - : ما لي رأيتكم أكثرتم من التصفيق ، من نابه شيء في الصلاة فليسبح ; فإنه إذا سبح التفت إليه ، وإنما التصفيح للنساء " .

وأخرجه أبو داود : ثنا القعنبي ، عن مالك ، عن أبي حازم عن سهل بن سعد : "أن رسول الله - عليه السلام - ذهب إلى بني عمرو بن عوف . . . " إلى آخره نحو رواية مسلم .

وأخرجه النسائي : أخبرنا أحمد بن عبدة ، عن حماد بن زيد ، ثم ذكر كلمة معناها : ثنا أبو حازم ، قال سهل بن سعد : "كان قتال بين بني عمرو بن عوف ، فبلغ ذلك النبي - عليه السلام - فصلى الظهر ، ثم أتاهم ليصلح بينهم ، ثم قال لبلال : يا بلال ، إذا حضر العصر ولم آت فمر أبا بكر فيصلي بالناس ، فلما حضرت أذن [ ص: 45 ] بلال ، ثم أقام فقال لأبي بكر تقدم ، فتقدم أبو بكر فدخل في الصلاة ، ثم جاء رسول الله - عليه السلام - فجعل يشق الناس حتى قام خلف أبي بكر وصفح القوم ، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - إذا دخل في الصلاة لم يلتفت ، فلما رأى أبو بكر التصفيح لا يمسك عنه التفت ، فأومأ إليه رسول الله - عليه السلام - بيده ، فحمد الله -عز وجل- على قول رسول الله - عليه السلام - له امضه ، ثم مشى أبو بكر - رضي الله عنه - القهقرى على عقبيه ، فلما رأى ذلك رسول الله - عليه السلام - ، تقدم فصلى بالناس فلما قضى صلاته ، قال : يا أبا بكر ، ما منعك إذ أومأت إليك أن لا تكون مضيت ؟ فقال : لم يكن لابن أبي قحافة أن يؤم رسول الله - عليه السلام - وقال للناس : إذا نابكم شيء فليسبح الرجال ولتصفح النساء .

الثالث : عن نصر بن مرزوق ، عن الخصيب بن ناصح الحارثي ، عن وهيب بن خالد البصري ، عن أبي حازم سلمة بن دينار ، عن سهل بن سعد . إلى آخره .

وأخرجه البيهقي في سننه .

الرابع : عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي شيخ النسائي أيضا ، عن قبيصة بن عقبة بن محمد الكوفي شيخ البخاري ، عن سفيان الثوري ، عن أبي حازم . . . إلى آخره .

وأخرجه الدارمي في "سننه " : أنا يحيى بن حسان ، ثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي وعبد العزيز محمد ، وعبد العزيز بن أبي حازم ، وسفيان بن عيينة ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، عن النبي - عليه السلام - مثله .

قوله : "من نابه " أي : نزل به شيء من الأمور المهمة ، من : نابه ينوبه نوبا .

قوله : "التصفيق " مصدر من صفق إذا ضرب على يده ، والتصفيح : هو التصفيق يقال : صفح بيده ، وصفق ، قيل : الذي بالحاء الضرب بظاهر اليدين . [ ص: 46 ] إحداهما : على باطن الأخرى ، وقيل : بإصبعين من إحداهما على صفحة الأخرى ، وهو الإنذار والتنبيه ، والتصفيق بالقاف : ضرب إحداهما الصفحتين على الأخرى ، وهو اللهو واللعب ، ولكن لم يرد ها هنا إلا مجرد ضرب اليد على اليد لأجل التنبيه .

قوله : "إلى قوم من الأنصار " هم بنو عمرو بن عوف .

قوله : "فجاء حين الصلاة " أي : صلاة العصر كما صرح بها في رواية النسائي ، وكذا صرح بها في إحدى روايات البخاري .

قوله : "فصفح القوم " من التصفيح وقد ذكرنا معناه .

قوله : "أن يثبت " "أن " أتى هذه تفسيرية كما في رواية مسلم : "أن امكث " .

قوله : "حتى نكص " أي : رجع وراءه وفي رواية البخاري : "ثم رجع القهقرى " .

وفي رواية مسلم : "ثم استأخر " وفي رواية النسائي : "ثم مشى أبو بكر القهقرى على عقبيه " وفي رواية : نكص على عقبيه ليصل الصف ، ومعنى كله الرجوع .

فإن قيل : لم لم يثبت أبو بكر - رضي الله عنه - إذ أشار إليه سيدنا - عليه السلام - بالثبات وظاهره يقتضي المخالفة ؟ .

قلت : علم أبو بكر - رضي الله عنه - أنها إشارة تكريم لا إشارة إلزام ، والأمور تعرف بقرائنها ، ويدل على ذلك شق رسول الله - عليه السلام - الصفوف حتى خلص إليه ، فلولا أنه أراد الإمامة لصلى حيث انتهى .

قوله : "كما أمرتك " "الكاف " فيه للتعليل و"ما " مصدرية ، والمعنى : لأجل أمري إياك بالثبات في مكانك ، وقد منع بعضهم كون "الكاف " للتعليل وأجازه بعضهم ، وقيده بعضهم بأن تكون الكاف مكفوفة بـ "ما " وذلك كما في قول سيبويه عن العرب : كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه ، والحق جوازه سواء كان مجردا عن "ما " أو [ ص: 47 ] مكفوفا بـ "ما " فالأول كما في قوله تعالى : ويكأنه لا يفلح الكافرون أي : أعجب لعدم فلاحهم ، والثاني كما في قوله تعالى : كما أرسلنا فيكم قال الأخفش : أي لأجل إرسالي فيكم رسولا منكم ، فاذكروني وكما في قوله : واذكروه كما هداكم

قوله : "لم يكن لابن أبي قحافة " أراد به أبو بكر نفسه ; لأن أبا قحافة أبوه ، واسمه عثمان أسلم يوم الفتح ، وتوفي في المحرم سنة أربع عشرة وهو ابن سبع وتسعين سنة ، وكانت وفاة الصديق - رضي الله عنه - قبله فورث منه السدس .

وهو بضم القاف وتخفيف الحاء المهملة وبالفاء .

قوله : "لنؤذن " من الإيذان وهو الإعلام ، أي : لنعلم أبا بكر - رضي الله عنه - بأنك حضرت يا رسول الله - عليه السلام - .

ويستنبط من هذا أحكام :

الأول : أن السنة لمن نابه شيء في الصلاة كإعلام من يستأذن عليه ، وتنبيه إمامه ونحو ذلك : أن يسبح إن كان رجلا فيقول : سبحان الله ، وأن يصفق إن كانت امرأة فتضرب بطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر ، ولا تضرب بطن كف على بطن كف على وجه اللهو واللعب ، فإن فعلت هذا على وجه اللعب بطلت صلاتها ; لمنافاته الصلاة ، وعن هذا قال صاحب "المحيط " : إذا استأذن على المصلي غيره فسبح إعلاما أنه في الصلاة لا تفسد ، ثم قال : والمرأة تصفق للإعلام وروى الحديث المذكور .

الثاني : أن الإمام إذا تأخر عن الصلاة يقدم غيره إذا لم يخف فتنة ولا إنكارا من الإمام . [ ص: 48 ] قال السفاقسي : وفيه دليل على جواز استخلاف الإمام إذا أصابه ما يوجب ذلك ، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي ، وبه قال عمر وعلي والحسن وعلقمة وعطاء والنخعي والثوري .

وعن الشافعي وأهل الظاهر : لا يستخلف الإمام ، وقال بعض المالكية تأخر أبي بكر - رضي الله عنه - وتقدمه - عليه السلام - من خواص النبي - عليه السلام - لأنهم كانوا تقدموا النبي - عليه السلام - بالإحرام ، ولا يفعل ذلك بعد النبي - عليه السلام - .

قلت : هذا الحديث حجة على الشافعي في منعه صحة الاستخلاف ، وأصحابنا جوزوا الاستخلاف بهذا الحديث ، وبحديث عائشة - رضي الله عنها - : لما مرض مرضه الذي مات فيه ، فحضرت الصلاة فأذن ، فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس . . . " الحديث .

فإن قيل : أنتم ما تجوزون الاستخلاف إلا فيمن سبقه الحدث ، حتى لو تعمد ذلك أو قهقه أو تكلم لا يجوز الاستخلاف ، فكيف تستدلون بالحديث ؟

قلت : لأن الذي سبقه الحدث عاجز عن المضي في الصلاة فيجوز له الاستخلاف ، كما أن أبا بكر - رضي الله عنه - عجز عن المضي فيها ليكون المضي من باب المتقدم على رسول الله - عليه السلام - ، وقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله فصار هذا أصلا في حق كل إمام عجز عن الإتمام أن يتأخر ويستخلف غيره .

الثالث : قال النووي في تقدمه - عليه السلام - : يستدل به أصحابنا على جواز اقتداء المصلي بمن يحرم في الصلاة بعد الإمام الأول ; فإن الصديق - رضي الله عنه - أحرم بالصلاة أولا ثم اقتدى بالنبي - عليه السلام - حين أحرم بعده ، قال : وهو الصحيح من مذهبنا . [ ص: 49 ] الرابع : قال ابن الجوزي : فيه دليل على جواز الصلاة بإمامين وذلك أن النبي - عليه السلام - لما وقف عن يسار أبي بكر - رضي الله عنه - علم أبو بكر أنه نوى الإمامة فعندها نوى أبو بكر الإتمام .

الخامس : قال الطبري : فيه دليل على أن من سبق إمامه بتكبيرة الإحرام ، ثم ائتم به في صلاته أن صلاته تامة ، وبيان فساد قول من زعم أن صلاته لا تجزئه ; وذلك لأن أبا بكر - رضي الله عنه - كان قد صلى بهم بعض الصلاة ، وقد كانوا كبروا معه للإحرام ، فلما أحرم رسول الله - عليه السلام - لنفسه للصلاة بتكبيرة الإحرام ولم يستقبل القوم صلاتهم بل بنوا عليها مؤتمين به ، وقد كان تكبيرهم للإحرام تقدم تكبيره .

والجواب عن هذا : أن إمامهم كان أبا بكر - رضي الله عنه - أولا ولم يسبق تكبيرهم على تكبيره ، ثم إن النبي - عليه السلام - أتم صلاة أبي بكر ولم يبتدئها من أولها حتى يلزم ما ذكره ، وهذا ظاهر لمن يتكلم بالتأمل .

وقال ابن بطال : لا أعلم من يقول إن من كبر قبل إمامه فصلاته تامة ، إلا الشافعي بناء على مذهبه ، وهو أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام ، وسائر الفقهاء لا يجيزون صلاة من كبر قبل إمامه .

السادس : قال السفاقسي : احتج به من الحذاق على أبي حنيفة في قوله : "إن سبح الرجل لغير إمامه لم تجزه صلاته " ومذهب مالك والشافعي : إذا سبح لأعمى خوفا لأن يقع في بئر أو من دابة أو حية ; أنه جائز .

قلت : لا نسلم أن يكون هذا حجة على أبي حنيفة ; لأن الذي في الحديث : "فصفق الناس " وهو غير التسبيح .

وأما قوله "من نابه شيء في الصلاة فليسبح " فأبو حنيفة أيضا يعمل به كما بينا ولئن سلمنا ذلك فمراد أبي حنيفة من قوله : "إذا سبح الرجل لغير إمامه لم يجزه " إذا كان على وجه الجواب مثل ما أخبر الرجل لمن في الصلاة بخبر يعجبه ، وقال : سبحان الله ، وأما إذا كان لا على وجه الجواب لا تفسد صلاته كما في المسألة المذكورة ; لعموم قوله : "من نابه شيء . . . " الحديث . [ ص: 50 ] السابع : استدل به مالك أن من أخبر في صلاته بسرور فحمد الله لا يضر صلاته ; لأن أبا بكر - رضي الله عنه - رفع يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله - عليه السلام - ، وقال ابن القاسم : ومن أخبر بمصيبة فاسترجع ، أو أخبر بشيء فقال : الحمد لله على كل حال ، أو قال : الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات لا يعجبني وصلاته مجزئة ، وقال أشهب : إلا أن يريد بذلك قطع الصلاة ، وكذلك عند أبي يوسف من أصحابنا إذا أخبر المصلي بما يسوءه فاسترجع ، أو أخبر بما يسره فحمد الله ، لا تبطل صلاته ، لفعل أبي بكر - رضي الله عنه - .

وقال أبو حنيفة ومحمد : تفسد ; لأنه خرج مخرج الجواب ، ويجاب لهما عن فعل أبي بكر - رضي الله عنه - بما قاله ابن الجوزي : إنما كان إشارة منه إلى السماء لا أنه تكلم ، وفيه نظر لأنه صرح بقوله : فحمد الله على ما أمره به رسول الله - عليه السلام - والأحسن أن يقال : إن هذا لم يخرج من أبي بكر مخرج الجواب فافهم .

الثامن : ينبغي أن يكون المقدم نيابة عن الإمام أفضل القوم وأصلحهم لذلك الأمر وأقومهم به .

التاسع : أن المؤذن وغيره يعرض المتقدم على الفاضل ، وأن الفاضل يوافقه .

العاشر : أن العمل اليسير لا يفسد الصلاة ; لقوله : "فصفح القوم " .

الحادي عشر : جواز الالتفات في الصلاة للحاجة .

الثاني عشر : استحباب حمد الله لمن تجددت له نعمة .

الثالث عشر : جواز رفع اليدين بالدعاء .

الرابع عشر : جواز المشي في الصلاة خطوة أو خطوتين .

الخامس عشر : أن التابع إذا أمره المتبوع بشيء وفهم منه الإكرام وعدم الإلزام ، وترك الامتثال لا يكون مخالفة للأمر .

السادس عشر : استحباب ملازمة الآداب مع الكبار . [ ص: 51 ] السابع عشر : فيه بيان فضيلة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - على سائر الصحابة - رضي الله عنهم - .

الثامن عشر : أن الإمامة لا تصح إلا عند إرادة الدخول في الصلاة .

التاسع عشر : جواز خرق الإمام الصفوف ليصل إلى موضعه إذا احتاج لخرقها ; لخروجه إلى طهارة أو لرعاف ونحوهما ورجوعه ، وكذا من احتاج إلى الخروج من المأمومين لعذر ، وكذا خرقها في الدخول إذا رأى قدامه فرجة لأنهم مقصرون بتركها .

العشرون : قال النووي : فيه أن المؤذن هو الذي يقيم الصلاة فهذا هو السنة ولو أقام غيره كان خلاف السنة ، ولكن يعتد بإقامته عندنا .

قلت : لا يلزم من ذلك أنه إذا أقام غيره يكون خلاف السنة ، وليست ها هنا دلالة على هذه الدعوى .

الحادي والعشرون : قال أيضا : فيه دليل على تقديم الصلاة لأول وقتها .

قلت : هذا أيضا لا يدل على فضيلة المتقدم ; لأنهم ربما كانوا استعجلوا بها خوفا على فواتها بصبرهم وانتظارهم إلى حضور رسول الله - عليه السلام - ; لأنه - عليه السلام - قد كان ذهب إلى قباء وهي بعيدة من المدينة ، وفي مثل هذا نحن أيضا نقول بالتقديم ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية