صفحة جزء
2691 2692 ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى فيما احتجوا به عليهم من حديث ابن أبي ليلى الذي ذكرنا : أن قول النبي - عليه السلام – لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ، فقد يجوز أن يكون أراد بذلك ما دام ميتة غير مدبوغ ، فإنه قد كان سئل عن الانتفاع بشحم الميتة ، فأجاب الذي سأله بمثل هذا .

حدثنا يونس ، قال : ثنا ابن وهب ، قال : حدثني زمعة بن صالح ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال : " بينا أنا عند رسول الله - عليه السلام - إذ جاءه ناس فقالوا : يا رسول الله - عليه السلام - إن سفينة لنا انكسرت ، وإنا وجدنا ناقة سمينة ميتة ، فأردنا أن ندهن سفينتنا ، وإنما هي عود وهي على الماء ، فقال : رسول الله - عليه السلام - لا تنفعوا بالميتة " . جوابا له وأن ذلك على النهي عن الانتفاع بشحومها ، فأما ما كان يدفع منها حتى يخرج من حال الميتة ويعود إلى غير معنى الأهب فإنه يطهر بذلك .


[ ص: 175 ] ش: أي وكان من الحجة والبرهان لأهل المقالة الثانية في الذي احتجت به أهل المقالة الأولى عليهم من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى الذي رواه عن عبد الله بن عكيم ، وهذا جواب عن الحديث المذكور ، وهو أن قوله - عليه السلام - : " لا تنتفعوا من الميتة بإهاب " . معناه : ما دام ميتة غير مدبوغ ، ونحن نقول أيضا : ما دام إهابا لا يجوز استعماله ; لأن الإهاب اسم لجلد غير مدبوغ ، فإذا دبغ تغير ذاته واسمه أما تغير ذاته فإنه تزول عنه تلك الرطوبة النجسة والنتن والفساد .

وأما تغير اسمه فإنه يسمى بعد الدباغ أديما بيان ذلك : أنه - عليه السلام - قد كان سئل عن الانتفاع بشحم الميتة ، فأجاب لذلك السائل بقوله : "لا تنتفعوا من الميتة بشيء " . رواه جابر بن عبد الله ، وأخبر أن قوله - عليه السلام - كان جوابا لذلك السائل فإن قوله : "لا تنتفعوا من الميتة بشيء " وإن كان عاما في الصورة ، ولكن المراد منه النهي عن الانتفاع بشحوم الميتة ; لأن السؤال عنه ، فالجواب ينبغي أن يطابق السؤال .

وأما ما يدبغ من الميتة فإنه يخرج من حال الميتة ويعود إلى غير معنى الأهب لأن جلدها ما لم يدبغ متصف بالنتن والفساد ، فإذا دبغ خرج عن ذلك المعنى كما ذكرناه .

وقوله : "الأهب " بفتحتين جمع إهاب كما ذكرناه عن قريب .

ثم إنه أخرج حديث جابر بن عبد الله من طريقين :

أحدهما : عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن زمعة بن صالح الجندي اليماني نزيل مكة ، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي ، عن جابر .

وهذا الإسناد فيه ما فيه من جهة زمعة ; فإن أحمد ويحيى والنسائي ضعفوه .

والآخر : عن إبراهيم بن محمد بن يونس بن مروان ، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد ، عن زمعة بن صالح ، عن أبي الزبير ، عن جابر . [ ص: 176 ] وأخرجت الجماعة : عن جابر قال : "سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول عام الفتح بمكة : إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ، فقيل له : يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس ؟ فقال : هو حرام ، ثم قال : رسول الله - عليه السلام - عند ذلك قاتل الله اليهود ; إن الله لما حرم عليهم شحومها أجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه " .

قوله : "يستصبح " من الاستصباح وهو استفعل من المصباح ، وهو السراج ، وأراد أنهم يشعلون بها الضوء .

قوله : "قاتل الله " أي قتل الله ، وقيل : معناه عادى الله .

قوله : "أجملوه " من أجملت الشحم وجملته إذا أذبته ، وجملته أكثر من أجملته ، وهو بالجيم .

التالي السابق


الخدمات العلمية