صفحة جزء
2959 2960 2961 2962 2963 2964 2965 ص: فإن احتج محتج في إباحة الصدقة عليهم بصدقات رسول الله - عليه السلام - ، فذكر ما حدثنا فهد ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني الليث ، قال : حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، أن عائشة - رضي الله عنها - أخبرته : "أن فاطمة بنت رسول الله - عليه السلام - أرسلت إلى أبي بكر - رضي الله عنه - تسأله ميراثها من رسول الله - عليه السلام - فيما أفاء الله على رسوله .

وفاطمة حينئذ تطلب صدقة رسول الله بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر
، فقال أبو بكر - رضي الله عنه - : إن رسول الله - عليه السلام - قال : إنا لا نورث ، ما تركنا صدقة ، إنما يأكل آل محمد في هذا المال وإني -والله- لا أغير شيئا من صدقة رسول الله - عليه السلام - عن حالها التي كانت عليه في عهد رسول الله - عليه السلام - "ولأعملن في ذلك بما عمل فيها رسول الله - عليه السلام - "
.

حدثنا نصر بن مرزوق ، وابن أبي داود ، قالا : ثنا عبد الله بن صالح (ح).

وحدثنا روح بن الفرج ، قال : ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قالا : ثنا الليث ، قال : ثنا عقيل عن ابن شهاب . . . فذكر بإسناده مثله .

حدثنا أبو بكرة ، قال : ثنا حسين بن مهدي ، قال : ثنا عبد الرزاق ، قال : ثنا معمر ، عن الزهري قال : أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان النضري ، قال : "أرسل إلي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال : إنه قد حضر المدينة أهل أبيات من قومك ، وقد أمرنا لهم برضخ ، فاقسمه فيهم ، فبينا أنا كذلك إذ جاءه يرفا ، فقال : هذا عثمان ، وعبد الرحمن ، وسعد ، والزبير ، -ولا أدري أذكر طلحة أم لا- يستأذنوني عليك ، فقال : [ ص: 491 ] ائذن لهم ، قال : ثم مكثنا ساعة ، فقال : هذا العباس وعلي يستأذنان عليك ، قال : ائذن لهما . فلما دخل العباس ، فقال : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الرجل -هما حينئذ فيما أفاء الله على رسوله - عليه السلام - من أموال بني النضير . - فقال القوم : : اقض بينهما يا أمير المؤمنين وأرح كل واحد منهما من صاحبه ، فقال عمر - رضي الله عنه - : أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماوات والأرض ، أتعلمون أن رسول الله - عليه السلام - قال : لا نورث ، ما تركنا صدقة ؟ قالوا : قد قال ذلك ، ثم قال لهما مثل ذلك ، فقالا : نعم ، قال : فإني سأخبركم عن هذا الفيء : إن الله -عز وجل- قد خص نبيه - عليه السلام - بشيء لم يعطه غيره ، فقال : وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب فكانت هذه لرسول الله - عليه السلام - خاصة ، ثم والله ما اختارها دونكم ولا أستأثر بها عليكم ، ولقد قسمها بينكم وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال ، فكان منه ينفق منه على أهله زرق سنة ، ثم يجمع ما بقي منه ، فجمع مال الله -عز وجل- ، فلما قبض رسول الله - عليه السلام - قال أبو بكر ( - رضي الله عنه - : أنا ولي رسول الله - عليه السلام - بعده ، أعمل فيها بما كان رسول الله - عليه السلام - يعمل . . . " ثم ذكر الحديث .

حدثنا أبو بكرة ، قال : ثنا إبراهيم بن بشار ، قال : ثنا سفيان ، قال : ثنا عمرو بن دينار ، عن ابن شهاب فذكر مثله بإسناده ، وأثبت أن طلحة كان في القوم ولم يقل : "وبثها فيكم " .

حدثنا يزيد بن سنان وأبو أمية ، قالا : ثنا بشر بن عمر ، قال : ثنا مالك بن أنس ، . . . فذكر بإسناده مثله . وقال : " فكان ينفق منها على أهله " .

حدثنا فهد ، قال : ثنا أحمد بن يونس ، قال : ثنا أبو شهاب ، عن سفيان وورقاء ، عن أبي الزناد ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - عليه السلام - : " لا يقتسم ورثتي دينارا ، ما تركت بعد نفقة أهلي ومؤنة عاملي فهو صدقة " . [ ص: 492 ] قالوا : ففي حديث أبي هريرة هذا ما يدل على أنها كانت صدقات في عهد رسول الله - عليه السلام - ; لقوله : "بعد مؤنة عاملي " وعامله لا يكون إلا وهو حي ، قالوا : ففي هذه الآثار ما قد دل على أن الصدقة لبني هاشم حلال ; لأن رسول الله - عليه السلام - وأهله -وفيهم فاطمة بنته- قد كانوا يأكلون من هذه الصدقة في حياة رسول الله - عليه السلام - ، فدل ذلك على إباحة سائر الصدقات لهم ; فالحجة عليهم في ذلك أن تلك الصدقة كصدقات الأوقاف ، وقد رأينا ذلك يحل للأغنياء ، ألا ترى أن رجلا لو أوقف داره على رجل غني أن ذلك جائز ولا يمنعه ذلك غناه ؟ وحكم ذلك خلاف سائر الصدقات من الزكوات والكفارات وما يتقرب به إلى الله -عز وجل- ، فكذلك من كان من بني هاشم ذلك لهم حلال ، وحكمه خلاف سائر الصدقات التي ذكرنا .
ش: أي : فإن احتج محتج من أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من إباحة الصدقة على بني هاشم بالأحاديث التي رويت عن عائشة وعمر بن الخطاب وأبي هريرة - رضي الله عنهم - ; لأن في هذه الأحاديث ما قد دل على أن الصدقة حلال لبني هاشم ، وذلك لأن رسول الله - عليه السلام - وأهله -وفيهم فاطمة الزهراء بنته- قد كانوا يأكلون من هذه الصدقة في حياة رسول الله - عليه السلام - ، وأجاب عن ذلك بقوله : "فالحجة عليهم في ذلك " أي : فالحجة على أهل المقالة الأولى في احتجاجهم : أن تلك الصدقة التي كانوا يأكلون منها لم تكن كسائر الصدقات من الزكوات والكفارات ونحوهما مما يتقرب به إلى الله -عز وجل- وإنما كانت تلك الصدقة كصدقة الأوقاف ، وصدقات الأوقاف تحل للأغنياء ; والدليل على ذلك أن رجلا إذا وقف داره أو بستانه على رجل غني فإن ذلك جائز ، ولا يمنع صحة الوقف غنى الموقوف عليه .

هذا الذي ذكره الطحاوي .

وذكر في "الاختيار " : ولا يجوز الوقف على الأغنياء وحدهم ; لأنه ليس بقربة ولا يستجلب الثواب ، فصار كالصدقة ، ولو وقف على الأغنياء وهم يحصون ثم [ ص: 493 ] من بعدهم على الفقراء جاز ، ويكون كما شرط ; لأنه قربة في الجملة بأن انقرض الأغنياء ، وفي "فتاوى الحسني " : ولو وقف أرضا على أهل بيت النبي - عليه السلام - ، قال بعضهم : لا يجوز ; لأنه لا تحل لهم الصدقة ، ويجب أن يجوز ; لأنه صدقة التطوع فتحل لهم كما تحل للغني .

أما حديث عائشة - رضي الله عنها - فأخرجه من ثلاث طرق صحاح :

الأول : عن فهد بن سليمان ، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري ، عن الليث بن سعد ، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر أبي الوليد المصري أمير مصر لهشام بن عبد الملك بن مروان مولى الليث بن سعد من فوق ، ثقة ثبت ، روى له البخاري والترمذي والنسائي ، واستشهد به مسلم في حديث واحد .

وهو يروي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عروة بن الزبير بن العوام ، عن عائشة - رضي الله عنها - .

وأخرجه مسلم : ثنا زهير بن حرب وحسن الحلواني ، قالا : ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، قال : ثنا أبي ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني عروة بن الزبير ، أن عائشة زوج النبي - عليه السلام - أخبرته : "أن فاطمة بنت رسول الله - عليه السلام - سألت أبا بكر - رضي الله عنه - بعد وفاة رسول الله - عليه السلام - أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله - عليه السلام - مما أفاء الله عليه . فقال لها أبو بكر : إن رسول الله - عليه السلام - قال : لا نورث ، ما تركنا صدقة ، قال : وعاشت بعد رسول الله - عليه السلام - ستة أشهر وكانت فاطمة - رضي الله عنها - تسأل أبا بكر - رضي الله عنه - نصيبها مما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة ، فأبى أبو بكر ذلك عليها ، وقال : لست تاركا شيئا كان رسول الله - عليه السلام - يعمل به إلا عملت به ، إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ ، فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس - رضي الله عنهما - ، فغلبه عليها علي ، وأما خيبر وفدك فأمسكها عمر - رضي الله عنه - وقال : [ ص: 494 ] هما صدقة رسول الله - عليه السلام - ، كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه ، وأمرهما إلى من ولي الأمر ، قال : فهما على ذلك إلى اليوم " .

الثاني : عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود ، كلاهما عن عبد الله بن صالح ، عن الليث بن سعد ، عن عقيل -بضم العين- بن خالد الأيلي ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عروة ، عن عائشة .

وأخرجه أبو داود : ثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني ، قال : ثنا الليث بن سعد ، عن عقيل بن خالد ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة -زوج النبي - عليه السلام -- أنها أخبرته : "أن فاطمة بنت رسول الله - عليه السلام - أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله - عليه السلام - مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر - رضي الله عنه - : إن رسول الله - عليه السلام - قال : لا نورث ، ما تركنا صدقة ، إنما يأكل آل محمد من هذا المال ، وإني -والله- لا أغير شيئا من صدقة رسول الله - عليه السلام - عن حاله التي كانت عليها في عهد رسول الله - عليه السلام - ، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله - عليه السلام - فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا " .

الثالث : عن روح بن الفرج القطان المصري ، شيخ الطبراني ، عن يحيى بن عبد الله بن بكير ، عن الليث بن سعد . . . إلى آخره .

وأخرجه البخاري : ثنا يحيى بن بكير ، ثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة : "أن فاطمة بنت النبي - عليه السلام - أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله - عليه السلام - مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر . فقال أبو بكر : إن رسول الله - عليه السلام - قال : لا نورث ، ما تركنا صدقة ، إنما يأكل آل محمد - عليه السلام - في هذا المال ، وإني -والله- لا أغير شيئا من صدقة رسول الله - عليه السلام - عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله - عليه السلام - ، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله [ ص: 495 ] - عليه السلام - ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا ، فوجدت فاطمة على أبي بكر - رضي الله عنهما - في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي - عليه السلام - ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي - رضي الله عنه - ليلا ، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها ، وكان لعلي - رضي الله عنه - من الناس وجه حياة فاطمة ، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس ، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الأشهر ، فأرسل إلى أبي بكر : أن (تأتينا) ولا يأتنا أحد معك كراهية ، لمحضر عمر - رضي الله عنه - ، فقال عمر : لا والله لا تدخل عليهم وحدك ، فقال أبو بكر : وما عسيتهم أن يفعلوا بي ؟! والله لآتينهم ، فدخل عليهم أبو بكر - رضي الله عنه - فتشهد علي - رضي الله عنه - فقال : إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله تعالى ، ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك ، ولكنك استبددت علينا بالأمر ، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله - عليه السلام - نصيبنا ، حتى فاضت عينا أبي بكر - رضي الله عنه - ، فلما تكلم أبو بكر قال : والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله - عليه السلام - أحب إلي أن أصل من قرابتي ، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فلم آل فيها عن الخير ، ولم أترك أمرا رأيت رسول الله - عليه السلام - يصنعه فيها إلا صنعته .

فقال علي لأبي بكر : موعدك العشية للبيعة ، فلما صلى أبو بكر الظهر رقى على المنبر فتشهد وذكر شأن علي - رضي الله عنه - وتخلفه عن البيعة ، وعذره بالذي اعتذره ، ثم استغفر وتشهد علي - رضي الله عنه - فعظم حق أبي بكر وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكارا للذي فضله الله به ، ولكنا كنا نرى لنا في هذا الأمر نصيبا ، فاستبد علينا ، فوجدنا في أنفسنا . فسر بذلك المسلمون وقالوا : أصبت . وكان المسلمون إلى علي - رضي الله عنه - قريبا حين راجع الأمر المعروف "
، انتهى .

قوله : "فيما أفاء الله على رسوله " أي : ما أعطى الله رسوله من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد ، وهو من الفيء ، وهو الغنيمة . قال الجوهري : الفيء : الغنيمة . تقول منه : أفاء الله على المسلمين مال الكفار ، يفيء إفاءة . [ ص: 496 ] وقال ابن الأثير : أصل الفيء : الرجوع ، يقال : فاء يفيء فئة وفئوا ، كأنه كان في الأصل لهم فرجع إليهم ، ومنه قيل للظل الذي يكون بعد الزوال : فيء ; لأنه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشرق .

قوله : "وفدك " بفتح الفاء والدال وفي آخره كاف . وهو اسم قرية بخيبر . وفي "المطالع " : فدك مدينة بينها وبين المدينة يومان ، وقيل : ثلاث مراحل .

قوله : "إنا لا نورث " على صيغة المجهول .

قوله : "أن أزيغ " من الزيغ وهو الضلال ، وأصله الميل ، ومنه : زاغت الشمس أي : مالت إلى الغروب .

قوله : "فوجدت فاطمة على أبي بكر - رضي الله عنهما - " أي : غضبت عليه ، يقال : وجد عليه وجدا وموجدة إذا غضب عليه ، ووجدت عليه وجدا : حزنت ، ووجدت من الحب وجدا . كله بالفتح . ووجد من الغني جدة ووجدا -بالضم- ووجدا -بالكسر- لغة . ووجدت ما طلبت وجدانا ووجودا .

قوله : "لم ننفس عليك خيرا " بفتح الفاء ، من نفست عليه بالشيء أنفس -من باب علم يعلم- نفاسة إذا لم أره أهلا ، والتنافس : التباغض والتحاسد .

قوله : "استبددت " أي : استقللت .

ويستفاد منه أحكام :

الأول : فيه أن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون ، ولهذا كان النبي - عليه السلام - يأخذ قوت عامه من المواضع التي حبسها في المدينة وفدك ومما بقي من خمس خيبر ثم يجعل ما فضل في الكراع والسلاح . ولا يقول بالميراث والتمليك أحد من أهل السنة إلا الروافض ، فإنهم يقولون بذلك ، وليس قولهم مما يشتغل به ولا يحكى مثله لما فيه من الطعن على السلف ، والمخالفة لسبيل المؤمنين . [ ص: 497 ] وقال أبو عمر : وأما علماء المسلمين فعلى قولين :

أحدهما : وهو الأكثر وعليه الجمهور : أن النبي - عليه السلام - لا يورث ، وما ترك صدقة .

والآخر : أن نبينا - عليه السلام - لم يورث ; لأنه خصه الله تعالى بأن جعل ماله كله صدقة زيادة في فضيلته كما خصه في النكاح بأشياء أباحها له وحرمها على غيره . وهذا القول قاله بعض أهل البصرة منهم ابن علية ، وسائر علماء المسلمين على القول الأول .

فإن قيل : كيف سكنت أزواج النبي - عليه السلام - بعد وفاته في مساكنهن اللاتي تركهن رسول الله - عليه السلام - فيهن إن كن لم يرثنه ، وكيف لم يخرجن عنها ؟

قلت : لأن ذلك كان من مؤنتهن التي كان رسول الله - عليه السلام - استثناها لهن كما استثنى لهن نفقاتهن حين قال : "لا يقتسم ورثتي دينارا ولا درهما ، ما تركت بعد نفقة أهلي ومؤنة عاملي فهو صدقة " .

والدليل على ذلك أن مساكنهم لم يرثها عنهن ورثتهن ، ولو كانت تلك ملكا لهن كان لا شك قد ورثها عنهن ورثتهن ، وترك ورثتهن ذلك دليل على أنها لم تكن ملكا لهن وإنما كان لهن سكنى حياتهن ، فلما توفين جعل ذلك زيادة في المسجد الذي يعم المسلمين نفعه كما جعل كذلك في الذي فضل من نفقتهن في تركة رسول الله - عليه السلام - ، لما مضين لسبيلهن أضيف إلى أصل المال ، فصرف في مصالح المسلمين مما يعم جميعهم نفعه .

فإن قيل : كيف تقول : الأنبياء لا يورثون ، وقد قال تعالى : وورث سليمان داود وقال أيضا مخبرا عن زكرياء : فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب ؟ [ ص: 498 ] قلت : سليمان - عليه السلام - لم يرث من داود - عليه السلام - مالا خلفه داود - عليه السلام - بعده ، وإنما ورث منه الحكمة والعلم ، وكذلك ورث يحيى من آل يعقوب هكذا .

وقال أهل العلم بتأويل القرآن والسنة : فورث سليمان من داود الحكمة والنبوة وفضل القضاء ، وعلى هذا جماعة أهل العلم وسائر المسلمين إلا الروافض ، وكذلك قالوا في قوله : يرثني ويرث من آل يعقوب لا يختلفون في ذلك إلا ما روي عن الحسن أنه قال : يرثني مالا ويرث من آل يعقوب النبوة والحكمة .

والدليل على صحة ما قال علماء المسلمين في تأويل هاتين الآيتين الكريمتين ما ثبت عن النبي - عليه السلام - أنه قال : "إنا معشر الأنبياء لا نورث ، ما تركنا صدقة " .

وكل قول يخالف قول رسول الله - عليه السلام - فهو مدفوع مهجور ، فتكون كل واحدة من الآيتين مخصوصة بهذا الحديث .

الثاني : فيه دليل على صحة ما ذهب إليه الفقهاء من تجويز الأوقاف في الصدقات المحبسة ، وأن للرجل أن يحبس ماله ويوقفه على سبيل من سبل الخيرات يجري عليه نفعه من بعد وفاته .

الثالث : فيه دليل على اتخاذ الأموال واكتساب الضياع وما يسعى الإنسان لنفسه وعماله وأهله ونوائبه وما يفضل عن الكفاية .

الرابع : فيه رد على الصوفية ومن ذهب مذهبهم في قطع الاكتساب المباح.

الخامس : فيه دليل على أن للقاضي أن يقضي بعلمه ; لما قضى أبو بكر - رضي الله عنه - في ذلك بما كان عنده من العلم .

وذهب إلى ذلك أبو يوسف ومحمد وأجازا للقاضي أن يقضي بعلمه .

السادس : فيه دليل على قبول خبر الواحد العدل ; لأنهم لم يردوا على أبي بكر قوله ، ولا رد أزواج النبي - عليه السلام - على عائشة قولها ذلك وحكايتها لهن . [ ص: 499 ] فإن قيل : لو سلمت فاطمة وعلي والعباس - رضي الله عنهم - ذلك لقول أبي بكر - رضي الله عنه - ما أتى علي والعباس في ذلك عمر بن الخطاب في خلافته يسألانه ذلك .

قلت : تشاجر علي وعباس واختلافهما إلى عمر - رضي الله عنه - مشهور ، لكنهما لم يسألا ذلك ميراثا وإنما سألا ذلك من عمر - رضي الله عنه - ليكون بأيديهما منه ما كان رسول الله - عليه السلام - يعمل فيه في حياته .

وأما حديث عمر - رضي الله عنه - فأخرجه أيضا من ثلاث طرق صحاح :

الأول : عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن حسين بن مهدي بن مالك شيخ الترمذي وابن ماجه ، عن عبد الرزاق بن همام صاحب المصنف ، عن معمر بن راشد ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن مالك بن أوس بن الحدثان النضري -بالنون والضاد المعجمة- المختلف في صحبته- قال : "أرسل إلي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - . . . " إلى آخره .

وأخرجه مسلم : نا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد - قال ابن رافع : نا ، وقال الآخران : أنا- عبد الرزاق ، قال : أنا معمر ، عن الزهري ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، قال : "أرسل إلي عمر بن الخطاب فقال : إنه قد حضر أهل أبيات من قومك . . . " إلى آخره نحوه .

وقال مسلم أيضا : حدثني عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي ، قال : ثنا جويرية ، عن مالك ، عن الزهري ، أن مالك بن أوس حدثه قال : "أرسل إلي عمر بن الخطاب فجئته حين تعالى النهار ، قال : فوجدته في بيته جالسا على سرير مفضيا إلى رماله ، متكئا على وسادة من أدم ، فقال لي : يا مال ، إنه قد دف أهل أبيات من قومك وقد أمرت فيهم برضخ فخذه فأقسمه بينهم . قال : قلت : لو أمرت بهذا غيري ؟ قال : خذه يا مال . قال : فجاء يرفا ، فقال : هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان [ ص: 500 ] وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد ؟ فقال : نعم ، فأذن لهم فدخلوا ، ثم جاءه ، فقال : هل لك في عباس وعلي ؟ قال : نعم ، فأذن لهما ، فقال عباس : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الكاذب [الآثم] الغادر الخائن ، فقال القوم : أجل يا أمير المؤمنين فاقض بينهم وارحمهم ، فقال مالك بن أوس : فخيل إلي أنهم قد كانوا قدموهم لذلك ، فقال عمر - رضي الله عنه - ابتداء : أنشدكم بالله الذي [بإذنه] تقوم السماء والأرض ، أتعلمون أن رسول الله - عليه السلام - قال : لا نورث ، ما تركنا صدقة ؟ قالوا : نعم . ثم أقبل على العباس وعلي فقال : أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض ، أتعلمان أن رسول الله - عليه السلام - قال : لا نورث ما تركنا صدقة ؟ قالا : نعم . قال : عمر : إن الله كان خص رسوله بخاصة لم يخصص بها أحدا غيره ، قال : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول -ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا- . قال : فقسم رسول الله - عليه السلام - بينكم أموال بني النضير ، فوالله ما استأثر عليكم ولا أخذها دونكم حتى بقي هذا [المال] ، فكان رسول الله - عليه السلام - يأخذ منه نفقة سنته ثم يجعل ما بقي أسوة المال ، ثم قال : أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم . ثم نشد عباسا وعليا بمثل ما نشد القوم ، أتعلمان ذلك ؟ قالا : نعم . قال : فلما توفي رسول الله - عليه السلام - قال أبو بكر : أنا ولي رسول الله - عليه السلام - ، فجئتما تطلب ميراثك من ابن أخيك ، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها ؟! قال أبو بكر - رضي الله عنه - : قال رسول الله - عليه السلام - : لا نورث ، ما تركنا صدقة فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا [والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق ثم توفي أبو بكر وأنا ولي رسول الله - عليه السلام - ، وولي أبو بكر فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا] والله يعلم إني لصادق بار راشد تابع للحق فوليتها ، ثم جئتني أنت وهذا [ ص: 501 ] وأنتما جميع وأمركما واحد ، فقلتما ادفعها إلينا . فقلت : إن شئتما دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله - عليه السلام - فأخذتماها بذلك . قال : أكذلك ؟ قالا : نعم . قال : ثم جئتماني لأقضي بينكما ولا والله لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة ، فإن عجزتما عنها فرداها إلي " .

الثاني : عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن إبراهيم بن بشار الرمادي شيخ أبي داود والبخاري في غير "الصحيح " ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن مسلم الزهري .

وأخرجه مسلم : عن ابن أبي شيبة ، عن سفيان ، عن عمرو ، عن الزهري ، عن مالك بن أوس ، عن عمر - رضي الله عنه - قال : "كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب ، فكانت للنبي - عليه السلام - خاصة ، فكان ينفق على أهله نفقة سنة ، وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله " .

الثالث : عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي ، عن أبي أمية محمد بن مسلم الطرسوسي ، كلاهما عن بشر بن عمر بن الحكم الزهراني البصري ، عن مالك بن أنس ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن مالك بن أوس .

وأخرجه الترمذي : ثنا الحسن بن [علي الخلال] ، قال : نا بشر بن عمر ، قال : ثنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال : "دخلت على عمر بن الخطاب ، ودخل عليه عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ، ثم جاء علي والعباس يختصمان ، فقال عمر لهم : أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن [ ص: 502 ] رسول الله - عليه السلام - قال : لا نورث ، ما تركنا صدقة ؟ قالوا : نعم قال عمر : فلما توفي رسول الله - عليه السلام - قال أبو بكر : أنا ولي رسول الله - عليه السلام - ، فجئت أنت وهذا إلى أبي بكر ، تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك ، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها . فقال أبو بكر : إن رسول الله - عليه السلام - قال : لا نورث ، ما تركنا صدقة . والله يعلم أنه صادق بار راشد تابع للحق . . . . " .

وفي الحديث قصة طويلة ، قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث مالك بن أنس .

وأخرجه أبو داود أيضا مطولا جدا : عن الحسن بن علي ومحمود بن يحيى بن فارس ، عن بشر بن عمر الزهراني ، قال : حدثني مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن مالك بن أوس : "أرسل إلي عمر - رضي الله عنه - أن تعال النهار فجئته فوجدته جالسا على سرير مفضيا إلى رماله . . . " الحديث نحو رواية مسلم التي ذكرناها .

قوله : "برضخ " بالضاد والخاء المعجمتين ، وهو العطية القليلة ، قال الجوهري : رضخت له رضخا وهو العطاء ليس بالكثير .

قوله : "يرفا " بفتح الياء آخر الحروف وسكون الراء ، وبالفاء المقصورة ، وهو اسم لمولى عمر بن الخطاب ، وكان حاجبا له .

قوله : "أنشدكم الله " يقال : نشدتك الله ، وأنشدك الله وبالله ، وناشدتك الله وبالله أي : سألتك وأقسمت عليك ، ونشدته نشدة ونشدانا ومناشدة ، وتعديته إلى مفعولين إما لأنه بمنزلة دعوت حيث قالوا : نشدتك الله وبالله ، كما قالوا : دعوت زيدا وبزيد وإما أنهم ضمنوه معنى ذكرت ، فأما أنشدتك بالله مخطأ .

قوله : "فما أوجفتم عليه " من الإيجاف وهو سرعة السير ، وقد أوجف دابته يوجفها إيجافا إذا حثها ، والوجيف ضرب من السير سريع ، وقد وجف البعير يجف وجفا ووجيفا . [ ص: 503 ] فإذا قلت : هذا مما لم يوجف عليه أي : لم يؤخذ بغلبة جيش .

قوله : "حين تعالى النهار " أي : ارتفع .

قوله : "إلى رماله " رمال السرير ورمله : ضفر نسجه من وجهه ، وسرير مرمول ومرمل منسوج من السعف بالحبال ، يقال : رملته وأرملته .

قوله : "يا مال " ترخيم مالك ، كما يقال : يا حار في حارث .

قوله : "قد دف " بفتح الدال وتشديد الفاء من الدف وهو سير ليس بالشديد في جماعة ، ومنه : دفت دافة .

وأما حديث أبي هريرة فأخرجه بإسناد صحيح : عن فهد بن سليمان ، عن أحمد بن عبد الله بن يونس وقد ينسب إلى جده ، غالبا شيخ البخاري ومسلم وأبي داود .

عن ابن شهاب الحناط الكوفي الأصغر - واسمه عبد ربه بن نافع الكناني ، روى له الجماعة سوى الترمذي .

عن سفيان الثوري . وعن ورقاء بن عمر بن كليب اليشكري الكوفي -نزيل المدائن- روى له الجماعة .

كلاهما عن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان المدني روى له الجماعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج روى له الجماعة ، عن أبي هريرة .

وأخرجه مسلم : ثنا يحيى بن يحيى ، قال : قرأت على مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة : أن رسول الله - عليه السلام - قال : "لا يقتسم ورثتي دينارا ، ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة " .

وحدثنا محمد بن أبي عمر المكي ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي الزناد . . . بهذا الإسناد نحوه . [ ص: 504 ] وأخرجه أبو داود : عن عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة نحوه .

قوله : "لا يقتسم " بضم الميم أي : ليس يقتسم ورثتي دينارا ; لأنني لا أتخلف دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا . وفي رواية يحيى وابن كنانة : "دنانير " على الجمع ، وأما سائر الرواة عن مالك في "الموطأ " يقولون : "دينارا " .

قال أبو عمر : هو الصواب ; لأن الواحد في هذا الموضع أعم عند أهل اللغة ; لأنه يقتضي الجنس والقليل والكثير .

قوله : "ومؤنة عاملي " أراد بعامله : خادمه في حوائجه ، ووكيله وأجيره ونحو ذلك .

التالي السابق


الخدمات العلمية