صفحة جزء
2968 ص: حدثنا ابن أبي داود ، قال : ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء ، قال : ثنا جويرية ابن أسماء ، عن مالك ، عن الزهري ، أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه ، أن عبد المطلب بن أبي ربيعة حدثه ، قال : "اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب ، فقالا : لو بعثنا هذين الغلامين -لي وللفضل بن العباس - على الصدقة فأديا ما يؤدي الناس وأصاب ما يصيب الناس . قال : فبينما هما في ذلك جاء علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فوقف عليها ، فذكرا له ذلك ، فقال علي : لا تفعلا ; فوالله ما هو بفاعل . فقال ربيعة بن الحارث : ما يمنعك من هذا إلا نفاسة علينا ، فوالله لقد نلت صهر رسول الله - عليه السلام - فما نفساه عليك . فقال علي : أنا أبو حسن القوم أرسلاهما ، فانطلقا واضطجع ، فلما صلى رسول الله - عليه السلام - الظهر سبقناه إلى الحجرة فقمنا عند بابها حتى جاء ، فأخذ بآذاننا وقال : أخرجا ما تصرران ، ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش - رضي الله عنهما - . فتواكلنا الكلام ، ثم تكلم أحدنا قال : يا رسول الله أنت أبر الناس وأوصل الناس وقد بلغنا النكاح ، وقد جئناك لتؤمرنا على بعض الصدقات فنؤدي إليك كما يؤدون ونصيب كما يصيبون ، فسكت حتى أردنا أن نكلمه وجعلت زينب تلمع إلينا من وراء الحجاب : أن لا تكلماه . فقال : إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد ; إنما هي أوساخ الناس ، ادعوا لي محمية -وكان على الخمس- ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب . [ ص: 509 ] فجاءاه ، فقال لمحمية : أنكح هذا الغلام ابنتك -للفضل بن عباس- فأنكحه ، وقال لنوفل بن الحارث : أنكح هذا الغلام ابنتك -لي- فأنكحني ، وقال لمحمية : أصدق عنهما من . الخمس كذا وكذا " .


ش: إسناده صحيح . ورجاله رجال الصحيحين ما خلا إبراهيم بن أبي داود .

وعبد الله بن محمد بن أسماء بن عبيد بن مخارق البصري ابن أخي جويرية بن أسماء شيخ الشيخين وأبي داود .

وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم له صحبة ، وهو ابن ابن عم رسول الله - عليه السلام - .

وأخرجه مسلم : عن عبد الله بن محمد بن أسماء ، عن جويرية ، عن مالك . . . إلى آخره نحوه .

قوله : "اجتمع ربيعة بن الحارث " بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، له صحبة .

قوله : "لي وللفضل بن عباس " بيان لقوله : "هذين الغلامين " .

قوله : "فوالله ما هو بفاعل " أي النبي - عليه السلام - ، أراد : أنه لا يسمع كلامكم في هذا ولا يجيب إلى سؤالكم .

قوله : "فانتحاه ربيعة " ليس في كثير من النسخ ، ومعناه : عرض له وقصده ، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى علي - رضي الله عنه - .

قوله : "إلا نفاسة علينا " أي : إلا حسد علينا ، من نفست الشيء عليه نفاسة إذا لم تره يستأهله ، هذا من باب فعل يفعل بالكسر في الماضي ، والفتح في الغابر وأما نفس الشيء -بالضم- فمعناه صار مرغوبا فيه . [ ص: 510 ] وأما نفست المرأة فهو بالكسر أيضا ، ويقال نفست على ما لم يسم فاعله .

قوله : "فما نفسناه " بكسر الفاء وسكون السين أي لم نحسدك فيه .

قوله : "أبو حسن القوم " قال عياض في "شرح مسلم " : كذا رويناه عن أبي جعفر بالإضافة ، وبالواو ، أي : أنا عالم القوم وذو رأيهم ونحو هذا .

ورويناه عن أبي بحر "أنا أبو حسن " بالتنوين وبعده "القوم " بالرفع أي : أنا من علمتم رأيه أيها القوم ، وسمعناه على القاضي الشهيد : "القرم " بالراء على النعت ، والقرم : السيد ، وأصله فحل الإبل ، وكذا رويناه عن أبي جعفر من طريق الباجي ، وهو الذي صححه الخطابي ، قال : أي المقدم في الرأي والمعرفة بالأمور كالفحل .

وقال ابن الأثير : القرم : فحل الإبل ، أي أنا فيهم بمنزلة الفحل في الإبل .

قال الخطابي : وأكثر الروايات : "القوم " بالواو ، ولا معنى له ، وإنما هو بالراء : أي المقدم في المعرفة وتجارب الأمور .

وقوله : "واضطجع " أي : علي - رضي الله عنه - .

قوله : "أخرجا ما تصرران " أي أظهراه واجهرا به ، وهو أمر من الإخراج و"ما تصرران " في محل نصب ; لأنه مفعول لقوله : "أخرجا " ، وأصله : ما تصررانه ، وحذف المفعول سائغ شائع .

ومعنى ما تصرران : ما تجمعانه في صدوركما من الكلام ، وكل شيء جمعته ، فقد صررته ، وأصله من الصر وهو الشد ، ومنه الصرة التي تشد فيها الدراهم والدنانير .

وقال عياض : وروايتنا عن أكثر شيوخنا : تسرران -بالسين- من السر خلاف الجهر .

قال : ورويناه من طريق السمرقندي : تصدران ووجهه بعيد ، ورواه الحميدي في "صحيحه " : تصوران أي : ما تزورانه من صورة حديثكما .

قوله : "فتواكلنا الكلام " أي وكل بعضنا إلى بعض ، وحاصله أن يرمي بعضهم على بعض في الكلام . [ ص: 511 ] قوله : "وقد بلغنا النكاح " أي : الحلم ، قال تعالى : حتى إذا بلغوا النكاح

قوله : "تلمع إلينا من وراء الحجاب " أي : تشير إلينا من خلف الستارة ، يقال : لمع وألمع : إذا أشار بثوبه أو بيده .

قوله : "إنما هي أوساخ الناس " بيان العلة في تحريم الصدقة عليهم ، وإنما سماها أوساخا لأنها تطهير لأموالهم .

قوله : "ادعوا لي محمية " أي : اطلباه لي .

ومحمية -بفتح الميم الأولى وسكون الحاء المهملة وكسر الميم الثانية وفتح الياء آخر الحروف- ابن جزء -بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها همزة - بن عبد يغوث الزبيدي -بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ، وبالدال المهملة - وكان - عليه السلام - استعمله على الأخماس .

قوله : " ونوفل بن الحارث " بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، ابن عم رسول الله - عليه السلام - ، أسر يوم بدر كافرا وفداه عمه العباس ، وأسلم وأعان رسول الله - عليه السلام - يوم حنين بثلاثة آلاف رمح ، توفي بالمدينة سنة خمس عشرة .

قوله : "أصدق عليهما " بفتح الهمزة وسكون الصاد وكسر الدال ، معناه : أمهر عنهما من الخمس كذا وكذا درهما أو دينارا ولم يبين مقداره .

ويستفاد منه أحكام :

تحريم الصدقة على آل محمد
، وقال عياض : قوله : "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد " دليل على أنها لا تحل لهم بوجه وإن كانوا عاملين عليها ، كما لم يحل لهم إذا كانوا محتاجين لها إكراما لهم عنها ، وإلى هذا ذهب أبو يوسف .

وذهب آخرون إلى أنها تجوز للعاملين منهم ; لأنها أجرة لعملهم ، وإليه ذهب الطحاوي ، وسيجيء الكلام فيه- إن شاء الله تعالى . [ ص: 512 ] وفي "المغني " : وظاهر كلام الخرقي أن ذوي القربى يمنعون الصدقة وإن كانوا عاملين . وذكر في باب : "قسم الفيء والصدقة " ما يدل على إباحة الأخذ لهم عمالة ، وهو قول أكثر أصحابنا .

وقال صاحب "البدائع " : ولو كان العامل هاشميا لا تحل له عندنا ، وعند الشافعي تحل ، واحتج بما روي "أنه - عليه السلام - بعث عليا - رضي الله عنه - إلى اليمن مصدقا وفرض له " ولو لم تحل للهاشمي لما فرض له ; ولأن العمالة أجرة العمل بدليل أنها تحل للغني ، فيستوي فيها الهاشمي وغيره ، ثم استدل صاحب "البدائع " لأصحابنا بالحديث المذكور ، وأجاب عن حديث علي - رضي الله عنه - بأنه لا حجة له فيه ; لأن فيه أنه فرض له ، وليس فيه بيان المفروض أنه من الصدقات ، فيحتمل أنه كان فرض له من بيت المال ; لأنه كان قاضيا ، والله أعلم .

وفيه دلالة على جواز تبرع الرجل عن صداق المرأة إذا تزوجها رجل ، وأنه يسقط عن الزوج.

وأن الرجل إذا رأى غيره يسعى فيما لا ينبغي يمنعه من ذلك ويردعه ; لأنه في الحقيقة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفيه إشارة إلى فضيلة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - .

التالي السابق


الخدمات العلمية