صفحة جزء
3012 3013 3014 ص: ثم قد روى قبيصة بن المخارق عن النبي - عليه السلام - ما قد دل على ذلك أيضا .

حدثنا يونس ، قال : ثنا سفيان ، عن هارون بن رئاب ، عن كنانة بن نعيم ، عن قبيصة بن المخارق : " [أنه تحمل بحمالة ، فأتى النبي - عليه السلام - فيها ، فقال : نخرجها عنك من إبل الصدقة أو نعم الصدقة ، يا قبيصة إن] المسألة حرمت إلا في ثلاث رجل تحمل بحمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها ثم يمسك ، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت بماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ثم يمسك ، ورجل أصابته حاجة حتى تكلم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه أن قد حلت له المسألة ، حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ثم يمسك ، وما سوى ذلك من المسألة فهو سحت " .

حدثنا ابن مرزوق ، قال : ثنا سليمان بن حرب ، قال : ثنا حماد ، عن هارون بن رئاب ، عن كنانة بن نعيم العدوي ، عن قبيصة بن المخارق ، عن النبي - عليه السلام - نحوه .

حدثنا أبو بكرة ، قال : ثنا الحجاج بن المنهال ، قال : ثنا حماد بن سلمة ، عن هارون بن رئاب . . . فذكر بإسناده مثله . وزاد : "رجل تحمل حمالة عن قومه أراد بها الإصلاح " .

فأباح رسول الله - عليه السلام - في هذا الحديث لذي الحاجة أن يسأل لحاجته حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ، فدل ذلك أن الصدقة لا تحرم بالصحة إذا أراد بها الذي تصدق بها عليه سد فقره ، وأنها تحرم عليه إذا كان يريد بها غير ذلك من التكثر ونحوه ، ومن يريد بها ذلك فهو ممن يطلبها لسوى المعاني الثلاثة التي ذكرها رسول الله - عليه السلام - في حديث قبيصة الذي ذكرنا ، فهي عليه سحت .


[ ص: 29 ] ش: أي : قد روى قبيصة عن النبي - عليه السلام - ما قد دل على ما ذكرنا من التأويل في قوله - عليه السلام - : " لا تحل الصدقة لذي مرة سوي " ، وفي قوله - عليه السلام - : "ولا لقوي مكتسب " .

وأخرجه من ثلاث طرق :

الأول : موقوف ، إسناده صحيح ، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن سفيان بن عيينة ، عن هارون بن رئاب -بكسر الراء بعدها همزة وفي آخره باء موحدة - التميمي أبي الحسن البصري ، وثقه النسائي وغيره ، وروى له مسلم وأبو داود والنسائي .

عن كنانة بن نعيم العدوي أبي بكر البصري ، وثقه العجلي وابن حبان ، وروى له هؤلاء المذكورون عن قبيصة [بن] المخارق الهلالي الصحابي رضي الله عنه .

الثاني : مرفوع بإسناد على شرط مسلم : عن إبراهيم بن مرزوق ، عن سليمان بن حرب الواشحي شيخ البخاري وأبي داود ، عن حماد بن زيد ، عن هارون . . . إلى آخره .

وروي أيضا عن حماد بن سلمة ، عن هارون .

وأخرجه مسلم ثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد ، كلاهما عن حماد بن زيد -قال يحيى : أنا حماد بن زيد - عن هارون بن رئاب ، قال : حدثني كنانة بن نعيم العدوي ، عن قبيصة بن مخارق الهلالي ، قال : "تحملت حمالة ، فأتيت رسول الله - عليه السلام - أسأله فيها فقال : أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها . قال : ثم قال : يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة : رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش -أو قال : سدادا من عيش- ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه : لقد أصابت فلانا فاقة ، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش -أو قال : سدادا من عيش- فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا " .

[ ص: 30 ] الثالث : أيضا مرفوع بإسناد صحيح ، عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن الحجاج بن منهال الأنماطي ، عن حماد بن سلمة ، عن هارون بن رئاب . . . إلى آخره .

وأخرج أبو داود : عن مسدد ، عن حماد بن زيد ، عن هارون بن رئاب . . . إلى آخره نحو رواية مسلم .

وأخرجه النسائي والدارقطني والطبراني وابن أبي شيبة نحوه أيضا .

قوله : "رجل " مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره : الأول : رجل .

قوله : "تحمل حمالة " الحمالة -بفتح الحاء وتخفيف الميم - : هي المال الذي يتحمله الإنسان أي : يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البين ، كالإصلاح بين القبيلتين ونحو ذلك .

وقال الخطابي : الحمالة : الكفالة ، والحميل : الكفيل والضمين ، وتفسير الحمالة : أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال ، وتجذب بسببه العداوة والشحناء ، ويخاف منها الفتن العظيمة ، فيتوسط الرجل بينهم ويسعى في إصلاح ذات البين ويضمن ما لأصحاب الدم أو المال يترضاهم بذلك حتى تسكن الثائرة وتعود بينهم الألفة .

فهذا رجل صنع معروفا وابتغى بما أتاه إصلاحا ، فليس من المعروف أن تورك الغرامة عليه في ماله ، ولكن يعان على أداء ما تحمله منه ، ويعطى من الصدقة قدر ما تبرأ به ذمته ويخرج عن عهدة ما تضمنه .

قوله : "ثم يمسك " عن السؤال .

[ ص: 31 ] قوله : "جائحة " بالجيم أولا ثم بالحاء المهملة ، وهي في غالب العرف ما ظهر أمره من الآفات كالسيل يغرق متاعه ، والنار تحرقه ، والبرد يفسد زرعه وثماره ، ونحو ذلك .

فإذا أصاب الرجل شيء من ذلك وافتقر حلت له المسألة ووجب على الناس أن يعطوه الصدقة من غير بينة يطالبونه بها على ثبوت فقره واستحقاقه إياها .

قوله : "قواما " بكسر القاف وهو ما يقوم بحاجته ويستغني به .

و"السداد " : بكسر السين المهملة : ما يسد به خلته ، والسداد -بالكسر أيضا- كل شيء سددت به حالا ، ومنه سداد الثغر وسداد القارورة ، والسداد بالفتح إصابة المقصد .

قوله : "حاجة " أي : فقر وفاقة .

قوله : "من ذوي الحجى " . بكسر الحاء المهملة وفتح الجيم مقصور ، وهو العقل ، وقال النووي : إنما شرط الحجى تنبيها على أنه يشترط في الشاهد التيقظ ، فلا يقبل من مغفل ، وأما اشتراط الثلاثة فقال بعض أصحابنا : هو شرط في بينة الإعسار فلا يقبل إلا من ثلاثة لظاهر هذا الحديث .

وقال الجمهور : يقبل من عدلين كسائر الشهادات غير الزنا ، وحملوا الحديث على الاستحباب ، وهذا محمول على من عرف له مال فلا يقبل قوله في تلفه والإعسار إلا ببينة ، وأما من لم يعرف له مال فالقول قوله في عدم المال .

وقال الخطابي . : وليس هذا من باب الشهادة لكن من باب التبين والتعرف ; وذلك لأنه لا مدخل لعدد الثلاثة في شيء من الشهادات ، فإذا قال نفر من قومه أو جيرانه أو من ذوي الخبرة بشأنه : إنه صادق فيما يدعيه ; أعطي الصدقة .

قلت : الصواب ما قاله الخطابي ; لأنه أراد أن يخرج بالزيادة عن حكم الشهادة إلى طريق انتشار الخبر واشتهاره ، وأن القصد بالثلاثة ها هنا الجماعة التي أقلها أقل الجمع لا نفس العدد .

[ ص: 32 ] قوله : "من قومه " إنما قال هذا لأن قومه من أهل الخبرة بباطنه ، والمال مما يخفى في العادة فلا يعلمه إلا من كان خبيرا بصاحبه .

قوله : "فهو سحت " أي : حرام .

ويستفاد منه أحكام :

الأول: أن السؤال عند عدم الحاجة حرام وأخذه سحت

الثاني : أن الحد الذي ينتهي إليه العطاء في الصدقة هو الكفاية التي يكون بها قوام العيش وسداد الخلة ، وذلك يعتبر في كل إنسان بقدر حاله ومعيشته ليس فيه حد معلوم .

الثالث : أن مجرد دعوى الإعسار لا تقبل ، اللهم إلا إذ كان مشهورا بين قومه بالفقر والفاقة ; فإن القول قوله حينئذ .

الرابع : فيه دليل على وجوب المساعدة من أصحاب الأموال والنظر في حق من ابتلي بالحاجة ، أو أصيب بالجائحة ، أو تحمل بالحمالة .

الخامس : أنه يدل على أن الصدقة تحل للفقير الصحيح القادر على الاكتساب ; لأنه لم يشترط في هذه الصور الثلاث التي يحل فيها السؤال : أن يكون السائل عاجزا عن الكسب لأجل الزمانة ونحوها ، وإليه أشار بقوله : فأباح رسول الله - عليه السلام - في هذا الحديث . . . إلى آخره .

قوله : "فدل ذلك أن الصدقة " أي : دل ما أباحه النبي - عليه السلام - من السؤال لذي الحاجة إلى أن يصيب قواما من عيش أو سداد من معيشة على أن الصدقة لا تحرم بالصحة والقدرة على الاكتساب ، ولكن بشرط أن يكون مراد المتصدق عليه : سد الفقر ودفع الحاجة ، وأما إذا أراد بها التكثر والتجمل وغير ذلك فهو حرام ; لأنه يكون ممن يطلب الصدقة لغير المعاني الثلاثة المذكورة في الحديث .

التالي السابق


الخدمات العلمية