صفحة جزء
3144 ص: قال أبو جعفر : فذهب ذاهبون إلى أن وزن الصاع ثمانية أرطال . واحتجوا في ذلك بهذا الحديث وقالوا : لم يشك مجاهد في الثمانية ، وإنما شك فيما فوقها ، فثبتت الثمانية بهذا الحديث وانتفى ما فوقها . وممن قال بهذا القول أبو حنيفة -رحمه الله- .


[ ص: 235 ] ش: أراد بهؤلاء الذاهبين إلى أن وزن الصاع ثمانية أرطال : الحجاج بن أرطاة ، والحكم بن عتيبة ، وإبراهيم النخعي ، وأحمد في رواية ، وممن قال بذلك أبو حنيفة .

واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور .

بيان ذلك : أنه قد ثبت في "الصحيح " : " أنه - عليه السلام - كان يغتسل بالصاع " . ثم إن "العس " المذكور في حديث عائشة كان مثل الصاع الذي يغتسل به رسول الله - عليه السلام - ، لقول عائشة - رضي الله عنها - : "كان النبي - عليه السلام - يغتسل بمثل هذا " .

ثم إن مجاهدا لما حزره حزره بثمانية أرطال أو بتسعة أو بعشرة ، فحصل اليقين في الثمانية ، وإنما الشك فيما فوقها ، فثبتت الثمانية وانتفى ما فوقها .

وبهذا الكلام حصل الجواب عما قاله ابن حزم في "المحلى " : وهذا لا حجة فيه ; لأن موسى قد شك في هذا الإناء من ثمانية أرطال إلى عشرة ، وهم لا يقولون : إن الصاع لا يزيد على ثمانية أرطال ولا فلسا .

فإن قيل : إن النبي - عليه السلام - لم يعير له الماء للغسل بكيل معلوم ولا كان يتوضأ ويغتسل بإناء مخصوص ، بل قد توضأ واغتسل في الحضر والسفر بلا مراعاة لمقدار الماء ، وقد صح أنه اغتسل هو وعائشة جميعا من إناء يسع ثلاثة أمداد ، ومن إناء أيضا يسمى الفرق ، وأيضا من إناء يسع فيها خمسة أمداد ، وأيضا بخمسة مكاكي ، فإذا كان كذلك فكيف يستدل بحديث عائشة المذكور أن الصاع ثمانية أرطال ؟ !

قلت : المراد من هذا ثبوت كون الصاع ثمانية أرطال فقط لا التعرض إلى بيان مقدار ما كان يغتسل به النبي - عليه السلام - ، وقد دل قول عائشة - رضي الله عنها - : "كان النبي - عليه السلام - يغتسل بمثل هذا " مع حزر مجاهد ذلك الإناء بثمانية أو أكثر على المدعى وهو المطلوب .

على أن ابن عدي أخرج في "الكامل " : عن عمر بن موسى بن وجيه ، عن

[ ص: 236 ] عمرو بن دينار ، عن جابر قال : "كان النبي - عليه السلام - يتوضأ بالمد رطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال " .

وكذلك الدارقطني : عن جعفر بن عون ، عن ابن أبي ليلى ، عن عبد الكريم ، عن أنس قال : "كان رسول الله - عليه السلام - يتوضأ بمد رطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال " .

ولا يضر ما ذكرنا ما قالوا من تضعيف إسناد هذين الحديثين ; لأنا ذكرناهما استئناسا لما ذكرنا وشاهدا له ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية