صفحة جزء
3173 ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا : هذا الحديث لا يرفعه الحفاظ الذين يروونه عن ابن شهاب ، ويختلفون عنه فيه اختلافا يجب اضطراب الحديث بما هو دونه ، ولكن مع ذلك نثبته ونجعله على خاص من الصوم وهو صوم الفرض الذي ليس في أيام بعينها ، مثل الصوم في الكفارات ، وقضاء رمضان وما أشبه ذلك .


ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون ، وأراد بهم : النخعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدا وزفر ، فإنهم قالوا : تجوز النية في صوم رمضان والنذر المعين وصوم النفل إلى ما قبل الزوال .

قوله : "فقالوا " أي هؤلاء الآخرون : هذا الحديث -أي : حديث حفصة المذكور - لا يرفعه الرواة الحفاظ الذين يروونه عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ويختلفون عنه فيه اختلافا كثيرا يؤدي إلى اضطراب هذا الحديث بما دون

[ ص: 275 ] هذا الاختلاف ، وأراد بالحفاظ مثل : مالك بن أنس وسفيان بن عيينة ومعمر بن راشد ; فإن هؤلاء أئمة أثبات رووا هذا الحديث عن الزهري موقوفا ولم يرفعوه ، فهؤلاء هم الحجة عن الزهري ، ولهذا قال الترمذي : ولا نعلم أحدا رفعه إلا يحيى بن أيوب ، وبيان اضطراب هذا الحديث في سنده : هو أن عبد الله بن أبي بكر رواه عن الزهري عن سالم عن أبيه عن حفصة عن النبي - عليه السلام - .

ورواه مالك ، عن الزهري ، عن عائشة وحفصة .

ورواه ابن عيينة عن الزهري عن حمزة بن عبد الله ، عن أبيه ، عن حفصة ولم يرفعه .

ورواه معمر بن راشد ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر عن حفصة ولم يرفعه .

ورواه صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه عبد الله بن عمر ولم يذكر لا حفصة ولا غيرها ولا رفعه .

ورواه أيضا صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن السائب بن يزيد ، عن المطلب بن أبي وداعة ، عن حفصة ولم يرفعه .

ورواه مالك أيضا ، عن نافع ، عن ابن عمر ، ولم يذكر حفصة ولا رفعه .

فهذا كما ترى اختلاف شديد يوجب الاضطراب العظيم .

قوله : "ولكن مع ذلك نثبته . . ." إلى آخره جواب آخر عن الحديث المذكور يعني : سلمنا أن هذا الحديث ثابت مرفوع سالم عن الاضطراب وغيره ، ولكن لا نسلم أنه عام في جميع الصيامات ، بل هو محمول على صوم خاص معين ، وهو الصوم المطلق الذي ليس في أيام بعينها كقضاء رمضان وصوم الكفارات والنذور المطلقة .

فإن قيل : ما الضرورة الداعية إلى هذا الحمل ؟

قلت : لأن قوله تعالى : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى قوله :

[ ص: 276 ] ثم أتموا الصيام إلى الليل يبيح الأكل والشرب والجماع في ليالي رمضان إلى طلوع الفجر ، ثم الأمر بالصيام عنها بعد طلوع الفجر متأخر عنه ; لأن كلمة "ثم " للتعقيب مع التراخي فكان هذا أمرا بالصوم متراخيا عن أول النهار والأمر بالصوم أمر بالنية إذ لا صحة للصوم شرعا بدون النية ، فكان أمرا بالصوم بنية متأخرة عن أول النهار ، وقد أتى به فيخرج عن العهدة .

وفيه دلالة أن الإمساك في أول النهار يقع صوما وجدت فيه النية أو لم توجد ; لأن إتمام الشيء يقتضي سابقة وجود بعض منه ، فإذا شرطنا النية من الليل بخبر الواحد يكون نسخا لمطلق الكتاب فلا يجوز ذلك ، فحينئذ يحمل ذلك على الصيام الخاص المعين وهو الذي ذكرناه ; لأن مشروع الوقت في هذا يتنوع فيحتاج إلى التعيين بالنية بخلاف شهر رمضان ; لأن الصوم فيه غير متنوع فلا يحتاج فيه إلى التعيين ، وكذلك النذر المعين ، وأما صوم التطوع فإنما يجوز بنية من النهار قبل الزوال ، فلما روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : "قال لي رسول الله - عليه السلام - ذات يوم : يا عائشة هل عندكم شيء ؟ قالت : فقلت : يا رسول الله ما عندنا شيء . قال : فإني صائم . . . " الحديث .

أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي على ما نذكره إن شاء الله تعالى ، وهو مروي أيضا عن علي وابن مسعود وابن عباس وأبي طلحة - رضي الله عنهم - .

وإنما لا يجوز التطوع بنية بعد الزوال فلأن الصوم لا يتحرى فرضا أو نفلا ويصير صائما من أول النهار بالنية الموجودة ، وقت الركن وهو الإمساك وقت الغداة المتعارف ، فإذا نوى بعد الزوال قد خلا بعض الركن عن الشرط ، فلا يصير صائما شرعا .

وجواب آخر عن حديث حفصة أنه محمول على نفي الفضيلة والكمال كما في قوله - عليه السلام - : "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " ، ونحن نقول أيضا أن الأفضل في

[ ص: 277 ] الصيامات كلها أن ينوي وقت طلوع الفجر إن أمكن ذلك أو في الليل ; لأن النية عند طلوع الفجر تقارن أول جزء العبادة حقيقة ، ومن الليل تقارنه تقديرا .

التالي السابق


الخدمات العلمية