صفحة جزء
3196 ص: حدثنا علي بن شيبة ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عباد ابن عبد الله بن الزبير ، عن عائشة - رضي الله عنهما - : " أن رجلا أتى النبي - عليه السلام - فذكر له أنه احترق ، فسأله عن أمره ؟ فقال : وقعت على امرأتي في رمضان ، فأتى النبي - عليه السلام - بمكتل يدعى العرق فيه تمر فقال : أين المحترق ؟ فقام الرجل ، فقال : تصدق بهذا " .


ش: إسناده صحيح ، ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن شيبة .

وأخرجه البخاري : ثنا عبد الله بن منير ، سمع يزيد بن هارون ، قال : أنا يحيى -وهو ابن سعيد - أن عبد الرحمن بن القاسم أخبره ، عن محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام بن خويلد ، عن عباد بن عبد الله بن الزبير أخبره : أنه سمع عائشة تقول : إن رجلا أتى النبي - عليه السلام - فقال : إنه احترق ، قال : ما لك ؟ قال : أصبت أهلي في رمضان ، فأتي النبي - عليه السلام - بمكتل يدعى العرق ، فقال : أين المحترق ؟ فقال : أين المحترق ؟ فقال : أنا ، قال : تصدق بهذا " .

وأخرجه مسلم : ثنا محمد بن رمح بن المهاجر ، قال : أخبرنا الليث ، عن يحيى ابن سعيد ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن عائشة أنها قالت : " جاء رجل إلى رسول الله - عليه السلام - فقال : احترقت ، قال رسول الله - عليه السلام - : لم ؟ قال : وطئت امرأتي في رمضان نهارا ، قال : تصدق قال : ما عندي شيء ، فأمره أن يجلس ، فجاءه عرقان فيهما طعام ، فأمره أن يتصدق به " .

[ ص: 302 ] وفي رواية أخرى بعد قوله : "تصدق ، فقال : والله يا نبي الله ما لي شيء وما أقدر عليه ، قال : اجلس ، فجلس ، فبينما هو على ذلك أقبل رجل يسوق حمارا عليه طعام ، فقال رسول الله - عليه السلام - : أين المحترق آنفا ؟ فقام الرجل ، فقال رسول الله - عليه السلام - : تصدق بهذا ، فقال : يا رسول الله أغيرنا ؟ فوالله إنا لجياع ما لنا شيء ، قال : فكلوه " .

وأخرجه أبو داود : ثنا سليمان بن داود المهري ، قال : أخبرني ابن وهب ، قال : أخبرني عمرو بن الحارث ، أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه ، أن محمد بن جعفر بن الزبير حدثه ، أن عباد بن عبد الله بن الزبير حدثه ، أنه سمع عائشة زوج النبي - عليه السلام - تقول : "أتى رجل إلى النبي - عليه السلام - في المسجد في رمضان ، فقال : يا رسول الله احترقت ، فقال النبي - عليه السلام - : ما شأنه ؟ فقال : أصبت أهلي ، قال : تصدق . قال : والله ما لي شيء وما أقدر عليه ، قال : اجلس ، فجلس ، فبينما هو على ذلك أقبل رجل يسوق حمارا عليه طعام ، فقال رسول الله - عليه السلام - : أين المحترق آنفا ، فقام الرجل ، فقال رسول الله - عليه السلام - : تصدق بهذا فقال : يا رسول الله أعلى غيرنا ؟ فوالله إنا لجياع ما لنا شيء ، قال : كلوه " .

وله في رواية : "فأتي بعرق فيه عشرون صاعا " .

قوله : "أن رجلا " قيل : هو سلمة بن صخر البياضي ، وقيل : سليمان بن صخر .

قوله : "أنه احترق " أي : هلك ، والاحتراق الهلاك ، وهو من إحراق النار ، شبه ما وقع فيه من الجماع في الصوم بالهلاك .

قوله : "وقعت على امرأتي " كناية عن وطئها كما في رواية البخاري : "أصبت " .

قوله : "بمكتل " المكتل بكسر الميم : الزبيل الكبير ، قيل : إنه يسع خمسة عشر صاعا ، كان فيه كتلا من التمر أي قطعا مجتمعة ، ويجمع على مكاتل ، وفي "الدستور " :

[ ص: 303 ] المكتل : الزنبيل الكبير . وقال القاضي : المكتل والقفة والزبيل واحد ، وسمي زبيلا ; لحمل الزبل فيه ، قال ابن دريد : والزبيل بكسر الزاي ويقال : بفتحها وكلاهما لغتان ، والعرق : بفتح العين والراء ، زبيل منسوج من نسائج الخوص ، وكل شيء مضفور فهو عرق ، وعرقة أيضا بفتح الراء فيهما ، قال القاضي : وسمي عرقا لأنه جمع عرقة وهي الضفيرة الواسعة من الخوص يخاط ويجمع حتى يصير زبيلا ، ومن سماه عرقة فلأنه منها ، ويجمع أيضا على عرقات ، وقد رواه كثير من شيوخنا وغيرهم : عرق بإسكان الراء ، والصواب رواية الجمهور بالفتح ، وقال المنذري : صحح بعضهم سكون الراء ، والفتح أشهر .

ويستنبط منه أحكام :

الأول : استدلت به طائفة على أن الذي جامع امرأته في نهار رمضان لا يجب عليه غير الصدقة على ما يجيء -إن شاء الله تعالى- بيانه .

الثاني : استدل قوم بقوله : "بمكتل يدعى العرق " أن الصدقة مد لكل مسكين ; لأن العرق تقديره عندهم خمسة عشر صاعا ، وهو مفسر في الحديث ، فتأتي قسمته على ستين مسكينا الذي أمره النبي - عليه السلام - بإطعامهم مدا لكل مسكين .

قلت : هذا قول مالك والشافعي وأحمد ، وقول أبي حنيفة والثوري : لا يجزئ أقل من نصف صاع ، ولا يتم استدلالهم بهذا ; لأنه جاء في رواية أبي داود فأتي بعرق فيه عشرون صاعا ، فلا يستقيم التقسيم حينئذ ، وجاء في رواية مسلم : "عرقان " ، وهو يدل على صحة قول أصحابنا ; لأن العرق إذا كان خمسة عشر صاعا يكون العرقان ثلاثين صاعا ، وثلاثون صاعا على ستين مسكينا يكون لكل مسكين نصف صاع .

الثالث : قول المجامع امرأته : "احترقت " ، وفي قوله في الحديث الآخر : "هلكت " ، استدل به الجمهور على أن ذلك في العامد لجماعه دون الناسي ، وهو

[ ص: 304 ] مشهور قول مالك وأصحابه ، وذهب أحمد بن حنبل وبعض أهل الظاهر وعبد الملك بن الماجشون وابن حبيب وأصحابنا ، وروي عن عطاء ومالك إلى إيجابها على الناسي والعامد في الجماع ، وحجتهم ترك استفسار النبي - عليه السلام - له ، وأن قوله : "وقعت على امرأتي " ظاهره عموم الوقوع في العمد والجهالة والنسيان ، إلا أن مالكا والليث والأوزاعي وعطاء يلزمونه القضاء ، وغيرهم لا يلزمه .

قلت : التكفير شرع لتمحيص الذنوب ، والناسي غير مذنب ولا آثم فلا يلزمه الكفارة ، ولأن صومه لا يفسد فلا يجب شيء .

الرابع : استدل به الجمهور على وجوب الكفارة على المجامع في نهار رمضان عامدا ، وإن كانوا اختلفوا في كيفية الكفارة ، وقد قال بعضهم : لا كفارة على المجامع أصلا وإن تعمد ، واغتروا في ذلك بقوله - عليه السلام - لما أمره أن يتصدق بالعرق من التمر وشكى الفاقة : "اذهب فأطعمه أهلك " فدل ذلك عندهم على سقوط الكفارة ، ويروى ذلك عن ابن سيرين والنخعي والشعبي وسعيد بن جبير .

والجواب عن ذلك : أن الحديث ليس فيه ما يدل على إسقاط الكفارة جملة ، وأنه محمول على أنه أباح له تأخيرها لوقت يسره لا على أنه أسقطها عنه ، فافهم .

الخامس : استدل به الشافعي وداود وأهل الظاهر على مذهبهم في أنه لا يلزم في الجماع على الرجل والمرأة إلا كفارة واحدة ; إذ لم يذكر له النبي - عليه السلام - حكم المرأة ، وهو موضع البيان ، والأوزاعي وافقهم إلا إذا كفر بالصيام فعليهما جميعا .

وقال أبو حنيفة ومالك وأبو ثور : تجب الكفارة على المرأة أيضا إن طاوعته ، قال القاضي : وسوى الأوزاعي بين المكرهة والطائعة على مذهبه ، وقال مالك في مشهور مذهبه في المكرهة : يكفر عنها بغير الصوم . وقال سحنون : لا شيء عليها ولا عليه لها ، وبهذا قال أبو ثور وابن المنذر ، ولم يختلف مذهبنا في قضاء المكرهة والنائمة إلا ما ذكر ابن القصار عن القاضي إسماعيل عن مالك : أنه لا غسل على الموطوءة نائمة ولا مكرهة ولا شيء عليها إلا أن تلتذ .

[ ص: 305 ] قال ابن القصار : فتبين من هذا أنها غير مفطرة ، وقال القاضي : وظاهره أنه لا قضاء على المكرهة إلا أن تلتذ ولا على النائمة ; لأنها كالمحتلمة ، وهو قول أبي ثور في النائمة والمكرهة .

واختلف في وجوب الكفارة على المكره على الوطء لغيره على هذا .

وحكى ابن القصار عن أبي حنيفة : أنه لا يلزم المكره عن نفسه ولا على من أكره .

وقال صاحب "البدائع " : وأما على المرأة فيجب عليها أيضا الكفارة إذا كانت مطاوعة .

وللشافعي قولان :

في قول : لا تجب عليها أصلا .

وفي قول : تجب عليها ويتحملها الزوج ، انتهى .

وأما الجواب عن قولهم : إن النبي - عليه السلام - لم يذكر حكم المرأة وهو موضع البيان . أن المرأة لعلها كانت مكرهة أو ناسية لصومها ، أو من يباح لها الفطر ذلك اليوم لعذر المرض أو السفر أو الطهر من الحيض ، فافهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية