صفحة جزء
4145 4146 4147 ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، قال: حدثني إبراهيم بن عقبة ، عن كريب ، عن ابن عباس: " أن امرأة سألت النبي -عليه السلام- عن صبي، هل لهذا من حج؟ قال: نعم ولك أجر". .

حدثنا يونس ، قال: أنا ابن وهب ، أن مالكا حدثه، عن إبراهيم ، عن عقبة ... فذكر بإسناده مثله.

حدثنا محمد بن خزيمة ، قال: ثنا حجاج ، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجشون ، عن إبراهيم بن عقبة ، فذكر بإسناده مثله.


ش: هذه ثلاث طرق صحاح:

الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح، وسفيان هو ابن عيينة .

وأخرجه مسلم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن أبي عمر جميعا، عن ابن عيينة، قال أبو بكر: ثنا سفيان بن عيينة ، عن إبراهيم بن عقبة ، عن كريب ، عن ابن عباس ، عن النبي -عليه السلام-: "لقي ركبا بالروحاء، فقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ قال رسول الله، فرفعت إليه امرأة صبيا فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر".

وأخرجه أبو داود: ثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا سفيان بن عيينة ، عن إبراهيم بن عقبة ، عن كريب ، عن ابن عباس قال: "كان النبي -عليه السلام- بالروحاء، فلقي ركبا فسلم عليهم، فقال: من القوم؟ [فقالوا]،: المسلمون، فقالوا: فمن

[ ص: 240 ] أنتم؟ قالوا: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ففزعت امرأة فأخذت بعضد صبي فأخرجته من محفتها، فقالت: يا رسول الله، هل لهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر".


الثاني: أيضا رجاله كلهم رجال الصحيح.

وأخرجه النسائي: أنا أحمد، قال: أنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، عن ابن وهب، قال: أخبرني مالك ، عن إبراهيم بن عقبة ، عن كريب ، عن ابن عباس "أن رسول الله -عليه السلام- مر بامرأة وهي في خدرها معها صبي، فقالت: ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر".

وأخرجه مالك في "موطئه": عن إبراهيم بن عقبة ، عن كريب مولى ابن عباس: "أن رسول الله -عليه السلام- مر بامرأة وهي في محفتها، فقيل لها: هذا رسول الله، فأخذت بضبعي صبي كان معها، فقالت: ألهذا حج يا رسول الله؟ قال: نعم، ولك أجر".

وهذا مرسل.

وأخرجه مسلم أيضا نحوه مرسلا: حدثني محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان ، عن إبراهيم بن عقبة ، عن كريب: "أن امرأة رفعت صبيا فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم. ولك أجر".

وقال أبو عمر: روى هذا الحديث يحيى وسحنون وآخرون، عن كريب ، عن النبي -عليه السلام- مرسلا، ورواه ابن وهب وأبو مصعب والشافعي وغيرهم، عن كريب ، عن ابن عباس موصولا، وهو حديث مسند صحيح أسنده ثقات، ولا يضره تقصير من قصر به، والاختلاف فيه على مالك والثوري، ومن وصله فهو أولى؛ لأن الذين وصلوه وأسندوه ثقات.

[ ص: 241 ] الثالث: عن محمد بن خزيمة ، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري ، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون ، عن إبراهيم بن عقبة ، عن كريب عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.

وأخرجه البيهقي في "سننه": من حديث إبراهيم بن عقبة ، عن كريب ، عن ابن عباس: "أن النبي -عليه السلام- قفل، فلما كان بالروحاء لقي ركبا فسلم عليهم وقال: من القوم؟ قالوا: المسلمون، فمن القوم؟ فقال رسول الله -عليه السلام-: رسول الله، ففزعت امرأة صبيا لها من محفة، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر".

ثم قال البيهقي: وكذلك رواه عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن إبراهيم .

قلت: هذا الحديث روي عن جابر بن عبد الله أيضا.

أخرجه ابن ماجه: ثنا علي بن محمد ومحمد بن طريف، قالا: نا أبو معاوية، حدثني محمد بن سوقة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله قال: "رفعت امرأة صبيا لها إلى النبي -عليه السلام- في حجته، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر".

قوله: "هل لهذا من حج؟ " أي هل يجوز حج هذا أم لا؟ فقال -عليه السلام-: نعم يعني يجوز حجه، ويحصل لك أجر حيث تحججينه.

قوله: "فلقي ركبا بالروحاء"، الركب جمع راكب، قال يعقوب: هو العشرة فما فوقها من الإبل، والمركبة أقل من الركب، والركاب، الإبل.

والروحاء من عمل الفرع على نحو من أربعين ميلا من المدينة، وفي "مسلم": على ستة وثلاثين، وفي "كتاب ابن أبي شيبة": ثلاثين.

[ ص: 242 ] قوله: "ففزعت امرأة" بالزاي المعجمة والعين المهملة يعني فأهبت وقامت. أخذ من فزع النائم إذا انتبه من نومه وتحول من مكانه.

ويقال: بالراء والغين المعجمة، ومعناه: اهتمت، والأول أكثر، وهذا كما في حديث عائشة في فضل عثمان -رضي الله عنه-: "ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟ فقال: عثمان رجل حيي".

قوله: "من محفتها" المحفة بكسر الميم، مركب من مراكب النساء كالهودج إلا أنها تقبب كما تقبب الهوادج، وقيل: المحفة التي لا غطاء لها.

قوله: "وهي في خدرها" أي سترها، والمعنى هي في سترها، وسترها هي هودجها أو محفتها.

وقال أبو عمر: الخدر أيضا الهودج، وهو من مراكب النساء.

قلت: هو بكسر الخاء.

ويستفاد منه أحكام:

الأول: فيه جواز الحج بالصبيان الصغار وعليه جماعة فقهاء الأمصار من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر، وكلهم يستحب الحج بالصبيان ويأمر به ويستحبونه، وقال أبو عمرو: على هذا جمهور العلماء في كل قرن.

وقالت طائفة: لا يحج بالصبيان، وهو قول لا يشتغل به ولا يعرج عليه؛ لأن رسول الله -عليه السلام- حج بأغيلمة بني عبد المطلب، وحج السلف بصبيانهم، وروي عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أنه طاف بعبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- في خرقة، وقال النبي -عليه السلام- في الصبي: له حج، وللذي يحججه أجر، يعني لمؤنته وقيامه به، فسقط كل ما خالف هذا.

وقال مالك: يحج بالصبي ويرمى عنه، ويجتنب ما يجتنبه الكبير من الطيب وغيره، فإن قوي على الطواف والسعي ورمي الجمار وإلا طيف به محمولا.

[ ص: 243 ] وقال مالك: ما أصابه الصبي من صيد أو لباس أو طيب فدي عنه، وبذلك قال الشافعي .

واختلف قول مالك وأصحابه في جزاء ما يقتله الصبي؛ فقال بعضهم: هو كجنايته يكون من ماله، وقال بعضهم هو من مال الوالي، وهو الأشهر عن مالك، وقال أبو حنيفة: لا جزاء عليه ولا فدية كما إذا أفسد الحج لم يكن عليه قضاؤه، وكذلك ما أصابه من صيد أو غيره لم يكن عليه فيه جزاء ولا فدية.

وقال ابن القاسم: عن مالك: الصغير الذي لا يتكلم إذا جرد ينوى بتجريده الإحرام، قال ابن القاسم: يغنيه تجريده عن التلبية عنه، فإن كان يتكلم لبى عن نفسه، فأما المراضيع ونحوهم فلا يجردون للإحرام، وإنما يجرد غيرهم من المتحركين بأنفسهم، ويجردون من الميقات ولا بأس أن يؤخر إحرام الصبي عن الميقات.

وقال أبو القاسم: قال مالك: لا يطوف به أحد ما لم يطف طواف الواجب؛ لأنه يدخل طوافين في طواف.

وقال ابن وهب ، عن مالك: أرى أن يطوف عن نفسه، ثم يطوف بالصبي، ولا يركع عنه، ولا شيء على الصبي في ركعتيه.

الثاني: فيه دلالة على أن أحد الأبوين إذا حج بولده الصغير يحصل له أجر ذلك؛ لقيامه بمؤنته في ذلك، ومباشرته معه مناسك الحج.

الثالث: فيه دلالة على أن من أرشد صغيرا إلى مباشرة نوع من أنواع البر والخير يثاب على ذلك ويؤجر عليه.

الرابع: فيه إشارة إلى أن الصبي يثاب على الطاعة؛ لأنه إذا كان له حج، يكون له ثواب، قال عياض: قال كثير من العلماء: إن الصبي يثاب على طاعته، وتكتب له حسناته دون سيئاته، روي ذلك عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

الخامس: هل حج الصبي يجزئ عن حجة الإسلام أم لا؟ يأتي الآن.

التالي السابق


الخدمات العلمية