صفحة جزء
10 ص: حدثنا بذلك أبو بكرة، قال: ثنا عمر بن يونس اليمامي ( من اليمامة ) قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، قال: حدثني أنس بن مالك، قال: "بينما نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلوسا إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مه مه! فقال رسول الله - عليه السلام - "دعوه". فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله - عليه السلام - دعاه (فقال) : "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والعذرة، ، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن- قال عكرمة : : أو كما قال رسول الله - عليه السلام - فأمر رجلا (فجاء) بدلو من ماء فسنه عليه" .


ش: أي حدثنا بحديث الأعرابي المذكور أبو بكرة بكار القاضي

وعمر بن يونس بن القاسم الحنفي أبو حفص اليمامي ، روى له الجماعة.

وعكرمة بن عمار العجلي اليمامي ، روى له الجماعة; البخاري مستشهدا.

وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري المدني ، روى له الجماعة.

[ ص: 83 ] وأخرجه البخاري وقال: ثنا خالد بن مخلد ، ثنا سليمان ، عن يحيى بن سعيد [قال] : سمعت أنس بن مالك قال: "جاء أعرابي فبال في طائفة من المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي - عليه السلام - فلما قضى بوله، أمر النبي - عليه السلام - بذنوب من ماء فأهريق عليه" .

ومسلم ، وقال: حدثني زهير بن حرب ، قال: ثنا عمر بن يونس الحنفي ، قال: ثنا عكرمة بن عمار ، قال: ثنا إسحاق بن أبي طلحة ، قال حدثني أنس بن مالك -وهو عم إسحاق - قال: "بينما نحن في المسجد مع رسول الله - عليه السلام - إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله - عليه السلام -: مه مه قال: قال رسول الله - عليه السلام -: لا تزرموه ودعوه [فتركوه] حتى بال، ثم إن رسول الله - عليه السلام - دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر ، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن- أو كما قال رسول الله - عليه السلام - قال: فأمر رجلا من القوم فجاء [بدلو من ماء فشنه] عليه" .

والنسائي ، وقال: أنا قتيبة ، قال: ثنا حماد ، عن ثابت ، عن أنس : "أن أعرابيا بال في المسجد، فقام إليه بعض القوم، فقال النبي - عليه السلام -: دعوه، لا تزرموه، فلما فرغ، دعا [بدلو من ماء فصبه] عليه" .

وابن ماجه ، وقال: ثنا أحمد بن عبدة ، أنا حماد بن زيد ، ثنا ثابت ، عن أنس : [ ص: 84 ] "أن أعرابيا بال في المسجد، فوثب إليه بعض القوم، فقال رسول الله - عليه السلام -: لا تزرموه، ثم دعا بدلو من ماء فصب عليه" .

قوله: "بينما نحن" اعلم أن "بين" تشبع فتحة نونه فتصير ألفا فيقال: "بينا" وتارة تدخل عليه "ما" نحو "بينما" وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ويضافان إلى جملة. وقوله: "نحن" مبتدأ و"مع رسول الله" خبره و"بينما" أضيف إلى هذه الجملة، والمعنى بينما أوقات كوننا مع رسول الله - عليه السلام - جاء أعرابي.

قوله: "جلوسا" نصب على الحال، جمع جالس كالركوع جمع راكع.

قوله: "إذ جاء" إذ هذه للمفاجأة -نص عليه سيبويه - وهو جواب "بينما".

قوله: "مه" كلمة بنيت على السكون وهو اسم سمي به الفعل ومعناه اكفف لأنه زجر، فإن وصلت نونت، فقلت: مه مه، و"مه" الثاني تأكيد كما تقول: "صه صه".

قوله: "فسنه" بالسين المهملة ويروى بالمعجمة، ومعنى السن -بالمهملة- الصب المتصل، ومعنى الشن -بالمعجمة- الصب المنقطع، قاله ابن الأثير .

قوله: "في طائفة من المسجد" أي قطعة منه.

قوله: "فأهريق" أي أريق، والهاء زائدة.

قوله: "لا تزرموه" بتقديم الزاي على الراء المهملة يعني: لا تقطعوا عليه بوله، يقال: زرم الدمع والدم انقطعا، وأزرمته أنا.

واستنبط منه أحكام:

الأول: استدل به الشافعي على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة تطهر بصب الماء عليها ، وقال النووي : ولا يشترط حفرها.

وقال الرافعي : إذا أصاب الأرض نجاسة يصب عليها من الماء ما يغمرها ويستهلك فيه النجاسة، طهرت بعد نضوب الماء، وقبله فيه وجهان: إن قلنا: إن [ ص: 85 ] الغسالة طاهرة والعصر لا يجب فنعم، وإن قلنا: إنها نجسة والعصر واجب فلا، وعلى هذا فلا يتوقف الحكم بالطهارة على الجفاف بل يكفي أن يغاص الماء كالثوب المعصر، ولا يشترط فيه الجفاف والنضوب كالعصر، وفيه وجه أن يكون الماء المصبوب سبعة أضعاف البول، ووجه آخر يجب أن يصب على بول الواحد ذنوب وعلى بول الاثنين ذنوبان، وعلى هذا أبدا. انتهى.

وقال أصحابنا: إذا أصابت الأرض نجاسة رطبة، فإن كانت الأرض رخوة صب عليها الماء حتى يتسفل فيها، فإذا لم يبق على وجهها شيء من النجاسة وتسفل الماء يحكم بطهارتها، ولا يعتبر فيه العدد، وإنما هو على اجتهاده وما في غالب ظنه أنها طهرت، ويقوم التسفل في الأرض مقام العصر فيما يحتمل العصر، وعلى قياس ظاهر الرواية: يصب الماء عليها ثلاث مرات ويتسفل في كل مرة. وإن كانت الأرض صلبة، فإن كانت صعودا يحفر في أسفلها حفيرة ويصب الماء عليها ثلاث مرات، ويتسفل إلى الحفيرة، ثم تكبس الحفيرة، وإن كانت مستوية بحيث لا يزول عنها الماء لا يغسل لعدم الفائدة في الغسل بل تحفر، وعن أبي حنيفة : لا تطهر الأرض حتى تحفر إلى الموضع الذي وصلت إليه النداوة وينقل التراب.

ودليلنا على الحفر ما رواه الدارقطني وقال: ثنا عبد الوهاب بن عيسى بن أبي حية ، ثنا أبو هشام الرفاعي محمد بن يزيد ، ثنا أبو بكر بن عياش ، ثنا سمعان بن مالك ، عن أبي وائل ، عن عبد الله قال: "جاء أعرابي فبال في المسجد فأمر رسول الله - عليه السلام - بمكانه فاحتفر فصب عليه دلو من ماء فقال الأعرابي: يا رسول الله، المرء يحب القوم ولا يعمل بعملهم. فقال رسول الله -عليه السلام-: المرء مع من أحب" .

ورواه أبو يعلى أيضا .

[ ص: 86 ] وما رواه عبد الرزاق في "مصنفه": عن ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس قال: "بال أعرابي في المسجد فأرادوا أن يضربوه، فقال النبي - عليه السلام -: احفروا مكانه واطرحوا عليه دلوا من ماء، علموا ويسروا ولا تعسروا" .

والقياس أيضا يقتضي هذا الحكم لأن الغسالة نجسة فلا تطهر الأرض ما لم تحفر وينقل التراب.

فإن قيل: قد استدللتم بالأثرين: الأول مرفوع ضعيف; لأن سمعان بن مالك ليس بالقوي، وقال ابن خراش : "مجهول". والثاني مرسل وتركتم الحديث الصحيح!

قلت: لا نسلم ذلك؛ فإنا قد عملنا بالكل، فعملنا بالصحيح فيما إذا كانت الأرض صلبة، وعملنا بالضعيف على زعمكم فيما إذا كانت الأرض رخوة، والعمل بالكل أولى من العمل بالبعض والإهمال للبعض.

فإن قلت: كيف تحملون الأرض فيه على الصلبة وقد ورد الأمر بالحفر فدل على أنها كانت رخوة؟!

قلت: محتمل أن تكون قضيتين، في الأولى كانت الأرض صلبة، وفي الأخرى كانت رخوة.

الثاني: استدل به بعض الشافعية على أن الماء متعين في إزالة النجاسة ومنعوا غيره من المائعات المزيلة، وهذا استدلال فاسد; لأن ذكر الماء ها هنا لا يدل على نفي غيره; لأن الواجب هو الإزالة، والماء مزيل بطبعه، فيقاس عليه كل ما كان مزيلا; لوجود الجامع، على أن هذا الاستدلال يشبه مفهوم مخالفة وهو ليس بحجة.

الثالث: استدلت به جماعة من الشافعية وغيرهم أن غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة، وذلك لأن الماء المصبوب لا بد أن يتدافع عند وقوعه على الأرض ويصل إلى محل لم يصبه البول مما يجاوره، فلولا أن الغسالة طاهرة لكان الصب ناشرا [ ص: 87 ] للنجاسة وذلك خلاف مقصود التطهير، وسواء أكانت النجاسة على الأرض أم غيرها، لكن الحنابلة فرقوا بين الأرض وغيرها، ويقال: إنه رواية واحدة عند الشافعية إن كانت الأرض، وإن كان غيرها فوجهان.

قلت: روي عن أبي حنيفة أنها بعد صب الماء عليها لا تطهر حتى تدلك وتشعر بصوف أوخرقة، وفعل ذلك ثلاث مرات، وإن لم يفعل ذلك لكن صب عليها ماء كثيرا حتى عرف أنه أزال النجاسة ولم يوجد فيه لون ولا ريح، ثم ترك حتى نشفت كانت طاهرة.

الرابع: استدل به بعض الشافعية أن العصر في الثوب المغسول من النجاسة لا يجب، وهذا استدلال فاسد وقياس بالفارق; لأن الثوب ينعصر بالعصر بخلاف الأرض.

الخامس: استدل به البعض أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فجفت بالشمس أو بالهواء لا تطهر، وهو محكي عن أبي قلابة أيضا، وهذا أيضا فاسد; لأن ذكر الماء في الحديث لوجوب المبادرة إلى تطهير المسجد، وتركه إلى الجفاف تأخير لهذا الواجب، وإذا تردد الحال بين الأمرين لا يكون دليلا على أحدهما بعينه.

السادس: فيه دليل على وجوب صيانة المساجد وتنزيهها عن الأقذار والنجاسات ، ألا ترى إلى قوله: - عليه السلام -: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والعذرة" .

السابع: فيه دليل على أن المساجد لا يجوز فيها إلا ذكر الله والصلاة وقراءة القرآن ، فقوله: "وإنما هي لذكر الله" من قصر الموصوف على الصفة، ولفظ الذكر عام يتناول قراءة القرآن وقراءة العلم ووعظ الناس، والصلاة أيضا عام يتناول المكتوبة والنافلة، ولكن النافلة في المنزل أفضل، ثم غير هذه الأشياء ككلام الدنيا والضحك واللبث فيه بغير نية الاعتكاف مشتغلا بأمر من أمور الدنيا ينبغي ألا يباح، وهو قول بعض الشافعية ، والصحيح أن الجلوس فيه لعبادة أو قراءة علم أو درس أو سماع موعظة أو [ ص: 88 ] انتظار صلاة أو نحو ذلك مستحب، ويثاب على ذلك، وإن لم يكن لشيء من ذلك كان مباحا وتركه أولى، وأما النوم فيه فقد نص الشافعي في الأم أنه يجوز، وقال ابن المنذر : رخص في النوم في المسجد ابن المسيب والحسن وعطاء والشافعي . وقال ابن عباس : لا تتخذوه مرقدا . وروي عنه أنه قال: إن كان ينام فيه لصلاة فلا بأس به . وقال الأوزاعي : يكره النوم في المسجد. وقال مالك : لا بأس بذلك للغرباء ولا أرى ذلك للحاضر. وقال أحمد : إن كان مسافرا أو شبهه فلا بأس وإن اتخذه مقيلا ومبيتا فلا. وهو قول إسحاق ، وقال اليعمري : وحجة من أجازه: نوم علي بن أبي طالب وابن عمر وأهل الصفة ، والمرأة صاحبة الوشاح، والعرنيين، وثمامة بن أثال ، وصفوان بن أمية ، وهي أخبار صحاح مشهورة. وأما الوضوء فيه فقال ابن المنذر : أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد إلا أن يتوضأ في مكان يبله ويتأذى الناس به فإنه مكروه. وقال ابن بطال : هذا منقول عن ابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس والنخعي وابن القاسم صاحب مالك ، وذكر عن ابن سيرين وسحنون أنهما كرهاه؛ تنزيها للمسجد.

وروى عبد الرزاق في "مصنفه": عن ابن جريج قال: "قال إنسان لعطاء : يخرج إنسان فيبول ثم يأتي زمزم فيتوضأ؟ قال: لا بأس بذلك فليدخل إن شاء فليتوضأ في زمزم ، الدين سمح سهل. قال له إنسان: إني أرى أناسا يتوضئون في المسجد. قال: أجل، ليس بذاك بأس.

قلت: فتوضأ أنت فيه؟ قال: نعم. قلت: تتمضمض وتستنشق؟ قال: نعم، وأسبغ وضوئي في مسجد مكة .

وروى عبد الرزاق أيضا، عن الثوري ، قال: أخبرني أبو هارون العبدي : "أنه رأى ابن عمر - رضي الله عنهما - يتوضأ في المسجد" .

[ ص: 89 ] وقال بعض أصحابنا: إن كان فيه موضع معد للوضوء فلا بأس وإلا فلا.

وفي "شرح الترمذي " لليعمري : إذا افتصد في المسجد فإن كان في غير إناء فحرام وإن كان في إناء فمكروه، وإن بال في المسجد في إناء فوجهان أصحهما أنه حرام، والثاني أنه مكروه، ويجوز الاستلقاء في المسجد ومد الرجل وتشبيك الأصابع للأحاديث الثابتة في ذلك.

الثامن: فيه مبادرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

التاسع: فيه مبادرة الصحابة إلى الإنكار بحضرة النبي - عليه السلام - من غير مراجعة له.

فإن قلت: أليس هذا من باب التقدم بين يدي الله ورسوله؟

قلت: لا; لأن ذلك تقرر عندهم في الشرع من مقتضى الإنكار فأمر الشارع متقدم على ما وقع منهم في ذلك، وإن لم يكن في هذه الواقعة الخاصة إذن فدل على أنه لا يشترط الإذن الخاص ويكتفى بالعام.

العاشر: فيه دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما فإن البول فيه مفسدة، وقطعه على البائل مفسدة أعظم منها، فدفع أعظمهما أيسر المفسدتين، وتنزيه المسجد عنه مصلحة وترك البائل إلى الفراغ مصلحة أعظم منها، فحصلت أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.

فإن قيل: ما الحكمة في نهيه - عليه السلام - إياهم عن الأعرابي حين أسرعوا إليه؟

قلت: مراعاة حق البائل؛ لئلا يلحقه الضرر، ومراعاة حق المسجد؛ لئلا ينتشر البول عند القطع.

الحادي عشر: فيه مراعاة التيسير على الجاهل والتألف للقلوب.

الثاني عشر: فيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع; لأن الأعرابي حين فرغ، أمر بصب الماء.

الثالث عشر: في رواية الترمذي : "أهريقوا عليه سجلا من ماء -أو دلوا من [ ص: 90 ] ماء" على ما نذكرها: اعتبار الأداء باللفظ; وإن كان الجمهور على عدم اشتراطه، وأن المعنى كاف، وتحمل "أو" ها هنا على الشك، ولا معنى فيه للتنويع، ولا للتخيير، ولا للعطف; فلو كان الراوي يرى جواز الرواية بالمعنى لاقتصر على أحدهما، فلما تردد في التفرقة بين الدلو والسجل -وهما بمعنى- علم أن ذلك التردد لموافقة اللفظ. قاله الحافظ القشيري .

ولقائل أن يقول: إنما يتم هذا لو اتحد المعنى في السجل والدلو لغة، لكنه غير متحد; فالسجل الدلو الضخمة المملوءة ولا يقال لها فارغة: "سجل" فافهم.

التالي السابق


الخدمات العلمية