صفحة جزء
5264 5265 ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا فهد ، قال: ثنا يحيى الحماني ، قال: ثنا حفص - يعني ابن غياث - عن الحجاج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده: " أن رسول الله -عليه السلام- رد زينب على أبي العاص". .

حدثنا فهد ، قال: ثنا يحيى ، قال: ثنا حفص ، عن داود ، عن الشعبي ، مثله.

قالوا: ففي حديث عبد الله بن عمرو هذا خلاف ما في حديث ابن عباس، وقد وافق عبد الله بن عمرو على ذلك عامر الشعبي ، مع علمه بمغازي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

قالوا: فهذا أولى مما قد خالفه لمعان سنبينها في هذا الباب إن شاء الله تعالى.


ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه يصرح أن المهاجرة المسلمة لا تحل لزوجها إذا خرج إلى دار الإسلام مسلما إلا بعقد جديد، فظهر من هذا أن اختلاف الدارين يوجب الفرقة.

فإن قيل: لا نسلم أن اختلاف الدارين يوجب الفرقة، ألا ترى أن المسلم إذا دخل دار الحرب بأمان لم يبطل نكاح امرأته، وكذلك لو دخل حربي إلينا بأمان لم تقع الفرقة بينه وبين امرأته، وكذلك لو أسلم الزوجان في دار الحرب ثم خرج أحدهما إلى دار الإسلام لم تقع الفرقة؟!

فعلمنا أنه لا تأثير لاختلاف الدارين في إيجاب الفرقة.

قلت: ليس معنى اختلاف الدارين ما ذهبت إليه، وإنما معناه أن يكون أحدهما من أهل الإسلام إما بالإسلام أو بالذمة، والآخر من أهل الحرب، فيكون حربيا كافرا، فأما إذا كانا مسلمين فهما من أهل دار واحدة وإن كان أحدهما مقيما في دار الحرب والآخر في دار الإسلام.

[ ص: 386 ] ثم إنه أخرج الحديث المذكور عن فهد بن سليمان ، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني ، عن حفص بن غياث ، عن الحجاج بن أرطاة ، عن عامر بن شعيب ، عن أبيه، عن جده.

وأخرجه الترمذي: ثنا أحمد بن منيع ، وهناد، قالا: ثنا أبو معاوية ، عن الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد".

وقال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال.

وقال البخاري: حديث ابن عباس أصح في هذا الباب من حديث عمرو بن شعيب .

وقال الدارقطني: حديث عمرو بن شعيب لا يثبت والصواب حديث ابن عباس.

قلت: ومع هذا فالعمل على حديث عمرو بن شعيب، وقال الترمذي عقيب إخراجه هذا الحديث: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، والآن يجيء وجه ترجيح حديث عمرو بن شعيب على حديث ابن عباس .

قوله: "قالوا: ففي حديث عبد الله بن عمرو هذا خلاف ما في حديث ابن عباس" أي قال الآخرون: في حديث عبد الله بن عمرو من الحكم ما يخالف حديث عبد الله بن عباس الذي احتج به أهل المقالة الأولى، وذلك لأن حديث عبد الله بن عمرو يخبر أنه ردها عليه بمهر جديد ونكاح جديد، فهذا يناقض - ظاهرا - ما في حديث ابن عباس، ولكن أجمعوا أن العمل على حديث عبد الله بن عمرو وتركوا حديث ابن عباس لمعان في ذلك، منها: أن في حديث عبد الله بن عمرو زيادة ليست في حديث ابن عباس، والعمل بها أولى.

[ ص: 387 ] وقال البيهقي: عارضت رواية عبد الله بن عمرو رواية ابن عباس، وفيها زيادة ليست في رواية ابن عباس، والمثبت أولى من النافي.

وقال أيضا: ومعلوم أن زينب لم تزل مسلمة وكان أبو العاص كافرا، ووجه ذلك أنه -صلى الله عليه وسلم- إنما زوجها منه قبل نزول قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ثم أسلم أبو العاص فردها عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاجتمعا في الإسلام والنكاح معا.

ومنها: أن حديث عبد الله بن عباس منسوخ؛ قال صاحب "التمهيد": حديث ابن عباس - وإن صح - فهو متروك منسوخ عند الجميع؛ لأنهم لا يجيزون رجوعه إليها بعد العدة، وإسلام زينب كان قبل أن ينزل كثير من الفرائض، وعن قتادة: كان قبل سورة براءة بقطع العهود بينهم وبين المشركين.

وقال الزهري: كان قبل أن تنزل الفرائض. وقال آخرون: قصة ابن العباس منسوخة بقوله تعالى: فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ويدل على أنها منسوخة: إجماع العلماء على أن أبا العاص كان كافرا، وأن المسلمة لا يحل أن تكون زوجة لكافر؛ قال الله تعالى: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا فلا يخلو إذا ردها عليه أن يكون كافرا أو مسلما، فإن كان كافرا فهذا ما لا شك فيه أنه كان قبل نزول الفرائض والأحكام؛ إذ القرآن والسنة والإجماع على تحريم فروج المسلمات على الكفار، وإن كان مسلما فلا يخلو أن تكون حاملا فتمادى حملها ولم تضعه حتى أسلم؛ فردها -عليه السلام- في عدتها، وهذا لم ينقل في خبر، أو تكون خرجت من العدة، فيكون أيضا منسوخا بالإجماع أنه لا سبيل له عليها بعد العدة، إلا ما ذكر النخعي وبعض أهل الظاهر، وكيف ما كان فخبر ابن عباس متروك لا

[ ص: 388 ] يعمل به عند الجميع، وحديث عبد الله بن عمرو في ردها بنكاح جديد تعضده الأصول.

ومنها: أن حديث ابن عباس إن صح فإنما هو إخبار عن كونها زوجة له بعدما أسلم، ولم يعلم حدوث عقد ثان، وفي حديث عبد الله بن عمرو الإخبار عن حدوث عقد ثان بعد إسلامه، فهو أولى، لأن الأول: إخبار عن ظاهر الحال، والثاني: إخبار عن معنى حادث قد علمه، وهذا مثل ما يقال في رواية ابن عباس: "أنه -صلى الله عليه وسلم- تزوج ميمونة وهو محرم"، وحديث يزيد بن الأصم "أنه تزوجها وهو حلال"، فقلنا: حديث ابن عباس أولى؛ لأنه أخبر عن حال حادثة وأخبر الآخر عن ظاهر الأمر الأول، فافهم.

قوله: "وقد وافق عبد الله بن عمرو عامر الشعبي..." إلى آخره، أي: وافق عبد الله الشعبي في أنه -عليه السلام- ردها بنكاح جديد.

أخرجه عن فهد بن سليمان ، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني ، عن حفص بن غياث ، عن داود بن أبي هند ، عن عامر الشعبي .

وهذا مرسل رجاله ثقات.

وقال في "الاستذكار": ردها بنكاح جديد، ثم قال: وكذا قال الشعبي مع علمه بالمغازي أنه لم يردها إليه إلا بنكاح جديد.

قال: ولا خلاف بين العلماء في الكافرة تسلم فيأبى زوجها الإسلام حتى تنقضي عدتها أنه لا سبيل له عليها إلا بنكاح جديد، وتبين بهذا أن قول ابن عباس: "ردها -عليه السلام- إليه على النكاح الأول" إن صح أراد على مثل الصداق الأول.

التالي السابق


الخدمات العلمية