صفحة جزء
279 280 ص: قال أبو جعفر : -رحمه الله-: فهكذا كانت عائشة تفعل بثوب النبي - عليه السلام - الذي كان يصلي فيه، تغسل المني عنه، وتفركه من ثوبه الذي كان لا يصلي فيه، وقد وافق ذلك ما روي عن أم حبيبة :

حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا إسحاق بن بكر بن مضر ، قال: حدثني أبي ، عن جعفر بن ربيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سويد بن قيس ، عن معاوية بن حديج ، عن معاوية بن أبي سفيان: " : أنه سأل أخته أم حبيبة . زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - هل كان النبي - عليه السلام - يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه؟ قالت: نعم، إذا لم يصبه أذى". .


[ ص: 450 ] ش: لما بين الفرق بين الغسل والفرك في المني الذي يصيب الثوب بما كانت تفعل عائشة - رضي الله عنها - في ثوب النبي - عليه السلام - حيث كان فركها في ثوبه الذي كان ينام [فيه] وغسلها في ثوبه الذي كان يصلي فيه، وأن ذلك يدل على نجاسة المني - أكد ذلك بما روي عن أم حبيبة بنت أبي سفيان صخر بن حرب ، أخت معاوية بن أبي سفيان ، إحدى زوجات النبي - عليه السلام - وذلك أن معاوية لما سألها هل كان النبي - عليه السلام - يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه؟ قالت أم حبيبة : نعم، إذا لم يصبه أذى، وأرادت به المني -على ما نذكره- فدل ذلك أن ما كان من الثوب الذي أصابه المني لم يكن يصلي فيه إلا بالغسل، وهذا يدل على نجاسة المني.

وإسناد الحديث المذكور صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا الربيع وسويد بن قيس ; فإنهما أيضا ثقتان، ومعاوية بن حديج -بضم الحاء وفتح الدال المهملتين- الخولاني المصري ، الأصح أن له صحبة، فهذا الحديث فيه ثلاثة من الصحابة رضي الله عنهم.

وأخرجه الثلاثة; فأبو داود عن عيسى بن حماد المصري ، عن الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ... إلى آخره نحوه، غير أن لفظه: "في الثوب الذي يجامعها فيه؟ فقالت: نعم; إذا لم ير فيه أذى" .

والنسائي : عن حماد بن عيسى أيضا إلى آخره، نحو رواية أبي داود ; غير أن في لفظه: "في الثوب (الذي) يجامع فيه".

وابن ماجه : عن محمد بن رمح ، عن الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ... إلى آخره نحو النسائي .

[ ص: 451 ] وأخرجه أحمد في "مسنده": عن محمد بن سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد ... إلى آخره، ولفظه: "قلت لأم حبيبة زوج النبي - عليه السلام -: كان رسول الله - عليه السلام - يصلي في الثوب الذي ينام معك فيه؟ قالت: نعم، ما لم ير فيه أذى" .

قوله: "يضاجعك فيه" أي يجامعك، وهكذا في رواية أبي داود مصرحا كما ذكرنا.

قوله: "أذى" يتناول سائر النجاسات كالمني والدم والبول والغائط ونحوها، ولكن المراد منه ها هنا المني بقرينة ذكر المضاجعة. فإن قلت: المراد منه الدم، ولهذا جاء مصرحا في بعض روايات أبي داود "إذا لم ير فيه دما".

قلت: قد قلت لك: إن لفظة الأذى عام; لأنه من أذاه يؤذيه أذية وأذى وإذاية، وهو إيصال شيء مكروه إلى غيره، ألا ترى إلى قوله - عليه السلام -: "أميطوا عنه الأذى" أراد به الشعر والنجاسة، وما يخرج على رأس الصبي حين يولد يحلق عنه يوم سابعه.

وقوله - عليه السلام -: "أدناها إماطة الأذى عن الطريق" وهو ما يؤذي فيها، كالشوك والحجر والنجاسة ونحوها، وقوله تعالى: قل هو أذى أراد به الدم; فحينئذ لا يرجح معنى خاص فيه إلا بقرينة كما في الآية، فإنه أريد به الدم، بقرينة قوله: عن المحيض فقال: قل هو أذى أي دم مستقذر يؤذي، وكما في الحديث فإنه أريد به المني بقرينة قوله: "يضاجعك" لأن ثوب المضاجعة قد يصيبه المني وهذا لا ينكر. فإن قلت: لم لا يتعين الدم ها هنا لاحتمال الحال ذلك؟

قلت: لا يتأتى ذلك ها هنا; لأن المضاجعة حالة الدم حرام، فكان ثوب المضاجعة بعيدا عن الدم، ولكن ليس ببعيد عن المني.

[ ص: 452 ] فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون دم الاستحاضة، فإن المضاجعة غير ممنوعة؟ قلت: الكلام في مضاجعة النبي - عليه السلام - وشأنه أجل من أن تكون مضاجعته نحو ذلك، ورواية أبي داود مسألة بذاتها مستقلة، فافهم; فإنه مما سنح به خاطري من الأنوار الإلهية، ولله الحمد.

التالي السابق


الخدمات العلمية