1. الرئيسية
  2. نخب الأفكار شرح معاني الآثار
  3. كتاب العتاق
  4. باب الأمة يطأها مولاها ، ثم يموت وقد جاءت بولد في حياته هل يكون ابنه وتكون له أم ولد أم لا ؟
صفحة جزء
4729 ص: وكان من الحجة لهم في الحديث الأول أن رسول الله -عليه السلام- إنما قال لعبد بن زمعة: هو لك يا عبد. ولم يقل: هو أخوك. فقد يجوز أن يكون أراد بقوله: "هو لك" أي: هو مملوك لك بحق ما لك عليه من اليد، ولم يحكم في نسبه بشيء، والدليل على ذلك أن رسول الله -عليه السلام- قد أمر سودة بنت زمعة [ ص: 133 ] بالحجاب منه، فلو كان النبي -عليه السلام- قد جعله ابن زمعة إذا لما حجب بنت زمعة منه; لأنه -عليه السلام- لم يكن يأمر بقطع الأرحام; بل كان يأمر بصلتها، ومن صلتها التزاور، فكيف يجوز أن يأمرها بالحجاب منه وقد جعله أخاها؟! هذا لا يجوز عليه، وكيف يجوز ذلك عليه وهو يأمر عائشة - رضي الله عنها - أن تأذن لعمها من الرضاعة عليها، ثم يحجب سودة ممن قد جعله أخا لها وابن أبيها؟!

لكن وجه ذلك عندنا -والله أعلم-: أنه لم يكن حكم فيه بشيء غير اليد التي جعله بها لعبد، ولسائر ورثة زمعة، دون سعد. .


ش: أي وكان من الحجة والبرهان لأهل المقالة الثانية في الحديث الأول -وهو حديث عائشة رضي الله عنها وأراد بها الجواب عنه- الذي احتجت به أهل المقالة الأولى لما ذهبوا إليه، وبيانه: هو قوله: "إنما قال لعبد بن زمعة ...." إلى آخره. وهو ظاهر.

وبه قيل: إن في قوله: "إنما قيل لعبد بن زمعة هو لك يا عبد ولم يقل: هو أخوك" نظر.

لأن أبا داود روى هذا الحديث: عن سعيد بن منصور ومسدد، قالا: ثنا سفيان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله -عليه السلام- في ابن أمة زمعة، فقال سعد: أوصاني أخي عتبة إذا قدمت مكة أن أنظر إلى ابن أمة زمعة فأقبضه، فإنه ابنه، وقال ابن زمعة: أخي، ابن أمة أبي، ولد على فراش أبي، فرأى رسول الله -عليه السلام- شبها بينا بعتبة، فقال: الولد للفراش، واحتجبي منه يا سودة".

وزاد مسدد في حديثه: "فقال: هو أخوك يا عبد".


والجواب عن ذلك عن الصحيح ما رواه سعيد بن منصور، والزيادة التي زادها مسدد ما نعلم أحدا تابعه عليها، نعم قد روي: "هو لك يا عبد" كما مر [ ص: 134 ] في الحديث في أول الباب، ولا يدل ذلك على أنه أثبت النسب; لأنه يجوز أن يضاف، فيقال: هو له، وقد قال عبد الله بن رواحة لليهود حين خرص عليهم تمر خيبر: "إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي" ولم يرد به الملك، والخصم ادعى أنه لم يرد إضافته إليه في الحقيقة على هذا الوجه; لأن قوله: "هو لك" إضافة نسبة على الحقيقة، فليس حمله على إثبات النسب بأولى من حمله على إثبات اليد، ولئن سلمنا أن ما زاده مسدد صحيح، ووافقه على ذلك غيره، ولكنه يراد به أخوك في الدين، وأنه ليس بعبد; لإقراره بأنه حر، ويحتمل أن يكون أصل الحديث: "هو لك" فظن الراوي أن معناه: أخوه في النسب، فحمله على المعنى عنده، والخبر الذي يرويه عبد الله بن الزبير صرح بأنه -عليه السلام- قال: "فإنه ليس لك بأخ" على ما نذكره عن قريب، وهذا صريح لا احتمال فيه، فوجب حمل خبر الزهري -الذي مضى ذكره- على المعنى الذي ذكرناه.

قوله: "فلو كان النبي -عليه السلام- قد جعله ابن زمعة ...." إلى آخره.

قيل: فيه نظر؛ لأن احتجاب الأخت عن أخيها ليس مبطلا لأخوته لها; لأنه ليس بفرض على المرأة رؤية أخيها لها، إنما الفرض عليها صلة رحمه، ولم يأمرها -عليه السلام- قط بأن لا تصله.

والجواب عن ذلك: أن هذا كلام صادر من غير ترو، وذلك أنا ما ادعينا أن احتجاب الأخت عن أخيها مبطل لأخوته لها، وإنما قلنا: إنه لو كان ابن زمعة لما كان -عليه السلام- أمر سودة بالاحتجاب عنه، فأمره إياها بذلك يدل على أنه ليس بأخ لها، وإلا لا يكون للنهي فائدة، وكلام النبي -عليه السلام- مصون من اللغو.

وقوله: "لأنه ليس بفرض على المرأة رؤية أخيها لها" كلام ساقط؛ لأنه ليس له دخل في المبحث; بل يمكن أن يدعى فرضية رؤية أحد الأخوين للآخر إذا وجد [ ص: 135 ] القصد إليها من أحدهما وامتنع الآخر أشد الامتناع; لأن في ذلك يكون قطعا محضا لصلة الرحم، وهو حرام، وترك الحرام فرض، وصلة الرحم وإن كانت تحصل بدون الرؤية، ولكن لا تقع على ما ينبغي إلا بالتزاور، والتزاور لا يكون إلا بالرؤية، فافهم.

التالي السابق


الخدمات العلمية