صفحة جزء
ص: قال أبو جعفر -رحمه الله-: اختلف الناس في القتيل الموجود في محلة قوم كيف القسامة الواجبة فيه، فقال قوم: يحلف المدعى عليهم بالله ما قتلنا، فإن أبوا أن يحلفوا استحلف المدعون واستحقوا ما ادعوا. واحتجوا في ذلك بحديث سهل بن أبي حثمة الذي ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب.


ش: أراد بالقوم هؤلاء: يحيى بن سعيد وأبا الزناد عبد الله بن ذكوان وربيعة ومالكا والشافعي وأحمد والليث بن سعد; فإنهم قالوا: يستحلف المدعون بالدم، فإذا حلفوا استحقوا ما ادعوا.

وقال أبو عمر: المدعون بالدم يبدءون بالأيمان في القسامة، وهذا في القسامة خاصة، وهو يخص قوله -عليه السلام-: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" وقد روي عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله -عليه السلام-: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة".

وقال البيهقي أيضا في "الخلافيات": إن حديث: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" مخصوص بما أخبرنا علي بن بشران، أنا علي بن محمد المصري، نا عبدة بن سليمان، نا مطرف بن عبد الله، ثنا الزنجي ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله -عليه السلام- قال: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة" .

قلت: هذا الحديث معلول من خمس وجوه:

الأول: أن الزنجي هو مسلم بن خالد، شيخ الشافعي، ضعيف. كذا قال [ ص: 383 ] البيهقي نفسه في "سننه": في باب من زعم أن التراويح بالجماعة أفضل. وقال ابن المديني: ليس بشيء. وقال أبو زرعة والبخاري: منكر الحديث.

الثاني: أن ابن جريج لم يسمع من عمرو. حكاه البيهقي أيضا في "سننه": في باب وجوب زكاة الفطر على أهل البادية. عن البخاري: أن ابن جريج لم يسمع من عمرو .

الثالث: أن الاحتجاج بعمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده مختلف فيه.

الرابع: أن الزنجي مع ضعفه خالفه عبد الرزاق وحجاج وقتادة، فرووه عن ابن جريج عن عمرو مرسلا.

كذا ذكره الدارقطني في "سننه" .

الخامس: أن الزنجي اختلف عليه، قال الذهبي: قال عثمان بن محمد الرازي، ثنا مسلم بن خالد الزنجي ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن أبي هريرة أن رسول الله -عليه السلام- قال: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر إلا في القسامة".

قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه بحديث سهل بن أبي حثمة المذكور في الباب السابق، وقال البيهقي: البداية في القسامة مع اللوث بأيمان المدعين، ثم احتج على ذلك بحديث سهل بن أبي حثمة الذي أخرجه مالك، المذكور في الباب السابق، وبحديث الليث عن يحيى بن سعيد عن سهل بن أبي حثمة الذي أخرجه مسلم، وبحديث سعيد بن عبيد الطائي ، عن بشير بن يسار الذي أخرجه الشيخان، وقد مر ذكره أيضا في الباب السابق.

ثم قال: أخرجه مسلم من حديث سعيد بن عبيد، ولم يسق متنه؛ لمخالفته [ ص: 384 ] رواية يحيى بن سعيد، وقال: قال مسلم: رواية سعيد غلط، ويحيى بن سعيد أحفظ منه.

ثم قال البيهقي: وإن صحت رواية سعيد فهي لا تخالف رواية يحيى؛ لأنه قد يريد بالبينة الأيمان مع اللوث، كما في رواية يحيى، ثم يردها على المدعى عليهم عند نكول المدعين.

قلت: لا وجه لتشكيك البيهقي بقوله: "وإن صحت رواية سعيد" مع نفيه، وإخراج البخاري حديثه هذا، وأخرجه مسلم أيضا ولم يشك في صحته، وإنما رجح يحيى على سعيد، وقد جاءت أحاديث تقوي رواية سعيد وتعضدها، منها:

ما رواه أبو داود بسند حسن عن رافع بن خديج قال: "أصبح رجل من الأنصار مقتولا بخيبر، فانطلق أولياؤه إلى النبي -عليه السلام- فذكروا ذلك له، فقال: ألكم شاهدان يشهدان على قاتل صاحبكم؟ فقالوا: يا رسول الله لم يكن به أحد من المسلمين، وإنما هم يهود وقد يجترئون على أعظم من هذا، قال: فاختار منهم خمسين، فاستحلفهم فأبوا، فوداه رسول الله -عليه السلام- من عنده".

ومنها: ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على ما يجيء عن قريب، وهذا هو الذي تشهد له الأصول من أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، فكان الوجه ترجيح هذه الأدلة على ما يعارضها، وتأويل البيهقي لرواية سعيد تعسف ومخالفة للظاهر، وحين قالوا: "ما لنا بينة" عقب -عليه السلام- ذلك بقوله: "فيحلفون لكم" فكيف يقول البيهقي: وقد يطالبهم بالبينة ثم يعرض عليهم الأيمان، ثم يردها على المدعى عليهم؟!

التالي السابق


الخدمات العلمية