صفحة جزء
20611 8975 - (21114) - (5\117 - 118) عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن نوفا الشامي يزعم أو يقول: ليس موسى صاحب خضر موسى بني إسرائيل، قال: كذب نوف عدو الله حدثني أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أن موسى قام في بني إسرائيل خطيبا، فقالوا له: من أعلم الناس؟ قال: أنا، فأوحى الله إليه أن لي عبدا أعلم منك، قال: رب فأرنيه. قال: قيل: تأخذ حوتا، فتجعله في مكتل، فحيثما فقدته، فهو ثم ". قال: "فأخذ حوتا، فجعله في مكتل، وجعل هو وصاحبه يمشيان على الساحل، حتى أتيا الصخرة. فرقد موسى، واضطرب الحوت في المكتل، فوقع في البحر، فحبس الله عليه جرية الماء فاضطرب الماء، فاستيقظ موسى، فقال لفتاه: آتنا غداءنا، لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ولم يصب النصب حتى جاوز الذي أمره الله به، قال: فقال: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان فارتدا على آثارهما قصصا فجعلا يقصان آثارهما، واتخذ سبيله في البحر سربا، قال: أمسك عنه جرية [ ص: 334 ] الماء، فصار عليه مثل الطاق، فكان للحوت سربا، وكان لموسى عجبا، حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى، عليه ثوب، فسلم موسى عليه، فقال: وأنى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا ، قال: يا مسى، إني على علم من الله لا تعلمه، وأنت على علم من الله علمكه الله. فانطلقا يمشيان على الساحل، فمرت سفينة، فعرفوا الخضر، فحمل بغير نول، فلم يعجبه، ونظر في السفينة، فأخذ القدوم يريد أن يكسر منها لوحا، فقال: حملنا بغير نول وتريد أن تخرقها لتغرق أهلها قال: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال: إني نسيت. وجاء عصفور فنقر في البحر، قال الخضر: ما ينقص علمي ولا علمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية، استطعما أهلها، فأبوا أن يضيفوهما، فرأى غلاما فأخذ رأسه، فانتزعه، فقال: أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا قال سفيان: قال عمرو: وهذه أشد من الأولى، قال: "فانطلقا فإذا جدار يريد أن ينقض فأقامه، وأرانا سفيان بيديه، فرفع يديه هكذا رفعا، فوضع راحتيه، فرفعهما ببطن كفيه رفعا، فقال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك " قال ابن عباس: كانت الأولى نسيانا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يرحم الله موسى، لو كان صبر حتى يقص علينا من أمره".


[ ص: 335 ] * قوله : "موسى بني إسرائيل": الإضافة لتنكير العلم أولا ، ثم الإضافة كأنه استبعد أن يكون موسى بني إسرائيل مع جلالة قدره يتلمذ لغيره.

* "كذب نوف عدو الله": نوف هذا هو نوف بن فضالة ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل: ابن أخيه، كنيته أبو يزيد، وكان عالما حكيما ، قاضيا وإماما لأهل دمشق، فلذا قال العلماء بقول ابن عباس: "عدو الله": جاء على وجه الإغلاظ والزجر عن مثل قوله، لا أنه اعتقد أنه عدو الله حقيقة، وذلك لأن قوله مخالف للحق، فأبطله أشد إبطال، وغضب لذلك أشد غضب، وحال الغضب تطلق ألفاظ لا يراد حقيقتها.

قلت: كأنه أغلظ؛ لما فيه من الميل إلى اليهودية، وإشاعة أقوالهم وعقائدهم، ولذلك قال: عدو الله.

* "قال: أنا": أي: في ظني، وأيضا قد كان أعلم الناس في علمه الذي كان عنده، فهو صادق كما سبق.

* "في مكتل": - بكسر الميم وفتح المثناة - وهو القفة.

* "جرية الماء": - بكسر الجيم - حتى صار كبناء عقد أعلاه، وبقي ما تحته خاليا ، وهو المراد بالطاق والسرب.

* "فاستيقظ موسى فقال لفتاه": أي: بعدما مشى من ذلك المحل؛ كما جاء به الرواية، وهو الموافق لما بعده، وأن ظاهر اللفظ خلاف ذلك.

* "نصبا": - بفتحتين - : التعب.

* "أوينا": انضممنا.

* "مسجى": - بتشديد الجيم - أي: مغطى.

* "عليه ثوب": مبتدأ وخبره.

[ ص: 336 ]

* "وأنى بأرضك السلام السلام؟": أي: كيف تحقق السلام في هذه الأرض، وهو غير معهود فيها؟!

* "قال: أنا موسى": قيل: هو من أسلوب الحكيم؛ للتنبيه على أن اللائق السؤال عن المسلم، لا عن كيفية تحقق السلام في تلك الأرض.

* "إني على علم. . . إلخ": أي: كل مخصوص بعلمه، فلا تطلب المشاركة في الخاصة.

* "فحمل": - على بناء المفعول - أي: الخضر أصالة، ومن معه تبعا .

* "بغير نول" - بفتح النون - أي: بلا أجرة.

* "فلم يعجبه" أي: موسى؛ كأنه ثقل عليه ذلك؛ لفقر أصحاب السفينة، لا أنه ثقل عليه كونه ما عرف قدره.

* "ونظر": أي: موسى أو الخضر.

* "فأخذ": أي: الخضر.

* "القدوم": كرسول، والجمع قدم؛ كرسل: هي الآلة ينحت بها، مؤنثة، والتشديد عامي؛ وقيل: لغة.

* "فقال: حملنا": - على بناء المفعول أو الفاعل - أي: حملنا صاحب السفينة؛ أي: إنهم أحسنوا إلينا، وأنت تريد أن تقابل إحسانهم بإساءة لا يقتصر ضررها عليهم، بل يتعدى إلينا أيضا! قيل: ما ظهر هذا الفعل من الخضر لغير موسى، وإلا لما مكنه أهل السفينة من ذلك، وسيجيء أنه فعل بعد أن خرجوا من السفينة.

* "لتغرق": (اللام) للعاقبة؛ أي: للعلة، اعتبر ذلك علة لزيادة الإنكار.

[ ص: 337 ]

* "عصفور": - بضم العين - .

* "إلا كما ينقص": هو مثل في عدم النقص؛ بناء على أنه لا يظهر نقص بذلك، وهو المراد هاهنا، قاله تنبيها على أن اللائق بالعبد تفويض الجواب من مثل هذا السؤال - وهو من أعلم أهل الأرض - إلى علمه تعالى، لا التصدي للجواب بالتعيين كما فعله موسى.

* "زاكية": أي: طاهرة من الآثام، يدل على أنه لم يكن بالغا .

* "بغير نفس": أي: بلا قصاص، هذه المرة من الإنكار أشد من المرة الأولى؛ حيث صرح بأنه نكر؛ بخلاف الأول؛ فإنه قال: إمر؛ أي: عظيم، ويؤخذ منه الإنكار بحسب المقام، وذلك لأنه هاهنا باشر الإهلاك، وفي الأول تسبب له من غير علم بالوقوع، ثم ما وقع، وإن كان موسى ما يعلم أولا بعدم الوقوع.

* "يريد أن ينقض": أي: يقرب أن يسقط.

* لو شئت لاتخذت عليه أجرا : أي: لأنهم أساؤوا، فالإحسان إليهم في غير محله، سيما إذا أدى ذلك إلى تحمل الرفيق الجوع.

* "لو كان صبر": أي: لكان أولى، أو هو للتمني.

* "حتى يقص": أي: كي يقص؛ تعليل لقوله صلى الله عليه وسلم، لا للصبر.

* * *

التالي السابق


الخدمات العلمية