صفحة جزء
3036 - حدثنا الحسين بن الحكم الحبري ، قال : ثنا عاصم بن علي ، قال : ثنا إسماعيل بن جعفر ، قال : أخبرني ابن أبي عمرو ، عن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله .

قال أبو جعفر : فبين أبو هريرة رضي الله عنه في هذا الحديث ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أراد بقوله ( تصدقي ) في الصدقة ، التطوع التي تكفر الذنوب .

وفي حديثه قال : فجاءت بحلي لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، خذ هذا أتقرب به إلى الله عز وجل وإلى رسوله .

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : تصدقي به على عبد الله ، وعلى بنيه ، فإنهم له موضع فكان ذلك على الصدقة بكل الحلي ، وذلك من التطوع ، لا من الزكاة ؛ لأن الزكاة لا توجب الصدقة بكل المال ، وإنما توجب الصدقة بجزء منه .

فهذا أيضا دليل على فساد تأويل أبي يوسف رحمه الله ومن ذهب إلى قوله للحديث الأول .

فقد بطل بما ذكرنا ، أن يكون في حديث زينب ما يدل أن المرأة تعطي زوجها من زكاة مالها إذا كان فقيرا .

وإنما نلتمس حكم ذلك بعد من طريق النظر وشواهد الأصول ، فاعتبرنا ذلك ، فوجدنا المرأة - باتفاقهم - لا يعطيها زوجها من زكاة ماله ، وإن كانت فقيرة ، ولم تكن في ذلك كغيرها ، لأنا رأينا الأخت يعطيها أخوها من زكاته إذا كانت فقيرة ، وإن كان على أخيها أن ينفق عليها ، ولم تخرج بذلك من حكم من يعطى من الزكاة .

فثبت بذلك أن الذي يمنع الزوج من إعطاء زوجته من زكاة ماله ، ليس هو وجوب النفقة لها عليه ، ولكنه السبب الذي بينه وبينها ، فصار ذلك كالنسب الذي بينه وبين والديه في منع ذلك إياه من إعطائهما من الزكاة .

فلما ثبت بما ذكرنا أن سبب المرأة الذي منع زوجها أن يعطيها من زكاة ماله وإن كانت فقيرة ، هو كالسبب الذي بينه وبين والديه الذي يمنعه من إعطائهما من زكاته ، وإن كانا فقيرين ، ورأينا الوالدين لا يعطيانه أيضا من زكاتهما ، إذا كان فقيرا ، فكان الذي بينه وبين والديه من النسب يمنعه من إعطائهما من الزكاة ، ويمنعهما من إعطائه من الزكاة .

فكذلك السبب الذي بين الزوج والمرأة ، لما كان يمنعه من إعطائهما من الزكاة ، كان أيضا يمنعها من إعطائه من الزكاة .

[ ص: 26 ] وقد رأينا هذا السبب بين الزوج والمرأة يمنع من قبول شهادة كل واحد منهما لصاحبه ، فجعلا في ذلك كذوي الرحم المحرم ، الذي لا يجوز شهادة كل واحد منهما لصاحبه .

ورأينا أيضا كل واحد منهما ، لا يرجع فيما وهب لصاحبه ، في قول من يجيز الرجوع في الهبة فيما بين القريبين .

فلما كان الزوجان فيما ذكرنا ، قد جعلا كذوي الرحم المحرم فيما منع فيه من قبول الشهادة ، ومن الرجوع في الهبة ، كانا في النظر أيضا في إعطاء كل واحد منهما صاحبه من الزكاة كذلك .

فهذا هو النظر في هذا الباب ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية