صفحة جزء
باب النهي عن تمني الموت ) عن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتمنين أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه ، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله ، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا رواه مسلم .

ولهما من حديث أنس لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ، فإن كان لا بد متمنيا ، فليقل اللهم أحيني ما دامت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي .


(باب النهي عن تمني الموت) عن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتمنين أحدكم الموت ، ولا يدع به من قبل أن يأتيه ، إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله ، وإنه لا يزيد المؤمن [ ص: 253 ] عمره إلا خيرا رواه مسلم (فيه) فوائد (الأولى) رواه مسلم من هذا الوجه من رواية عبد الرزاق عن معمر عن همام ، وأخرجه البخاري ، والنسائي من رواية الزهري عن أبي عبيد رضي الله عنه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يتمنين أحدكم الموت إما محسنا فلعله أن يزداد ، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب ورواه النسائي أيضا من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة ، وقال أن حديث الزهري عن أبي عبيد مولى ابن أزهر أولى بالصواب .

(الثانية) فيه النهي عن تمني الموت وعن الدعاء به ، وهو محمول على الكراهة كما حكى والدي رحمه الله في شرح الترمذي الإجماع عليه ، وقال إن هذا هو الصارف عن حمل النهي على التحريم قلت لكن صرح أبو عمر بن عبد البر بالتحريم فقال المتمني للموت ليس بمحب للقاء الله بل هو عاص لله تعالى في تمنيه للموت إذا كان بالنهي عالما ثم قال والدي : وقد صح عن عمر رضي الله عنه الدعاء بالموت فيما رواه مالك في الموطإ أنه قال : اللهم قد ضعفت قوتي ، وكبرت سني ، وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ، ولا مقصر فما جاوز ذلك الشهر حتى قبض رحمه الله ، وقال وليس فيه أن ذلك لخوف فتنة قلت بل ظاهره أنه لخوف فتنة في الدين فإنه خائف لضعف قوته ، وانتشار رعيته ، وكثرتهم أن يقع تضييع منه لأمورهم ، وتقصير في القيام بحقوقهم فلما خشى هذه الفتنة دعا بالموت قال والدي رحمه الله .

وقد جاء تمني الموت عن جماعة من السلف خوفا من إظهار أحوالهم التي بينهم ، وبين الله تعالى لا يحبون اطلاع الخلق عليها قلت الظاهر أن ذلك لخوف الفتنة [ ص: 254 ] في الدين أيضا خشوا من ظهور أعمالهم وأحوالهم وخروجها من السر إلى العلانية تطرق المفسدات إليها من الرياء والإعجاب ، وكانوا في راحة بالاختفاء فطلبوا الموت خوفا من مفسدة الظهور فإن قلت دعا السيد يوسف الصديق بالموت في قوله توفني مسلما وألحقني بالصالحين قال قتادة لم يتمن الموت أحد إلا يوسف رضي الله عنه حين تكاملت عليه النعم ، وجمع له الشمل اشتاق إلى لقاء ربه قلت المختار في تفسير تلك الآية أن مراده توفني عند حضور أجلي مسلما ، وليس مراده استعجال الموت ، وبتقدير حملها على الدعاء بالموت فقد اختلف أهل الأصول في أن شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أم لا ، وبتقدير أن يكون شرعا لنا فشرطه أن لا يرد في شرعنا ما ينسخه ، وقد ورد في شرعنا نسخه في هذا الحديث فإن قلت فقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالموت حيث قال في آخر مرض موته اللهم اغفر لي ، وارحمني ، وألحقني بالرفيق الأعلى ، وقد أورده البخاري في صحيحه في باب تمني المريض الموت قلت ليس هذا دعاء بالموت ، وإنما هو رضى به عند مجيئه فإن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يقبضون عند انتهاء آجالهم حتى يخيروا إكراما لهم ، وتعظيما لشأنهم ، ولن يختاروا لأنفسهم إلا ما يختاره الله لهم فلما خير النبي صلى الله عليه وسلم عند انتهاء أجله اختار ما اختاره الله له ورضي بالموت وأحبه وطلبه بعد التخيير لا ابتداء ، وقد قال في الحديث ، ولا يدع به من قبل أن يأتيه ، وذلك يقتضي أنه لا كراهة في طلبه عند تحقق مجيئه لما في ذلك من إظهار الرضا بقضاء الله والاستبشار بما يرد من عنده ، ولكن الآحاد لا سبيل إلى تحقيق هذا ، وأن يخيروا على لسان ملك مشافهة صريحة ، وغاية ما يقع للواحد منهم منام أو خاطر صحيح لا يصل به إلى القطع به ، ولو استبشر عند ذلك بقلبه لما يرد عليه من أمر الله لكان حسنا ، والله أعلم .

فإن قلت إذا منعتم لأن يكون للآحاد طريق إلى تحقيق هذا ، وحسمتم الباب فيه فما معنى هذا التقييد في قوله من قبل أن يأتيه قلت فيه ، وجهان :

(أحدهما) أنه أشار بذلك إلى حالة نزول الموت ينبغي للعبد أن تكون حاله فيها حال المتمني للموت الداعي به راضيا به مطمئن القلب إلى ما ورد عليه من أمر الله تعالى غير جازع ، ولا قلق (ثانيهما) أنه أشار بقوله من قبل أن يأتيه ؟ إلى أن [ ص: 255 ] في الدعاء بالموت قبل حلوله نوع اعتراض ومراغمة للمقدور المحتوم فإن قلت ، وسائر الأدعية كذلك لأنها إما مقدرة فلا فائدة في سؤالها لوقوعها لا محالة أو غير مقدرة ففي سؤالها اعتراض ، ومراغمة للقدر ، وهذا يؤدي إلى سد باب الدعاء ، وهو باطل ، قلت : إما الدعاء بالمغفرة والرحمة ، والأمور الأخروية ففيه إظهار الافتقار والمسكنة والخضوع والتذلل والاحتياج .

وأما الدعاء بالأمور الدنيوية فلا احتياج للعبد إليها ، وظهور المصلحة فيها ، وقد تكون قدرت له إن دعا بها دون ما إذا لم يدع بها فالأسباب مقدرة كما أن المسببات مقدرة ، وأما الدعاء بالموت فلم يظهر فيه مصلحة لما فيه من طلب إزالة نعمة الحياة ، وما يترتب عليها من الفوائد كما سيأتي تقريره .

(الثالثة) أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى المعنى في النهي عن تمني الموت ، والدعاء به ، وهو انقطاع الأعمال بالموت ففي الحياة زيادة الأجور بزيادة الأعمال ، ولو لم يكن إلا استمرار الإيمان فأي عمل أعظم منه ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أفضل الأعمال إيمان بالله فبدأ به فإن قلت قد يسلب الإيمان بالله ، والعياذ بالله قلت إن سبق له في علم الله خاتمة السوء فلا بد من وقوع ذلك طال عمره أو قصر ، وإن سبقت له السعادة فزيادة عمره زيادة في حسناته ، ورفع في درجاته كثرت أو قلت .

وقد روى أحمد في مسنده من رواية علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة قال : جلسنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ، ورققنا فبكى سعد فأكثر البكاء فقال يا ليتني مت فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا سعد أعندي تتمنى الموت ؟ فردد ذلك ثلاث مرات ثم قال يا سعد إن كنت خلقت للجنة فما طال من عمرك أو حسن من عملك فهو خير لك .

فإن قلت فما معنى قوله ، وأنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا فقد يزيده شرا بالأعمال السيئة قلت إن حمل على المؤمن الكامل الإيمان فواضح فإن ذاك لا يصدر منه إلا خير ، وإن حمل على مطلق المؤمن بحيث يتناول المخلط فهو أيضا لا يزيده عمره إلا خيرا لكثرة المكفرات ، والمضاعفة للأعمال الصالحة فما دام معه أصل الأعمال فحسناته مقبولة مضاعفة ، وسيئاته محفوفة بالمكفرات بحيث لا يبقى منها إن شاء الله إلا اليسير يمحوه الكرم المحض ، والعفو العظيم فإن قلت قوله في الرواية الأخرى إما محسنا فلعله يزداد [ ص: 256 ] وإما مسيئا فلعله يستعتب يسأل عنه فيقال لم تنحصر القسمة في هذين الوصفين فلعله بكونه مسيئا يزداد إساءة فيكون زيادة العمر زيادة له في السيئات كما في الحديث الصحيح شر الناس من طال عمره ، وساء عمله .

أو لعله يكون محسنا فتنقلب حاله إلى الإساءة ، والعياذ بالله تعالى قلت ترجى النبي صلى الله عليه وسلم له زيادة الإحسان أو الانكفاف عن السوء فبتقدير أن يدوم على حاله فإذا كان معه أصل الإيمان فهو خير له بكل حال كما تقدم ، وعلى تقدير أن يخف إحسانه فذاك الإحسان الخفيف الذي دام عليه مضاعف له مع أصل الإيمان ، وإن زادت إساءته فالإساءة كثير منها يكفر ، وما لا يكفر يرجى العفو عنه كما تقدم فما دام معه الإيمان فالحياة خير له كما تقدم .

وقال والدي رحمه الله في شرح الترمذي هذا خرج مخرج الرجاء ، وحسن الظن بالله تعالى ، وأن المحسن يرجو من الله تعالى الزيادة في توفيقه للزيادة فيه ، وأن المسيء لا ينبغي له القنوط بل لا يقطع رجاؤه من الله كما قال تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله انتهى .

(الرابعة) أطلق في حديث أبي هريرة النهي عن تمني الموت ، وقيده في حديث أنس في الصحيحين بأن يكون له تمنيه لضر نزل به فقال لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ، ومطلق الضر الدنيوي والأخروي لكن المراد إنما هو الضر الدنيوي من مرض أو فاقة أو محنة من عدو أو نحو ذلك من مشاق الدنيا كما هو مبين في رواية النسائي ، وابن حبان في صحيحه فقال لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا ، وهو الذي أراده أيوب عليه الصلاة والسلام في قوله مسني الضر وإخوة يوسف عليهم السلام في قولهم مسنا وأهلنا الضر فأما الضر في الدين فهو خوف الفتنة في دينه فالظاهر أنه لا بأس معه بالدعاء بالموت ، وتمنيه ، ويدل لذلك قوله في حديث أبي هريرة في الباب الذي بعده لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه ، وليس به الدين إلا البلاء ، وسيأتي إيضاح ذلك في الكلام عليه فإن قلت قد عرف أن تمني الموت للضر الدنيوي منهي عنه ، والضر الأخروي لا بأس به فإذا كان تمنيه لغير ضر دنيوي ، ولا أخروي كيف حكمه ؟ قلت مقتضى حديث أبي هريرة النهي عنه ، ومفهوم التقييد بالضر في [ ص: 257 ] حديث أنس أنه غير منهي عنه ، وقد يقال هذا المفهوم غير المعمول به لأن التقييد خرج مخرج الغالب في أن الناس لا يتمنون الموت إلا لضر نزل بهم فيفعلون ذلك ضيقا وضجرا ، وسخطا للمقدور ، ولم تجر عادة الناس بتمني الموت بغير سبب ، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له ، ولعل هذا أرجح فيكون تمني الموت في صورة انتفاء الضرر الدنيوي والأخروي منهيا عنه أيضا ، وقد يستثنى من النهي صورة أخرى ، وهي ما إذا فعل ذلك شوقا إلى الله ورسوله فلا بأس به ، وقد فعله جماعة من السلف ، وروى عن ابن مسعود أنه قال : " ليأتين عليكم زمان يأتي الرجل إلى القبر فيقول يا ليتني مكان هذا ليس به حب الله ، ولكن من شدة ما يرى من البلاء " ، وهذا في حكم المرفوع لأنه لا يقال مثله من قبل الرأي فظهر بذلك أن تمني الموت والدعاء به جائز إن كان لمصلحة دينية ، وهو خوف الفتنة في دينه أو الشوق إلى الله ورسوله إن كان في ذلك المقام ، ومكروه فيما عدا ذلك ، وفي حديث معاذ مرفوعا ، وإذا أردت بالناس فتنة فتوفني إليك غير مفتون ، وقال تعالى حكاية عن مريم عليها السلام يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا

(الخامسة) إن قلت إذا كانت الآجال مقدرة لا يزداد فيها ، ولا ينقص منها فما الذي يؤثر تمني الموت في ذلك ، وما الحكمة من النهي عنه قلت هذا هو المعنى المقتضي للنهي عنه لأنه عبث لا فائدة فيه ، وفيه مراغمة المقدور ، وعدم الرضا به مع ما تقدم من كون المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرا فإن قلت إذا تقرر أن التمني للموت لا يؤثر في الأعمال لتقديرها فما معنى قوله عليه الصلاة والسلام في اليهود أنهم لو تمنوا الموت لماتوا جميعا قلت ذاك قاله النبي صلى الله عليه وسلم بوحي خاص أوحي إليه في حق أولئك اليهود أنهم لو تمنوا الموت لماتوا فرتبت آجالهم على وصف إن وجد منهم ماتوا ، وإن لم يوجد بقوا إلى وقت مقدر لهم ، والله تعالى يعلم هل يتمنون الموت فتقرب آجالهم أو لم يتمنونه فتبعد آجالهم ، والأسباب مقدرة كما أن المسببات مقدرة ، وهذا كما في الحديث الصحيح أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أرأيت رقى نسترقي بها ودواء نتداوى به هل يرد من قدر الله شيئا ؟ فقال هي من قدر [ ص: 258 ] الله تعالى

(السادسة) قوله في حديث أنس فإن كان لا بد متمنيا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ليس المراد بهذا الأمر استحباب الدعاء به لهذا بل تركه أفضل من الدعاء به فأنه رتب الأمر به على كون المتمني لا بد أن يقع منه صورة تمن مع نهيه أولا عن ذلك ، وكذا قال النووي في هذه الحالة الأفضل الصبر والسكون للقضاء .

(السابعة) إن قلت قد دل حديث أنس هذا على أن الوفاة قد تكون خيرا للعبد فما الجمع بينه وبين قوله في حديث أبي هريرة ، وإنه لا يزيد المؤمن من عمره إلا خيرا ؟ قلت إن حمل المؤمن على الكامل في الإيمان فالأمر في ذلك واضح فإن ذلك الذي تكون الوفاة خيرا له ليس كامل الإيمان ، وإن حمل على مطلق الإيمان فالغالب أن تكون الحياة خيرا له كما تقدم ، وهذه الصورة التي تكون الوفاة فيها خيرا له نادرة فلا يدعو بها ، ولا يعتمد عليها على ظن نفسه فيها إلا إن وكل الأمر في ذلك إلى علم الله تعالى .

(الثامنة) قال والدي رحمه الله في شرح الترمذي ما الحكمة في قوله في الحياة ما كانت الحياة وقال في الوفاة إذا كانت ، ولم يأت بإذا فيهما ، ولا بما فيهما ؟ والجواب أنه لما كانت الحياة حاصلة ، وهو متصف بها حسن الإتيان بما أي ما دامت الحياة متصفة بهذا الوصف ، ولما كانت الوفاة معدومة في تلك الحالة لم يحسن أن يقول ما كانت بل أتى بإذا الشرطية فقال : إذا كانت أي إذا آل الحال إلى أن تكون الوفاة بهذا الوصف ، والله تعالى أعلم

التالي السابق


الخدمات العلمية