صفحة جزء
باب عرض مقعد الميت عليه بالغداة والعشي عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال له هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة .


[ ص: 304 ] باب عرض مقعد الميت عليه بالغداة والعشي عن نافع ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار يقال له هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة (فيه) فوائد :

(الأولى) اتفق عليه الشيخان والنسائي من هذا الوجه من رواية مالك ورواه الترمذي من رواية عبيد الله بن عمر كلاهما عن نافع عن ابن عمر وانفرد به مسلم من رواية الزهري عن سالم عن أبيه بلفظ إن كان من أهل الجنة فالجنة وإن كان من أهل النار فالنار .

(الثانية) فيه أن الميت يعرض عليه في قبره بالغداة والعشي مقعده من الجنة إن كان من أهلها أو مقعده من النار إن كان من أهلها ويقال له هذا مقعدك وفي هذا تنعيم لمن هو من أهل الجنة وتعذيب لمن هو من أهل النار بمعاينة ما أعد له وانتظاره ذلك إلى اليوم الموعود ويوافق هذا في أحد الشقين قوله تعالى النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب قال أبو العباس القرطبي ويجوز أن يكون هذا العرض على الروح وحده ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن والله أعلم بحقيقة ذلك ، قلت ظاهر الحديث عرض هذا على جملته ولا مانع من إعادة الروح إلى الجسد أو إلى البعض الذي يدرك منه حالة العرض (فإن قلت) وهل في القبر غداة وعشي وليل ونهار : قلت المراد في وقت الغداة والعشي عند الأحياء ويحتمل أن يمثل له وقت الغداة والعشي في حال عرض المقعد عليه ، وقد [ ص: 305 ] ورد في سؤال الملكين أنه يمثل له وقت صلاة العصر ودنو الشمس للغروب وحكى ابن بطال عن بعض أهل بلدهم أن معنى العرض هنا الإخبار بأن هذا موضع أعمالكم والجزاء لها عند الله تعالى قال وأريد بالتكرير بالغداة والعشي تذكارهم بذلك ، قال ولسنا نشك أن الأجساد بعد الموت والمساءلة هي في الذهاب وأكل التراب لها والفناء ولا يعرض شيء على فان ، فبان أن العرض الذي يدوم إلى يوم القيامة إنما هو على الأرواح خاصة ، وذلك أن الأرواح لا تفنى وهي باقية إلى أن يصير العباد إلى الجنة أو النار انتهى .

وما ذكره أولا من أن معنى العرض هنا الإخبار قد يقتضي عدم معاينة المقعد حقيقة وهذا خلاف ظاهر اللفظ ولا مانع من حمل الحديث والآية على ظاهرهما وإذا لم يصرف عن الظاهر صارف فالإيمان به واجب وذكره من أن العرض على الأرواح خاصة هو أحد احتمالي القرطبي وظاهر الحديث خلافه والله أعلم .

(الثالثة) الأمر واضح في الكافر والمؤمن المخلص أما المخلط الذي له ذنوب هو مؤاخذ بها غير معفو عنها فماذا يعرض عليه؟ الذي يظهر أن المعروض عليه مقعده من الجنة وأما النار فليس له بها مقعد مستقر ، وإنما يدخلها لعارض لينقى ويطهر ويمحص ، ثم يدخل مقعده من الجنة نقيا مخلصا وذكر أبو العباس القرطبي في ذلك ترددا فقال وأما المؤمن المؤاخذ بذنوبه فله مقعدان مقعد في النار من تعذيبه ومقعد في الجنة بعد إخراجه فهذا يقتضي أن يعرضا عليه بالغداة والعشي إلا إن قلنا أنه أراد بأهل الجنة كل من يدخلها كيفما كان فلا يحتاج إلى ذلك التفسير والله أعلم .

(الرابعة) قال أبو العباس القرطبي هذا إخبار عن غير الشهداء فإن أرواحهم في حواصل طير تسرح في الجنة وتأكل من ثمارها قلت هذا مبني على أن عرض المقعد على الأرواح خاصة فلا يحتاج حينئذ إلى عرضه عليها ؛ لأنها في الجنة ، وقد يقال : فائدة ذلك تبشيرها باستقرارها في الجنة مقترنة بجسدها في ذلك المحل المخصوص على التأبيد ، وهذا قدر زائد على ما هي فيه وأما إذا كان عرض المقعد على الأجساد فلا مانع من أن الشهداء حينئذ كغيرهم ؛ لأن الذي في الجنة إنما هو أرواحهم أما أجسادهم فهي في قبورهم فتنعم بعرض المقعد عليها بكرة وعشيا ، على أن ذلك قد ورد في أرواح المؤمنين مطلقا رواه النسائي من حديث كعب بن مالك عن رسول الله [ ص: 306 ] صلى الله عليه وسلم قال إنما نسمة المؤمن طائر في شجرة الجنة حتى يبعثه الله إلى جسده يوم القيامة رواه ابن ماجه بلفظ إن أرواح المؤمنين في طير خضر يعلق بشجر الجنة وهو عند الترمذي بلفظ إن أرواح الشهداء .

(الخامسة) قوله إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ظاهره اتحاد الشرط والجزاء لكنهما متغايران في التقدير ولعل تقديره فمن مقاعد أهل الجنة أي فالمعروض عليه من مقاعد أهل الجنة فحذف المبتدأ والمضاف والمجرور بمن وأقيم المضاف إليه مقامه والرواية التي نقلناها عن مسلم فالجنة تقديرها فالمعروض الجنة فاقتصر منها على حذف المبتدأ فهي حذفا ، وكذا الكلام في قوله وإن كان من أهل النار فمن أهل النار

(السادسة) فيه إثبات عذاب القبر ؛ لأن عرض مقعده من النار عليه نوع عظيم من العذاب وهو مذهب أهل السنة ، وقد تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة ولا يمتنع في العقل أن يعيد الله تعالى الحياة في جزء من الجسد ويعذبه وإذا لم يمنعه العقل وورد به الشرع وجب قبوله ، وقد خالف في ذلك الخوارج ومعظم المعتزلة وبعض المرجئة ونفوا ذلك ، ثم المعذب عند أهل السنة الجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إليه أو إلى جزء منه وخالف فيه محمد بن جرير الطبري وعبد الله بن كرام وطائفة فقالوا لا يشترط إعادة الروح قال أصحابنا هذا فاسد ؛ لأن الألم والإحساس إنما يكون في الحي ، قال أصحابنا : ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه كما نشاهد في العادة أو أكلته السباع أو حيتان البحر أو نحو ذلك فكما أن الله تعالى يعيده للحشر وهو سبحانه وتعالى قادر على ذلك فكذا يعيد الحياة إلى جزء منه أو أجزاء وإن أكلته السباع والحيتان (فإن قيل) فنحن نشاهد الميت على حاله في قبره فكيف يسأل ويقعد ويضرب بمطارق من حديد ويعذبه ولا يظهر له أثر ؟ فالجواب أن ذلك غير ممتنع بل له نظير في العادة وهو النائم فإنه يجد لذة وآلاما لا نحس نحن شيئا منها ، وكذا يجد اليقظان لذة وألما لما يسعه أو يفكر فيه ولا يشاهد ذلك جليسه منه ، وكذا كان جبريل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيخبره بالوحي الكريم ولا يدركه الحاضرون وكل هذا واضح ظاهر جلي .

(السابعة) قال بعضهم استدل بهذا الحديث من ذهب إلى أن أرواح [ ص: 307 ] الموتى على أفنية القبور وهذا أصح ما ذهب إليه في ذلك ؛ لأن الأحاديث بذلك أثبت من غيرها قال الدراوردي ومما يدل على حياة الروح والنفس أنهما لا يفنيان قوله عز وجل الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى والإمساك لا يقع على الفاني انتهى .

(الثامنة) قال أبو العباس القرطبي هذا الحديث وما في معناه يدل على أن الموت ليس بعدم ، وإنما هو انتقال من حال إلى حال ومفارقة الروح البدن

التالي السابق


الخدمات العلمية