صفحة جزء
باب إذا لم يجد من يقبل صدقته فلا حرج عليه عن همام عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يتقبل منه صدقة ماله . قال يقبض العلم ويقترب الزمن وتظهر الفتن ويكثر الهرج ، قالوا الهرج أيم هو يا رسول الله ؟ قال القتل القتل .


(باب إذا لم يجد من يقبل صدقته فلا حرج عليه ) (الحديث الأول) عن همام عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يتقبل منه صدقة [ ص: 26 ] ماله ، قال يقبض العلم ويقترب الزمن وتظهر الفتن ويكثر الهرج ، قالوا الهرج أيم هو يا رسول الله قال القتل القتل (فيه فوائد) : (الأولى) أخرج منه مسلم الشطر الأخير وهو من قوله يقبض العلم من هذا الوجه من طريق عبد الرزاق وأخرج الشطرين من طريق يعقوب بن عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة . فرقه في موضعين ذكر الشطر الأول في الزكاة وفيه حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه ، وذكر الشطر الأخير من قوله ويكثر الهرج في الفتن ولم يذكر من هذا الوجه وسطه وهو قوله يقبض العلم ويقترب الزمن وتظهر الفتن وأخرجه بتمامه أيضا من طريق أبي يونس عن أبي هريرة فرقه في موضعين كما تقدم ، وأخرجه البخاري بتمامه من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة واتفق الشيخان على الشطر الأخير من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة بلفظ يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن ويكثر الهرج ، قيل يا رسول الله وما الهرج ؟ فقال هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل لفظ البخاري ولم يسق مسلم لفظه ومن طريق حميد ابن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة بلفظ يتقارب الزمان وينقص العمل ويلقى الشح ويكثر الهرج قالوا وما الهرج قال القتل القتل لفظ البخاري ، وفي بعض الروايات عنه وينقص العلم وفي صحيح مسلم من هذا الوجه لفظان (أحدهما) ويقبض العلم (والآخر) وينقص العمل وفي روايته من هذا الوجه وتظهر الفتن ، ومن طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بلفظ يتقارب الزمان وينقص العمل ويلقى الشح وتظهر الفتن ويكثر الهرج ، قالوا يا رسول الله أيما هو قال القتل القتل لفظ البخاري .

(الثانية) قوله فيفيض بفتح أوله فسره أهل اللغة بأن معناه يكثر وحينئذ فيشكل عطفه عليه في قوله حتى يكثر فيكم المال فيفيض

والذي يظهر لي أن [ ص: 27 ] في الفيض زيادة على الكثرة ولذلك قال في المشارق في قوله يفيض المال أي يكثر حتى يفضل منه بأيدي ملاكه ما لا حاجة لهم به . قال وقيل بل ينتشر في الناس ويعمهم وهو الأول انتهى .

فيصدق كثرة المال بأن يكون على قدر الحاجة ولا يصدق فيضه إلا بزيادة على ذلك ويوافق ذلك قول الجوهري في الصحاح فاض الماء أي كثر حتى سال على ضفة الوادي ، انتهى . فاعتبر فيه مع الكثرة زيادته عن قدر الوادي حتى يسيل على ضفته .

(الثالثة) قوله حتى يهم ضبط وجهين (أجودهما وأشهرهما) أنه بضم الياء وكسر الهاء ، وقوله رب المال أي صاحبه وهو منصوب على أنه مفعول به ، وقوله من يتقبل منه صدقة ماله هو الفاعل وفيه مضاف محذوف أي أمر والمعنى أن يقلق رب المال ويحزنه أمر من يأخذ منه زكاة ماله لفقد المحتاج لأخذ الزكاة لعموم الغنى لجميع الناس (والوجه الثاني) أنه يهم بفتح الياء وضم الهاء ويكون رب المال مرفوعا فاعلا وتقديره يهم رب المال بمن يقبل صدقته أي يقصده ، حكاه النووي وقال : قال أهل اللغة : يقال أهمه إذا أحزنه وهمه إذا أذابه ومنه قولهم : همك ما أهمك ، أي أذابك الشيء الذي أحزنك فأذهب شحمك ، قال وعلى الوجه الثاني هو من هم به إذا قصده انتهى قال في الصحاح : تقول أهمني الأمر إذا أقلقك وحزنك والهم الحزن وهمني المرض أذابني .

(الرابعة) فيه الإخبار بكثرة المال في آخر الزمان وأن الإنسان لا يجد من يقبل صدقته حتى يحصل له من ذلك هم قال النووي وسبب عدم قبولهم الصدقة في آخر الزمان كثرة الأموال وظهور كنوز الأرض ووضع البركات فيها كما ثبت في الصحيح بعد هلاك يأجوج ومأجوج وقلة الناس وقلة آمالهم وقرب الساعة وعدم ادخارهم المال وكثرة الصدقات .

(الخامسة) وفيه الحث على المبادرة بالصدقة واغتنام إمكانها قبل تعذرها وفي الصحيحين عن حارثة بن وهب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : تصدقوا فيوشك الرجل يمشي بصدقته فيقول الذي أعطيها لو جئتنا بها بالأمس قبلتها ، فأما الآن فلا حاجة لي بها ، فلا يجد من يقبلها .

(السادسة) استدل به المصنف رحمه الله على أنه إذا لم يجد من يقبل صدقته فلا حرج عليه وهو واضح الحكم والتعليل [ ص: 28 ] إذ لم يقع منه تقصير ولا منع ، لكن في استنباط ذلك من الحديث نظر ؛ لأن غاية ما فيه الإخبار بأن هذا سيقع ، أما كونه إذا وقع يكون صاحب المال مأثوما أو غير مأثوم فليس فيه تعرض له .

(السابعة) المراد بقبض العلم ذهابه وليس المراد بذلك انتزاعه من الناس بل موت العلماء ، وقد تبين ذلك في حديث عبد الله بن عمر وفي الصحيحين إن الله عز وجل لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسألوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ، وأما قوله في الرواية الأخرى وينقص العلم فهذا في أول الأمر ينقص ثم يقبض ويذهب بالكلية .

(الثامنة) المراد باقتراب الزمان قربه من الساعة قاله القاضي عياض والنووي ، ويحتمل أن المراد قصره وعدم البركة فيه وأن اليوم مثلا يصير الانتفاع به بقدر الانتفاع بالساعة الواحدة ولعل هذا أظهر وأوفق للأحاديث وأكثر فائدة ويدل له قوله في الحديث الذي رواه الترمذي عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كالضرمة بالنار .

(التاسعة) الهرج بفتح الهاء وإسكان الراء وآخره جيم فسره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه القتل وهو أحد معانيه فتعين الأخذ به وله معان أخر جمعها في المحكم شدة القتل وكثرته والاختلاط والفتنة في آخر الزمان وكثرة النكاح وكثرة الكذب وكثرة النوم وشيء تراه في النوم وليس بصادق وعدم الإيقان بالأمر واقتصر الجوهري على أن الهرج الفتنة والاختلاط . قال : وأصل الهرج الكثرة في الشيء ، وفي صحيح البخاري في حديث أبي موسى قال أبو موسى والهرج القتل بلسان الحبشة وقال القاضي في المشارق قوله بلغة الحبشة وهم من بعض الرواة وإلا فهي عربية صحيحة والهرج الاختلاط .

(العاشرة) قوله أيم هو بفتح الهمزة وإسكان الياء المثناة من تحت وفتح الميم ومعناه ما هو ، وأصله أي ما هو بتشديد الياء وبالألف في ما ؛ أي أي شيء هو فخففت الياء وحذفت ألف ما ، ذكره في النهاية ، وذكر في المشارق أنه روي بتشديد الياء وتخفيفها وأنهما لغتان .

(الحادية عشرة) فيه أن [ ص: 29 ] من أشراط الساعة كثرة القتل بغير حق وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل وفي سنن ابن ماجه بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم إن الهرج القتل ؛ فقال بعض المسلمين يا رسول الله إنا نقتل الآن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بقتل المشركين ولكن بقتل بعضكم بعضا حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته ، فقال بعض القوم يا رسول الله ومعنا عقولنا ذلك اليوم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ، تنزع عقول أكثر ذلك الزمان وتخلف لها هباء من الناس لا عقول لهم

التالي السابق


الخدمات العلمية