صفحة جزء
وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال ، قالوا فإنك تواصل يا رسول الله ، قال إني لست كهيئتكم إني أطعم وأسقى وفي رواية للبخاري إني أظل أطعم وأسقى

وعن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إياكم والوصال ، إياكم والوصال إياكم والوصال ، قالوا إنك تواصل يا رسول الله ، قال إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني وعن همام عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إياكم والوصال ، إياكم والوصال ، قالوا فإنك تواصل يا رسول الله قال إني لست في ذلك مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني فاكلفوا من العمل ما لكم به طاقة زاد الشيخان في رواية فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال لو تأخر لزدتكم ، كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا .

ولمسلم من حديث أنس لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم

وللبخاري من حديث أبي سعيد لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر ولهما من حديث عائشة نهاهم عن الوصال رحمة لهم .


الحديث السادس عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال ، قالوا فإنك تواصل يا رسول الله ، قال إني لست كهيئتكم إني أطعم وأسقى وعن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إياكم والوصال ، إياكم والوصال ، إياكم والوصال ، قالوا إنك تواصل يا رسول الله ، قال إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني وعن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم والوصال إياكم والوصال ، قالوا فإنك تواصل يا رسول الله قال إني لست في ذلكم مثلكم ، [ ص: 128 ] إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني فاكلفوا من العمل ما لكم به طاقة

(فيه) فوائد :

(الأولى) حديث ابن عمر اتفق عليه الشيخان وأبو داود من طريق مالك وأخرجه مسلم أيضا من طريق عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واصل في رمضان فواصل الناس فنهاهم فقيل له إنك تواصل ، قال إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى ومن طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر بمثله ولم يقل في رمضان

وحديث أبي هريرة أخرجه من الطريق الأول مسلم في صحيحه من رواية المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ومن الطريق الثانية البخاري عن يحيى قيل إنه ابن موسى عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة واتفقا عليه من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وفيه زيادة فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال لو تأخر الهلال لزدتكم كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا وأخرجه مسلم أيضا من رواية أبي زرعة وأبي صالح كلاهما عن أبي هريرة وفيه إنكم لستم في ذلك مثلي واتفق الشيخان أيضا على هذا المتن من حديث أنس وعائشة وأخرجه البخاري من حديث أبي سعيد ، وعزو الشيخ تقي الدين حديث أبي سعيد لمسلم وهم .

(الثانية) الوصال هنا أن يصوم يومين فصاعدا ، ولا يتناول في الليل لا ماء ولا مأكولا فإن أكل شيئا يسيرا أو شرب ولو قطرة فليس وصالا ، وكذا [ ص: 129 ] إن أخر الأكل إلى السحر لمقصود صحيح أو غيره فليس بوصال كذا قاله الجمهور من أصحابنا وغيرهم ، وقال الروياني في الحلية هو أن يصل صوم الليل بصوم النهار قصدا فلو جرك الأكل بالليل لا على قصد الوصال والتقرب إلى الله تعالى به لم يحرم ، وقال البغوي العصيان في الوصال لقصده إليه وإلا فالفطر حاصل بدخول الليل كالحائض إذا صلت عصت وإن لم يكن لها صلاة . قال النووي في شرح المهذب وهو خلاف إطلاق الجمهور وخلاف ما صرح به إمام الحرمين ثم قال النووي والصواب أن الوصال ترك الأكل والشرب في الليل بين الصومين عمدا بلا عذر ، قال شيخنا الإمام الإسنوي ومقتضاه أن ما عدا الأكل والشرب كالجماع والاستقاءة وغيرهما من المفطرات لا يخرجه عن الوصال وهو ظاهر من جهة المعنى ؛ لأن النهي عن الوصال إنما هو لأجل الضعف وهذه الأمور تزيده أو لا تمنع حصوله لكن ذكر جماعة خلاف ذلك منهم الروياني في البحر قال الوصال المكروه أن لا يطعم بالليل بين يومي صوم ويستديم جميع أوصاف الصائمين والجرجاني في الشافي قال الوصال أن يترك بالليل ما أبيح له من غير إفطار ، وقال ابن الصلاح يزول بما يزول به صورة الصوم ، قال شيخنا الإسنوي أيضا وتعبيرهم بصوم يومين يقتضي أن المأمور بالإمساك كتارك النية لا يكون امتناعه بالليل من تعاطي المفطرات وصالا ؛ لأنه ليس بين صومين إلا أن الظاهر أن ذلك جرى على الغالب انتهى .

وكلام القاضي أبي بكر بن العربي يشعر بأن الوصال هو الإمساك بعد حل الفطر فإنه حكى في حكمه ثلاثة أقوال : التحريم ، والجواز ، وثالثها : أن يواصل إلى السحر قاله أحمد وإسحاق ثم قال والصحيح منعه فيقتضي أن المواصلة إلى السحر داخلة في حد الوصال وأن جميع أنواع الوصال حرام حتى أنه يحرم عليه أن يواصل بعد الغروب وذلك يصدق بتأخير الفطر قليلا وهذا لا يقوله أحد لا أهل الظاهر ولا غيرهم إلا أن القاضي عياضا حكى عن بعض العلماء أن الإمساك بعد الغروب لا يجوز وهو كإمساك يوم الفطر ويوم النحر ، وقال بعضهم ذلك جائز له أجر الصائم انتهى وكلا القولين مردود ، أما تحريم الإمساك بعد الغروب فلقوله عليه الصلاة والسلام [ ص: 130 ] فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد والظاهر أن صاحب هذه المقالة إنما أراد تحريم الإمساك المستمر إلى آخر الليل ولم يرد تحريم مطلق الإمساك فإن هذا لا يمكن القول به إلا أن ينضم إلى ذلك نية الصوم واعتقاد كونه صوما شرعيا والخلل في ذلك من عبارة القاضي وأنها غير وافية بالمقصود ، وأما القول بأن له أجر الصائم فكيف يصح والليل ليس محلا للصوم ولو نواه فيه لم ينعقد فكيف يكتب له أجر صومه .

(الثانية) فيه النهي عن الوصال وذلك يحتمل التحريم والكراهة لكن قوله إياك والوصال يقتضي التحريم ، وكذا قوله في حديث أنس في الصحيحين .

وفي حديث أبي سعيد في صحيح البخاري لا تواصلوا .

وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فذهب الجمهور إلى النهي عنه وحكى ابن المنذر كراهته عن مالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق ، وقال العبدري من أصحابنا هو قول العلماء كافة إلا ابن الزبير وهو متفق عليه في مذهب الشافعي .

واختلفوا في أنها كراهة تحريم أو تنزيه وفيه وجهان مشهوران للشافعية (أصحهما) عندهم وهو ظاهر نص الشافعي أنها كراهة تحريم ، وقال ابن شاس في الجواهر حكى أبو الحسن اللخمي قولين في جواز ذلك ونفيه ثم اختار جوازه إلى السحر وكراهيته إلى الليلة القابلة .

وقال ابن قدامة في المغني بعد تقريره كراهته أنه غير محرم واستدل هؤلاء بقول عائشة رضي الله عنها نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم .

وبكونه عليه الصلاة والسلام لما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما . وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة كما تقدم

ولمسلم من حديث أنس لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم .

وأجاب القائلون بتحريمه عن قولها رحمة لهم بأن ذلك لا يمنع كونه منهيا عنه للتحريم وسبب تحريمه الشفقة عليهم . لئلا يتكلفوا ما يشق عليهم وعن الوصال بهم يوما ثم يوما بأنه احتمل للمصلحة في تأكيد زجرهم .

قال ابن العربي تمكينهم منه تنكيل لهم وما كان على طريق العقوبة لا يكون من الشريعة انتهى وذهب آخرون إلى أنه لا كراهة في الوصال وكان عبد الله بن الزبير يفعله ، وروى ابن شيبة في مصنفه عن أبي نوفل بن عقرب قال دخلت [ ص: 131 ] على ابن الزبير صبيحة خمسة عشر من الشهر وهو مواصل .

وعن ابن أبي نعم أنه كان يواصل خمسة عشر يوما حتى يعاد وعن أبي العالية أنه قال في الوصال للصائم قال الله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل فإذا جاء الليل فهو مفطر ثم إن شاء صام وإن شاء ترك ، وذكر الماوردي أن عبد الله بن الزبير واصل سبعة عشر يوما ثم أفطر على سمن ولبن وصبر قال وتأول في السمن أنه يلين الأمعاء واللبن ألطف غذاء والصبر يقوي الأعضاء .

وفي الاستذكار لابن عبد البر عن مالك أن عامر بن عبد الله بن الزبير كان يواصل في شهر رمضان ثلاثا فقيل له ثلاثة أيام ؟ قال لا ومن يقوى ، يواصل يومين وليلة ، وحكى ابن حزم عن ابن وضاح من المالكية أنه كان يواصل أربعة أيام واحتج هؤلاء بمثل ما احتج به الذاهبون إلى الكراهة وقالوا نهيهم عن الوصال رحمة بهم ورفق لا إلزام وحتم .

واستدلوا أيضا بفعله ولم يروا ذلك مختصا به ويرده تصريحه عليه الصلاة والسلام باختصاصه بذلك وفي سنن أبي داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه فقيل له يا رسول الله إنك تواصل إلى السحر فقال إنني أواصل إلى السحر وربي يطعمني ويسقيني .

(الرابعة) في قول الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم إنك تواصل ، دليل على استواء المكلفين في الأحكام وأن كل حكم ثبت في حقه عليه الصلاة والسلام ثبت في حق أمته إلا ما استثني فطلبوا الجمع بين قوله في النهي وفعله الدال على إباحة ذلك فأجابهم باختصاص فعله به وإنه لا يتعداه في هذه الصورة إلى غيره .

(الخامس) فيه إن من خصائصه عليه الصلاة والسلام إباحة الوصال له قال الشافعي رحمه الله بعد أن ذكر حديث النهي عن الوصال وفرق الله بين رسوله وبين خلقه في أمور أباحها له وحظرها عليهم ، وذكر منها الوصال ، وقال الخطابي الوصال من خصائص ما أبيح لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محظور على أمته وحكى النووي في شرح المهذب اتفاق نصوص الشافعي والأصحاب على أنه من الخصائص ثم ذكر خلافا في كيفية ذلك فنقل عن الشافعي والجمهور أنه مباح له وعن إمام الحرمين أنه قربة في حقه وتقدم في [ ص: 132 ] حديث أبي هريرة إني لست في ذلكم مثلكم وفي سنن أبي داود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد العصر وينهى عنها ويواصل وينهى عن الوصال .

(السادسة) في معجم الطبراني الكبير عن امرأة بشير بن الخصاصية قالت كنت أصوم فأواصل فنهاني بشير ، وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاني عن هذا قال إنما يفعل ذلك النصارى ولكن صومي كما أمر الله عز وجل ثم أتمي الصيام إلى الليل فإذا كان الليل فأفطري وهذا يقتضي أن العلة في النهي عن الوصال مخالفة النصارى في فعلهم له فإن كان من قول النبي صلى الله عليه وسلم فهو حجة ويحتمل أنه من قول بشير بن الخصاصية أدرج في الحديث ، وقال النووي قال أصحابنا الحكمة في النهي عن الوصال لئلا يضعف عن الصيام وسائر الطاعات أو يملها ويسأم لضعفه بالوصال إذ يتضرر بدنه أو بعض حواسه أو غير ذلك من أنواع الضرر انتهى . ويشير إلى ذلك قوله في حديث أبي هريرة في الصحيحين في تتمة الحديث فاكلفوا من العمل ما تطيقون ، وقال والدي رحمه الله في شرح الترمذي ويحتمل أن النهي عن ذلك خوف أن يفترض عليهم فيعجزوا عنه كما ورد في قيام رمضان وعلى هذا فقد أمن من ذلك بعده صلى الله عليه وسلم انتهى .

(السابعة) اختلف العلماء في معنى قوله عليه الصلاة والسلام إني أطعم وأسقى وقوله إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني على أوجه :

(أحدها) أن معناه أعطي قوة الطاعم الشارب وليس المراد حقيقة الأكل والشرب إذ لو أكل حقيقة لم يبق وصال ولقال ما أنا بمواصل ويؤيد ذلك قوله في حديث أنس إني أظل يطعمني ربي ويسقيني وهو في صحيح مسلم هنا وفي صحيح البخاري في التمني وعزو والدي رحمه الله في أحكامه الكبرى هذه الرواية للبخاري عقب حديث ابن عمر يقتضي أنها عنده من حديث ابن عمر وليس كذلك ، وإنما هي عنده من حديث أنس كما ذكرته ، هذا هو الذي وقفت عليه ، فهذه الرواية دالة على أنه لم يأكل حقيقة فإنه لا يقال أظل إلا في النهار ولو أكل في النهار لم يكن صائما وهذا أصح الأجوبة كما حكاه الرافعي عن المسعودي ، وقاله النووي وعليه اقتصر أبو بكر بن العربي ، وقال فعبر بالطعام والسقيا عن فائدتهما وهي القوة على الصبر عنهما .

(الثاني) أن معناه أن الله يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن [ ص: 133 ] الطعام والشراب وهذا قريب من الذي قبله والفرق بينهما أنه على الأول يعطى قوة الطاعم الشارب من غير شبع ولا ري بل مع الجوع والظمأ وهذا أكمل لحاله ، وعلى الثاني يخلق فيه الشبع بلا أكل والري بلا شرب وهذه كرامة عظيمة لكنها تنافي حالة الصائم وتفوت المقصود من الصيام قال أبو العباس القرطبي في المفهم وهذا القول يبعده النظر إلى حاله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع ويربط على بطنه الحجارة من الجوع ويبعده أيضا النظر إلى المعنى وذلك أنه لو خلق فيه الشبع والري لما وجد لعبادة الصوم روحها الذي هو الجوع والمشقة وحينئذ كان يكون ترك الوصال أولى انتهى وأما ابن حبان فإنه ضعف حديث وضع الحجر على بطنه من الجوع بهذا الحديث إما حملا له على ظاهره كما سيأتي في الجواب الذي بعده وإما تمسكا بهذا الجواب الذي نحن فيه فقال هذا الخبر دليل على أن الأخبار التي فيها ذكر وضع النبي صلى الله عليه وسلم الحجر على بطنه كلها أباطيل ، قال وإنما معناه الحجز لا الحجر والحجز طرف الإزار إذ الله جل وعلا كان يطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسقيه إذا واصل فكيف يتركه جائعا مع عدم الوصال حتى يحتاج إلى شد حجر على بطنه ؟ وما يغني الحجر عن الجوع ؟ انتهى وما ذكره ابن حبان في ذلك مردود وهو تصحيف وغير معروف في الرواية وبعض ألفاظ الحديث صريحة في الرد عليه ، وقد رد عليه في ذلك غير واحد والله أعلم .

(الثالث) أن الحديث على ظاهره وأنه عليه الصلاة والسلام كان يؤتى الطعام من الجنة وشرب منها فيأكل ويشرب كرامة له ورد هذا بأنه لو أكل حقيقة لم يكن مواصلا وبقوله في حديث أنس في الصحيحين إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني ولفظة أظل لا تكون إلا في النهار ولا يجوز الأكل الحقيقي في النهار بلا شك ومن قال هذا الجواب لعله يخص منع الأكل نهارا بطعام الدنيا دون طعام الجنة أو يؤول لفظة أظل على مطلق السكون ويخرجها عن حقيقتها وكلا منها بعيد والله أعلم .

(الرابع) أن معناه أن محبة الله تشغلني عن الطعام والشراب والحب البالغ يشغل عنهما حكاه النووي في شرح المهذب .

(الثامنة) قوله ويسقيني بفتح أوله وضمه لغتان أشهرهما الفتح ، وقوله فاكلفوا بفتح اللام معناه خذوا وتحملوا

التالي السابق


الخدمات العلمية