صفحة جزء
وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل المسلم في معى واحد والكافر في سبعة أمعاء ، وعن همام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد لفظ البخاري وقال مسلم (يشرب) وزاد في أوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضافه ضيف وهو كافر فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فشرب حلابها ثم أخرى فشربه ثم أخرى فشربه حتى شرب حلاب سبع شياه ثم إنه أصبح فأسلم فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فشرب حلابها ثم أخرى فلم يستتمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ورواه الطبراني من حديث جهجاه الغفاري بزيادة فيه وأنه هو صاحب القصة الذي شرب حلاب سبع شياه أولا وقال فيه (يأكل) وفيه موسى بن عبيدة ضعيف .


(الحديث الرابع)

وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل المسلم في معى واحد والكافر في سبعة أمعاء ، وعن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الكافر [ ص: 16 ] يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد .

(فيه) فوائد:

(الأولى) أخرجه البخاري من الوجه الأول من طريق مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طريق مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضافه ضيف وهو كافر فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أخرى فشربه ثم أخرى فشربه حتى شرب حلاب سبع شياه ثم إنه أصبح فأسلم فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فشرب حلابها ثم أمر بأخرى فلم يستتمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المؤمن يشرب في معى واحد والكافر يشرب في سبعة أمعاء وأخرجه مسلم أيضا من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مقتصرا على آخر الحديث دون القصة التي في أوله وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه من رواية عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة أن رجلا كان يأكل أكلا كثيرا فأسلم فكان يأكل أكلا قليلا فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال إن المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء .

(الثانية) المعى بكسر الميم وبالعين المهملة مقصور وفيه لغة أخرى معى بكسر الميم وإسكان العين بعدها ياء ؛ حكاها صاحب المحكم والجمع أمعاء ممدود وهي المصارين.

(الثالثة) اختلف [ ص: 17 ] في المراد بهذا الحديث على أقوال:.

(أحدها) قال ابن عبد البر الإشارة فيه إلى كافر بعينه لا إلى جنس الكفار ولا سبيل إلى حمله على العموم ؛ لأن المشاهدة تدفعه ألا ترى أنه قد يوجد كافر أقل أكلا من مؤمن ويسلم الكافر فلا ينقص أكله ؟ ولا يزيد وفي حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ما يدل على أنه في رجل بعينه ولذلك جعله مالك في موطآته بعده مفسرا له وهذا عموم والمراد به الخصوص فكأنه قال هذا إذ كان كافرا كان يأكل في سبعة أمعاء فلما آمن عوفي وبورك له في نفسه فكفاه جزء من سبعة أجزاء مما كان يكفيه إذ كان كافرا خصوصا له ؛ فكأنه قال هذا الكافر وهذا المؤمن انتهى.

وسبقه إلى ذلك الطحاوي فقال هذا الكافر مخصوص حكاه عنه ابن طاهر في مبهماته.

(الثاني) أن هذا مثل ضرب للمؤمن وزهده في الدنيا وللكافر وحرصه عليها فكأن الكافر لحرصه على الدنيا وجمعها يأكل في سبعة أمعاء، وكأن المؤمن لزهده في الدنيا وتقلله منها يأكل في معى واحد فليس المراد حقيقة الأمعاء ولا حقيقة الأكل وإنما المراد الاتساع في الدنيا والتقلل منها فكأنه عبر بالأكل عن أخذ الدنيا وبالأمعاء عن أسباب ذلك.

(الثالث) أن المراد به أن الغالب من حال المؤمنين قلة الأكل لعلمهم أن مقصود الشرع من الأكل ما يسد الجوع ويمسك الرمق ويقوي على عبادة الله تعالى وخوفهم من حساب الزيادة على ذلك بخلاف الكفار فإنهم غير واقفين مع المقصد الشرعي وإنما هم تابعون لشهوات أنفسهم مسترسلون فيها غير خائفين من تبعة الحرام وورطته فصار أكل المؤمن لما ذكرناه إذا نسب لأكل الكافر كأنه [ ص: 18 ] سبعة وليس ذلك أمرا مطردا في حق كل مسلم، وكافر فقد يكون في المؤمنين من يأكل كثيرا بحسب العادة أو لعارض ويكون في الكفار من يعتاد قلة الأكل إما لمراعاة الصحة كالأطباء أو للتقلل كالرهبان أو لضعف المعدة وحينئذ فهذا خرج مخرج الغالب والسبع على سبيل التقريب دون التحديد.

(الرابع) أن هذا تحضيض للمؤمنين على قلة الأكل إذا علموا أن هذه صفة المؤمن الكامل الإيمان ؛ وتنفير من كثرة الأكل إذا علموا أن هذه صفة الكفار ؛ فإن نفس المؤمن تنفر من الاتصاف بصفة الكفار وهذا كما قال - تعالى - والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم

(الخامس) أن المراد به أن المؤمن يسمي الله - تعالى - عند طعامه فلا يشركه الشيطان فيه فيقل أكله لذلك والكافر لا يسمي الله - تعالى - فيشاركه الشيطان فيه وفي صحيح مسلم إن الشيطان ليستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه .

(السادس) أن المراد بالمؤمن هنا تام الإيمان المعرض عن الشهوات المقتصر على سد خلته والمراد بالكافر المتعدي في طغيانه المنهمك على الدنيا الشديد الإعراض عن الآخرة فأريد مؤمن بوصف مخصوص، وكافر بوصف.

(السابع) قال النووي : المختار أن معناه بعض المؤمنين يأكل في معى واحد وأن أكثر الكفار يأكلون في سبعة أمعاء ولا يلزم أن كل واحد من السبعة مثل معي المؤمن.

(الرابعة) اختلف في المراد بالأمعاء السبعة فحكى القاضي عياض عن أهل الطب والتشريح أن أمعاء الإنسان سبعة المعدة ثم ثلاثة أمعاء بعدها متصلة بها البواب والصائم والرقيق وهي كلها رقاق ثم ثلاثة غلاظ الأعور والقولون والمستقيم وطرفه الدبر، وقد نظم ذلك والدي رحمه الله في قوله:


ســـــبعة أمعــــاء لكــــل آدمــــي معـــــدة بوابهــــا مــــع صــــائم     ثـــم الـــرقيق أعـــور قولــون مــع
المســـــتقيم مســـــلك المطــــاعم

قال القاضي عياض فيكون على هذا موافقا لما قاله عليه الصلاة والسلام أن الكافر المذكور وإن كان بعينه أو بعض الكفار أو من يأكل منهم بشرهه وجشعه ولا يذكر اسم الله - تعالى - على أكله لا يشبعه إلا ملء أمعائه السبعة [ ص: 19 ] كالأنعام وآكلة الخضر، والمؤمن المقتصد في أكله يشبعه ملء معى واحد إلى آخر كلامه.

قال: وقيل المراد بالسبعة صفات سبعة: الحرص والشره وبعد الأمل والطمع وسوء الطبع والحسد وحب السمن. قال: وقيل شهوات الطعام على سبعة: شهوة الطبع وشهوة النفس وشهوة العين وشهوة الفم وشهوة الأذن وشهوة الأنف وشهوة الجوع وهي الضرورية التي بها يأكل المؤمن.

وأما الكافر فإنه يأكل بجميع شهواته وحكى القاضي أبو بكر بن العربي قريبا من هذا القول عن بعض مشايخ الزهد فذكر الحواس الخمس والحاجة والشهوة.

(الخامسة) اختلف في تعيين الكافر الذي أسلم، وكان سبب ورود الحديث على أقوال:

(أحدها) أنه جهجاه الغفاري رواه أبو يعلى والبزاز والطبراني واللفظ له عنه أنه قدم في نفر من قومه يريدون الإسلام فحضروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب فلما سلم قال يأخذ كل رجل بيد جليسه فلم يبق في المسجد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيري، وكنت رجلا عظيما طويلا لا يقدم علي أحد فذهب بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله فحلب لي عنزا فأتيت عليها حتى حلب سبع أعنز فأتيت عليها ثم بصنيع برمة فأتيت عليها وقالت أم أيمن أجاع الله من أجاع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الليلة قال مه يا أم أيمن أكل رزقه ورزقنا على الله فأصبحوا فغدوا فاجتمع هو وأصحابه فجعل الرجل يخبر بما أتى عليه فقال جهجاه حلب لي سبع أعنز فأتيت عليها وصنيع برمة فأتيت عليها ؛ فصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب فقال ليأخذ كل رجل بيد جليسه فلم يبق في المسجد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيري، وكنت رجلا عظيما طويلا لا يقدم علي أحد فذهب بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله فحلب لي عنزا فرويت وشبعت فقالت أم أيمن يا رسول الله أليس هذا ضيفنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه أكل في معي مؤمن الليلة وأكل قبل ذلك في معي كافر ؛ الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معى واحد .

وذكر ابن بشكوال أن كون هذا المبهم هو جهجاه هو الأكثر في الرواية وقال والدي رحمه الله في شرح الترمذي إنه لا يصح ؛ لأن مدار حديثه على موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف.

[ ص: 20 ] (الثاني) أنه أبو بصرة الغفاري رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح وجزم به الخطيب في مبهماته ".

(الثالث) أنه أبو غزوان رواه الطبراني بإسناد صحيح..

(الرابع) أنه نضلة بن عمر قال والدي رحمه الله: لا يصح ؛ لأنه ليس في قصته أنه ضاف النبي صلى الله عليه وسلم وإنما مر به النبي صلى الله عليه وسلم بمر فسقاه وشرب فضلته ثم قال يا رسول الله إن كنت لأشرب السبعة فما أمتلئ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المؤمن.... الحديث. رواه أحمد والبزار بإسناد رجاله ثقات فلا يكون هو المبهم في حديث أبي هريرة انتهى.

(الخامس) أنه ثمامة بن أثال . .

(السادس) أنه بصرة بن أبي بصرة الغفاري حكاهما القاضي عياض والنووي وغيرهما وحكى ابن بشكوال كونه ثمامة بن أثال عن ابن إسحاق وصدر به المازري كلامه، وقال والدي رحمه الله: لم أجد في طريق الحديث ما يدل على هذين القولين.

(السادسة) فيه فضل تقليل الأكل وذم كثرته .

التالي السابق


الخدمات العلمية