صفحة جزء
وعن سالم عن أبيه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمر بالتمر قال سفيان كذا حفظناه الثمر بالتمر، وأخبرهم زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في العرايا وعن نافع عن ابن عمر عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها من التمر وفي رواية للبخاري ورخص في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غيره ولأبي داود بالتمر والرطب وللشيخين من حديث أبي هريرة رخص في بيع العرايا بخرصها في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق ولمسلم من حديث سهل بن أبي حثمة ورخص في بيع العرية النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا .


(الحديث الثالث)

وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلا وبيع الكرم بالزبيب كيلا (الحديث الرابع)

وعن سالم عن أبيه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمر بالتمر قال سفيان كذا حفظناه الثمر بالتمر، وأخبرهم زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في العرايا .

[ ص: 131 ] (الحديث الخامس)

وعن نافع عن ابن عمر عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها من التمر .

(فيه) فوائد:

(الأولى) الحديث الأول أخرجه الشيخان والنسائي من هذا الوجه من طريق مالك ، وأخرجه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر بلفظ ثمر النخل وبلفظ العنب وبزيادة بيع الزرع بالحنطة كيلا وفي لفظ له وعن كل تمر بخرصه وأخرجه أبو داود بدون هذه الزيادة، وأخرجه الشيخان والنسائي من رواية أيوب السختياني بلفظ والمزابنة أن يباع ما في رءوس النخل بتمر مكيل مسمى إن زاد فلي، وإن نقص فعلي لفظ مسلم والنسائي وقال البخاري أن يبيع التمر بكيل وأخرج الشيخان والنسائي وابن ماجه من رواية الليث بن سعد بلفظ أن يبيع ثمر حائطه إن كانت نخلا بتمر كيلا، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا، وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام نهى عن ذلك كله وأخرجه مسلم أيضا من رواية موسى بن عقبة ويونس بن يزيد والضحاك بن عثمان ولم يسق لفظهم كلهم عن نافع عن ابن عمر .

و (الحديث الثاني) أخرجه مسلم والنسائي من هذا الوجه من حديث سفيان بن عيينة بلفظ قال ابن عمر حدثنا زيد بن ثابت [ ص: 132 ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا وأخرجه الشيخان من رواية عقيل بن خالد بلفظ رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غيره كلاهما عن الزهري عن سالم عن أبيه.

و (الحديث الثالث) اتفق عليه الشيخان من هذا الوجه من طريق مالك واتفق عليه الشيخان أيضا والنسائي وابن ماجه من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري لفظ البخاري رخص النبي صلى الله عليه وسلم أن تباع العرايا بخرصها تمرا . ولفظ مسلم رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا وفي لفظ له والعرية النخلة تجعل للقوم فيبيعونها بخرصها تمرا . وفي لفظ له رخص في بيع العرية بخرصها تمرا قال يحيى : العرية أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطبا بخرصها تمرا واتفق عليه الشيخان أيضا والترمذي من طريق أيوب السختياني بلفظ رخص في بيع العرايا بخرصها . وأخرجه البخاري من طريق موسى بن عقبة بلفظ رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا وقال موسى بن عقبة والعرايا نخلات معلومات يأتيها فيشتريها ، وأخرجه مسلم والنسائي من حديث عبيد الله بن عمر خمستهم عن نافع عن ابن عمر ، وأخرجه الترمذي من رواية محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة إلا أنه قد أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها . قال الترمذي هكذا روى محمد بن إسحاق هذا الحديث ؛ وروى أيوب وعبيد الله بن عمر ومالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة . وبهذا الأسناد عن ابن عمر عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص في العرايا وهذا أصح من حديث محمد بن إسحاق وقال والدي - رحمه الله - في شرح الترمذي في الصحيحين ما يشهد لرواية ابن إسحاق وهو قوله في حديث سالم عن أبيه عن زيد ولم يرخص في غيره قال فقول زيد (ولم يرخص في غيره) هو النهي عن المزابنة).

(الثانية) المزابنة بضم الميم وفتح الزاي وبعد الألف باء موحدة مفتوحة ثم نون، مشتقة من الزبن وهو المخاصمة والمدافعة، وقد فسرها في الحديث بأنها بيع الثمر بالتمر كيلا وبيع الكرم [ ص: 133 ] بالزبيب كيلا والثمر المذكور أولا بفتح الثاء المثلثة والميم والثاني بفتح التاء المثناة من فوق، وإسكان الميم فالأول اسم له وهو رطب على رءوس النخل والثاني اسم له بعد الجداد واليبس وكذا في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين. والمزابنة اشتراء الثمر بالتمر على رءوس النخل وكذا في حديث جابر فإن كان هذا التفسير مرفوعا فلا إشكال في وجوب الأخذ به، وإن كان موقوفا على هؤلاء الصحابة فهم رواة الحديث، وأعرف بتفسيره من غيرهم قال ابن عبد البر : ولا مخالف لهم علمته بل قد أجمع العلماء على أن ذلك مزابنة ولذلك أجمعوا على أن كل ما لا يجوز إلا مثلا بمثل أنه لا يجوز منه كيل بجزاف ولا جزاف بجزاف ؛ لأن في ذلك جهل المساواة ولا يؤمن مع ذلك التفاضل.

(قلت) وحقيقتها الجامعة لأفرادها بيع الرطب من الربوي باليابس منه وفسرها مالك - رحمه الله - بأعم من ذلك، وهو بيع مجهول بمعلوم من صنف ذلك، سواء كان مما يجوز فيه التفاضل أصلا، وجعله من باب المخاطرة والقمار، وأدخله في معنى المزابنة فقال في الموطإ وتفسير المزابنة: كل شيء من الجزاف الذي لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده أن يباع بشيء مثمر من الكيل أو الوزن أو العدد وذلك أن يقول الرجل للرجل يكون له الطعام المصبر الذي لا يعلم كيله من الحنطة والتمر وما أشبه ذلك من الأطعمة أو يكون للرجل السلعة من الحنطة أو النوى أو القصب أو العصفر أو الكرفس أو الكتان أو الغزل أو ما أشبه ذلك من السلع لا يعلم كيل شيء من ذلك ولا وزنه ولا عدده فيقول الرجل لرب تلك السلعة كل سلعتك أو مر من يكيلها أو زن من ذلك ما يوزن أو اعدد من ذلك ما يعد فما نقص من كذا وكذا صاعا فعلي غرمه، وما زاد على ذلك فهو لي أضمن ما نقص من ذلك الكيل أو الوزن أو العدد على أن يكون لي ما زاد فليس ذلك ولكنه الغرر والمخاطرة والقمار ومن ذلك أيضا أن يقول الرجل للرجل له الثوب أضمن لك من ثوبك هذا كذا وكذا طهارة قلنسوة قدر كل طهارة كذا وكذا فما نقص من ذلك فعلي غرمه وما زاد على ذلك فهو لي ثم ذكر أمثلة أخرى ثم قال فهذا كله وما أشبهه من الأشياء من [ ص: 134 ] المزابنة التي لا تجوز . انتهى. مع إسقاط بعضه اختصارا. وفسر الشافعي - رحمه الله - المزابنة بأنه بيع ما حرم فيه التفاضل جزافا بجزاف أو معلوما بجزاف أو مع التساوي ولكن أحدهما رطب ينقص إذا جف. قال: وأما إذا قال أضمن لك صبرتك هذه بعشرين صاعا فما زاد فلي وما نقص فعلي تمامها فهذا من القمار وليس من المزابنة. قال ابن عبد البر : وما قدمنا عن أبي سعيد الخدري وابن عمر وجابر في تفسير المزابنة يشهد لما قاله الشافعي وهو الذي تدل عليه الآثار المرفوعة في ذلك قال ويشهد لقول مالك - والله أعلم - أصل معنى المزابنة في اللغة ؛ لأنه لفظ مأخوذ من الزبن وهو المقامرة والدفع والمغالبة وفي معنى القمار الزيادة والنقص أيضا حتى قال بعض أهل اللغة: إن القمر مشتق من القمار لزيادته ونقصانه فالمزابنة والقمار والمخاطرة شيء واحد يشبه أن يكون أصل اشتقاقها واحد يقول العرب حرب زبون أي ذات دفع وقمار ومغالبة. قال أبو العول الطهوي :


فــــــوارس لا يملــــــون المنايـــــا إذا دارت رحــــى الحــــرب الزبـــون

وقال معمر بن لقيط الإيادي

عبــــل الــــذراع أبيــــا ذا مزابنـــة     فــي الحـرب يخـتل الرئبـال والسـقبا

وقال معاوية :

ومســـتعجب ممــا رأى مــن إناثنــا

ولو زبنته الحرب لم يتزمزم.

(الثالثة) فيه حجة للجمهور على تحريم بيع الرطب من الربوي باليابس منه ولو تساويا في الكيل أو الوزن وهذا مدلول المزابنة كما تقدم والمعنى فيه أن الاعتبار بالتساوي حالة الكمال ولا يلزم من مساواة الرطب له في حالة الرطوبة مساواته في حالة الجفاف إذ ينقص بجفافه كثيرا وقد ينقص قليلا وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ، وأكثر العلماء من السلف وجوز أبو حنيفة البيع في هذه الصورة مع التساوي واكتفى بالمساواة حالة الرطوبة وهذا الحديث حجة عليه وقال النووي في شرح مسلم اتفق العلماء على تحريم بيع الرطب بالتمر في غير العرايا، وأنه ربا وعلى تحريم بيع العنب بالزبيب [ ص: 135 ] وسواء عند جمهورهم كان الرطب والعنب على الشجر أو مقطوعا وقال أبو حنيفة إن كان مقطوعا جاز بيعه بمثله من اليابس. انتهى.

ولم أر في كتب الحنفية تقييد ذلك عن أبي حنيفة - رحمه الله - بالمقطوعة. .

(الرابعة) قوله (كيلا) ليس تقيدا للنهي بهذه الحالة فإنه متى كان جزافا فلا كيل بل كان أولى بالمنع وكأنه إنما قيد بذلك ؛ لأنها صورة المبايعة التي كانوا يتعاملون بها فلا مفهوم له لخروجه على سبب وهو من مفهوم الموافقة ؛ لأن المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق. .

(الخامسة) وفيه أن معيار التمر والزبيب الكيل وهو كذلك. .

(السادسة) وفيه تسمية العنب كرما وقد ورد النهي عنه وتبين بهذا الحديث جوازه، وأن ذلك النهي إنما هو للأدب والتنزيه دون المنع والتحريم والله أعلم .

(السابعة) فيه الترخيص في العرايا واستثناؤها من المزابنة المنهي عنها وهي فعيلة بمعنى مفعولة كما قاله الهروي وغيره أو بمعنى فاعلة كما قاله الأزهري والجمهور فمن جعلها بمعنى مفعولة قال هي من عرى النخل بفتح العين والراء معا على أنه متعد يعروها إذا أفردها عن غيرها من النخل ببيعها رطبا وقيل من عراه يعروه إذا أتاه وتردد إليه ؛ لأن صاحبها يتردد إليها ومن جعلها بمعنى فاعلة قال هي من عري بكسر الراء يعرى بفتحها على أنه قاصر فكأنها عريت من التحريم والمراد بها في الشرع عند الشافعي وأحمد والجمهور أن يخرص الخارص نخلات فيقول هذا الرطب الذي عليها إذا جف يجيء منه ثلاثة أوسق من التمر فيبيعه صاحبه لإنسان بثلاثة أوسق من التمر ويتقابضان في المجلس فيسلم المشتري الثمن ويسلم بائع الرطب الرطب بالتخلية وفي تفسيرها أقوال أخر.

(أحدها) أن مدلول العرايا لغة عطية ثمرة النخل دون رقابها كانت العرب إذا دهمتهم سنة تطوع أهل النخل منهم على من لا نخل له فيعطيهم من ثمر نخله.

ومنه قول بعضهم.

وليســــت بســــنهاء ولا رجبيــــة ولكــن عرايــا فــي السـنين الجـوائح

والسنهاء التي تحمل سنة دون سنة والرجبية التي تميل لضعفها فيدعم ثم ذكر أنه يعرى ثمرتها في سني الجائحة والمراد بها شرعا بيع ذلك المعرى الرطب الذي ملكه بالإعراء للمعري بتمر ولا تجوز هذه المعاملة إلا بينهما خاصة لما يدخل [ ص: 136 ] على صاحب النخل من الضرر بدخول غيره حائطه أو لقصد المعروف بقيام صاحب النخل بالسقي والكلف وهذا هوالمشهور من مذهب مالك وشرطه عندهم أن يكون البيع بعد بدو الصلاح، وأن يكون بتمر مؤجل إلى الجداد ولا يجوز كونه حالا واستدلوا على هذا التفسير بقوله في حديث سهل بن أبي حثمة وهو في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر بالتمر ورخص في العرية أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطبا . قالوا: فالمراد بأهلها الذين يشترونها فقد صاروا بشرائها أهلها ولا يتوقف ذلك على أن تكون أصول النخل ملكهم وفي صحيح مسلم من هذا الوجه رخص في بيع العرية النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا فلم يقيد ذلك بأهلها.

وقال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة يشهد لتأويل مالك أمران:

(أحدهما) أن العرية مشهورة بين أهل المدينة متداولة بينهم وقد نقلها مالك هكذا.

(والثاني) قوله لصاحب العرية فإنه يشعر باختصاصه بصفة يتميز بها عن غيره، وهي الهبة الواقعة.

(القول الثاني) روى ابن نافع عن مالك في رجل له نخلتان في حائط رجل فقال له صاحب الحائط أنا آخذها بخرصها إلى الجداد إن كان ذلك للرفق يدخله عليه يعني على صاحب النخلتين فلا بأس به، وإن كره دخوله ولم يرد أن يكفيه مؤنة السقي فهذا على وجه البيع ولا أحبه قال ابن عبد البر فهذه الرواية عن مالك على خلاف أصله في العرية أنها هبة الثمرة، وأن الواهب هو الذي رخص له في شرائها قال وهي رواية مشهورة عنه بالمدينة وبالعراق إلا أن العراقيين رووها عنه بخلاف شيء من معناها فذكرها الطحاوي عن ابن أبي عمران عن محمد بن شجاع عن ابن نافع عن مالك أن العرية النخلة والنخلتان للرجل في حائط غيره. والعادة بالمدينة أنهم يخرجون بأهليهم في وقت الثمار إلى حوائطهم فيكره صاحب النخل الكثير دخول الآخر عليه فيقول أنا أعطيك خرص نخلك تمرا فرخص لهما في ذلك قال ابن عبد البر هذه الرواية وما أشبهها عن مالك يضارع مذهب الشافعي في العرايا.

(القول الثالث) أن صورتها فيمن أعرى نخلة أو نخلتين لكن لا يختص البيع بالمعرى فله بيع تلك الثمرة ممن [ ص: 137 ] شاء فإذا باعها بمثل خرصها تمرا فهو العرايا، وحكي هذا عن زيد بن ثابت وعبد ربه بن سعيد ومحمد بن إسحاق ، وإليه ذهب أحمد بن حنبل كما ذكره ابن عبد البر فحكى عنه أبو بكر الأثرم أنه قال: أنا لا أقول فيها بقول مالك للمعري أن يبيعها فيمن شاء نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة أن يباع من كل واحد ورخص في العرايا أن تباع من كل واحد ومالك يقول يبيعها من الذي أعراها وليس هذا وجه الحديث عندي ويبيعها ممن شاء وكذلك فسره لي ابن عيينة وغيره. قيل له فإذا باع المعرى العرية له أن يأخذ التمر الساعة أو حتى يجد ؟ قال بل يأخذه الساعة على ظاهر الحديث.

(القول الرابع) قال الحنفية : العرية هي النخلة يهب صاحبها تمرها لرجل ويأذن له في أخذها فلا يفعل حتى يبدو لصاحبها أن يمنعه من ذلك فله منعه ؛ لأنها هبة غير مقبوضة ؛ لأن المعرى لم يكن ملكها فأبيح للمعري أن يعوضه بخرصها تمرا ويمنعه، وقال عيسى بن أبان منهم الرخصة في ذلك للمعرى أن يأخذ بدلا من رطب لم يملكه تمرا وقال غيره منهم الرخصة في ذلك للمعري ؛ لأنه كان يكون مخلفا لوعده فرخص له في ذلك وأخرج به من إخلاف الوعد حكاه ابن عبد البر وقال ليس للعرية عندهم مدخل في البيوع ولا يجوز عندهم لأحد أن يشتري تمر العرية غير المعطي وحده على الصفة المذكورة والعرية عندهم هبة غير مقبوضة.

قال: واحتج بعضهم بحديث معمر عن ابن طاوس عن أبي بكر بن محمد قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أصحاب الخرص أن لا يخرصوا العرايا قال: والعرايا أن يمنح الرجل من حائطه نخلا ثم يبتاعها الذي منحها إياه من الممنوح بخرصها. قالوا: فالعرية منحة وعطية لم تقبض فلذلك جاز فيها هذه الرخصة قال ابن عبد البر الآثار الصحاح تشهد بأن العرايا بيع الثمر بالتمر في مقدار معلوم مستثنى من المحظور في ذلك على حسب ما تقدم من الوصف في العرايا ومحال أن يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد في بيع ما لم يملك ؛ وقال قبل ذلك قالوا في العرايا قولا لا وجه له ؛ لأنه مخالف لصحيح الأثر في ذلك فوجب أن لا يعرج عليه قال، وإنكارهم للعرايا كإنكارهم للمساقاة مع صحتها ودفعهم لحديث التفليس إلى أشياء من [ ص: 138 ] الأصول ردوها بتأويل لا معنى له. وقال النووي في شرح مسلم بعد أن ذكر القول المبدوء به في تفسير العرايا وتأولها مالك وأبو حنيفة على غير هذا وظواهر الأحاديث ترد تأويلها. انتهى.

وقد رد ما قاله الحنفية بأوجه:

(أحدها) أن المنهي عنه في أول الخبر البيع واستثنى منه بيع العرايا، ولو كان المراد الهبة لما احتاج إلى استثنائه من جملة الخبر.

(الثاني) أنه قال فيه أرخص في بيع العرايا والرخصة لا تكون إلا عن حظر والحظر إنما كان في البيع ذلك لا في الرجوع عن الهبة قبل القبض. و (الثالث) أنهم لم يفرقوا هنا بين ذي رحم محرم وغيره حتى يجوز له الرجوع في حق الأجنبي دون غيره فإن كان الرجوع جائزا فليس إعطاؤه التمر بدله بيعا فإنما هو تجديد هبة أخرى.

و (الرابع): أن الرخصة قيدت بما دون خمسة أوسق والرجوع في الهبة لا يتقيد بذلك عندهم ولا عند غيرهم. وفسرها ابن حزم الظاهري بمثل تفسير الشافعي إلا أنه حتى عن الشافعي تقييد ذلك بأن يكون المشتري فقيرا لا مال له وخالفه في هذا التقييد وقال إن الشافعي ذكر فيه حديثا لا يدري أحد منشأه ولا مبدأه ولا طريقه ذكره بغير إسناد.

(قلت) والحديث المذكور قال الشافعي قيل لمحمود بن لبيد أو قال محمود بن لبيد لرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إما زيد بن ثابت ، وإما غيره ما عراياكم هذه قال فلان وفلان وسمى رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبا يأكلونه مع الناس وعندهم فضول من قوتهم من التمر فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم يأكلونها رطبا وجزم في موضع آخر بأن المسئول زيد بن ثابت حكاه البيهقي في المعرفة ثم قال قال الشافعي وحديث سفيان يدل على مثل هذا الحديث فإن قوله يأكلها أهلها رطبا خبر أن يبتاع العرية أي يبتاعها ؛ ليأكلها وذلك على أن لا رطب له في موضعها يأكله غيرها، ولو كان صاحب الحائط هو المرخص له أن يبتاع العرية ليأكلها كان له حائطه معها أكثر من العرايا يأكل من حائطه، ولم يكن عليه ضرر إلى أن يبتاع العرية التي هي داخلة في معنى ما وصفت من النهي. انتهى.

واعتبار الفقر في [ ص: 139 ] جواز ذلك هو أحد قولي الشافعي والقول الآخر أنه لا يختص بالفقر بل هو عام في حق كل أحد وهذا هو الأظهر الذي به الفتوى في مذهبه ثم ليس المراد بالفقر هنا ما يتبادر إلى الفهم، وإنما المراد به عدم النقد كما صرح به المتولي والجرجاني من أصحابنا قال الإمام تقي الدين السبكي وقصة محمود بن لبيد في سؤاله زيد بن ثابت ترشد له. قال: ونقل الروياني عن المزني أنه لا يجوز ذلك إلا للمعسر المضطر قال ولعل هذا تسمح في العبارة.

(قلت) لا شك في أنه لم يرد ظاهر الإعسار والاضطرار والظاهر أن مراده الإعسار من النقد فهو موافق لما تقدم والله أعلم .

(الثامنة) قوله بخرصها ضبطه القاضي أبو بكر بن العربي بكسر الخاء. وقال: إنه لا يجوز الفتح وقال النووي هو بفتح الخاء وكسرها الفتح أشهر ومعناه بقدر ما فيها إذا صار تمرا فمن فتح قال هو مصدر أي اسم للفعل ومن كسر قال هو اسم للشيء المخروص. انتهى. والخرص هو التخمين والحدس .

(التاسعة) الرخصة وردت في بيع الرطب على رءوس النخل بالتمر على وجه الأرض والبسر في معنى الرطب كما صرح به الماوردي من أصحابنا ووردت رواية في بيعه برطب أيضا وقد تقدم في الفائدة الأولى عزوها للصحيحين وفي سنن أبي داود والنسائي من حديث خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في العرايا بالتمر والرطب فتمسك بذلك بعض أصحابنا على جواز بيع الرطب على النخل برطب على الأرض أو على النخل وبه قال ابن خيران من أصحابنا وجوزه بعض أصحابنا فيما إذا كان على النخل ومنعه فيما إذا كان أحدهما على الأرض وقال بعضهم يجوز فيما إذا اختلف نوعهما ويمتنع مع الاتحاد وهذان الوجهان منقولان عن أبي إسحاق المروزي وقال أبو سعيد الإصطخري يحرم مطلقا وهذا هو الأصح عند جمهورهم قال النووي ويتأولون هذه الرواية على أن أو للشك لا للتخيير والإباحة بل معناها رخص في بيعها بأحد النوعين وشك فيه الراوي فيحمل على أن المراد التمر كما صرح به في سائر الروايات. انتهى.

وأما الرواية التي بالواو فقال ابن عبد البر ذكر الرطب في هذا الحديث ليس بمحفوظ إلا في هذا الإسناد وقد جعله بعض أهل [ ص: 140 ] العلم وهما وجعل القول به شذوذا ومن ذهب إليه قال رواته كلهم ثقات فقهاء عدول. (العاشرة) اختلف العلماء في أن هذه الرخصة هل يقتصر بها على مورد النص وهو النخل أم يتعدى إلى غيره على أقوال:

(أحدها) اختصاصها بالنخل وهذا قول الظاهرية على قاعدتهم في ترك القياس.

(الثاني) تعديهما إلى العنب بجامع ما اشتركا فيه من إمكان الخرص فإن ثمرتهما متميزة مجموعة في عناقيدها بخلاف سائر الثمار فإنها متفرقة مستترة بالأوراق لا يتأتى خرصها وبهذا قال الشافعي .

(الثالث) تعديها إلى كل ما ييبس ويدخر من الثمار وهذا هو المشهور عند المالكية وجعلوا ذلك علة الحكم في محل النص، وأناطوا الحكم به وجودا وعدما حتى قالوا لو كان البسر مما لا يتتمر والعنب مما لا يتزبب لم يجز شراء العرية منه بخرصها بل يخرج عن محل الرخصة ؛ لعدم العلة.

(الرابع) تعديها إلى كل ثمرة مدخرة وغير مدخرة وهذا قول محمد بن الحسن وهو قول عن الشافعي .

(الحادية عشرة) لم يقيد الرخصة في هذا الحديث بقدر مخصوص وفي الصحيحين وغيرهما من طريق مالك عن داود بن الحصين عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق شك داود فجعل الفقهاء هذا الحديث مخصصا لعموم تلك الأحاديث وقالوا تتقيد الرخصة بأقل من خمسة أوسق واختلفوا في جوازها في خمسة أوسق ؛ لأن الأصل تحريم بيع التمر بالرطب وجاءت العرايا رخصة وشك الراوي في خمسة أوسق أو دونها فوجب الأخذ باليقين وهو دون خمسة أوسق وبقيت الخمسة أوسق على التحريم وهذا مذهب الحنابلة والظاهرية وهو الذي رواه القاضي أبو الفرج من المالكية ورواية المصريين الجواز وهو المشهور عند المالكية وتوجيه جعل الخرص أصلا إلا في نخل يتيقن فيه المنع قال والدي - رحمه الله - في شرح الترمذي : ولقائل أن يقول تختص الرخصة بأربعة أوسق ؛ لأنه أكثر ما صرح به كما في حديث جابر الذي رواه البيهقي من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن جابر بن عبد الله قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة [ ص: 141 ] والمزابنة، وأذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها، ثم قال الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة .

قال وقوله دون خمسة أوسق محمول على الأربعة ؛ لأنها دونها فما زاد على الأربعة مشكوك فيه فلا ينبغي أن يتعدى بالرخصة عن القدر المحقق.

(قلت) هو قول قد حكاه ابن عبد البر في التمهيد فقال بعد حكاية القولين المتقدمين: وقال آخرون لا تجوز في أكثر من أربعة أوسق قال واحتجوا بما رواه ابن إسحاق فذكر حديث جابر المتقدم ثم قال ولا خلاف عن مالك والشافعي ومن اتبعهما في جواز العرايا في أكثر من أربعة أوسق إذا كانت دون خمسة أوسق ولم يعرفوا حديث جابر في الأربعة الأوسق ولم يثبت عندهم والله أعلم.

(الثانية عشرة) هذا الذي ذكرناه من اختصاص الجواز بخمسة أوسق أو بما دونها على الخلاف فيه أخذه ابن حزم الظاهري على ظاهره فقال لا يجوز لأحد أن يبلغ بذلك في عام واحد في صفقة ولا في صفقات خمسة أوسق أصلا لا البائع ولا المشتري ؛ لأنه يخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الجمهور المنع من الزيادة على ذلك إنما هو عند اتحاد الصفقة فأما مع اختلافها فلا منع، ولذلك تفاصيل قال الشافعية لو باع قدرا كثيرا في صفقات لا تزيد كل واحدة على هذا القدر المأذون فيه جاز وكذا لو باع في صفقة لرجلين بحيث يخص كل واحد القدر الجائز فلو باع رجلان لرجل فوجهان (أصحهما) أنه كبيع رجل لرجلين.

و (الثاني): كبيعه لرجل صفقة. ولو باع رجلان لرجلين صفقة لم يجز فيما زاد على عشرة أوسق ويجوز فيما دون العشرة وفي العشرة القولان وسواء في هذه الصورة كانت العقود في مجلس أو مجالس حتى لو باع رجل لرجل ألف وسق في مجلس واحد بصفقات كل واحدة دون خمسة أوسق جاز وقال المالكية لو تعدد المشتري أو البائع جاز إن اتحد الشق الآخر، وإن اتحدا أو تعددت الحوائط وقد أعراه من كل حائط قدر العرية فقال الشيخ أبو محمد هي كالحائط الواحد لا يشترى منه من جميعها أكثر من خمسة أوسق وتابعه على ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن وقال الشيخ أبو الحسن يجوز أن يشترى [ ص: 142 ] من كل واحد خمسة أوسق وقال أبو القاسم بن الكاتب إن كانت العرايا بلفظ فهي كالحائي الواحد، وإن كانت بألفاظ أزمان متغايرة فيجوز أن يشتري من كل واحد خمسة أوسق .

التالي السابق


الخدمات العلمية