صفحة جزء
باب بيع العقار وما يدخل فيه

عن همام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى رجل من رجل عقارا فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب فقال له الذي اشترى العقار خذ ذهبك مني إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب وقال الذي باع الأرض إنما بعتك الأرض وما فيها قال فتحاكما إلى رجل فقال الذي تحاكما إليه ألكما ولد قال أحدهما لي غلام وقال الآخر لي جارية قال أنكح الغلام الجارية وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا .


باب بيع العقار وما يدخل فيه

عن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى رجل من رجل عقارا فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب فقال له الذي اشترى العقار خذ ذهبك مني إنما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب وقال الذي باع الأرض إنما بعتك الأرض وما فيها ؛ قال فتحاكما إلى رجل فقال الذي تحاكما إليه ألكما ولد ؟ قال أحدهما لي غلام وقال الآخر لي جارية قال أنكح الغلام الجارية وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا ".

(فيه) فوائد:

(الأولى) أخرجه الشيخان من هذا الوجه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة .

(الثانية) [ ص: 143 ] ذكر البخاري هذا الحديث في ذكر بني إسرائيل وذلك يقتضي أن هذه القصة جرت فيهم وحينئذ فالاستدلال بها مبني على المسألة الأصولية المعروفة أن شرع من قبلنا هل شرع لنا أم لا والأكثرون على أنه ليس شرعا لنا وأراد البخاري بذكرها بيان مناقبهم ومسلم أوردها في الأقضية وذلك يقتضي أنه قصد الاستدلال بها وفيه ما تقدم. .

(الثالثة) العقار بفتح العين المهملة قال النووي هو الأرض وما يتصل بها وحقيقة العقار الأصل سمي بذلك من العقر بضم العين وفتحها وهو الأصل ومنه عقر الدابة بالضم والفتح. انتهى.

وقال في الصحاح العقار الأرض والضياع والنخل ويقال أيضا في البيت عقار حسن أي متاع وأداة وقال في المحكم العقر والعقار المنزل والضيعة وخص بعضهم بالعقار النخل وعقار البيت متاعه ونضده الذي لا يبتذل إلا في الأعياد والحقوق الكبار وقال في المشارق العقار الأصل من المال وقيل المنزل والضياع وقيل متاع البيت. انتهى.

فجعل ذلك خلافا والمعروف أنه مشترك والمراد هنا الأول.

(الرابعة) قوله (وقال بائع الأرض إنما بعتك الأرض وما فيها) لفظ لا إشكال فيه ولفظ البخاري (وقال الذي له الأرض) وهو بمعناه لأنه الذي كانت له الأرض قبل بيعها واختلفت في ذلك نسخ صحيح مسلم ففي أصلنا (الذي شرى الأرض) وحكاها أبو العباس القرطبي عن رواية السمرقندي وحكاها النووي عن أكثر النسخ وفي بعضها اشترى قال العلماء الأول أصح وشرى هنا بمعنى باع كما في قوله تعالى وشروه بثمن بخس ولهذا قال: فقال الذي شرى الأرض إنما بعتك، وحكى القرطبي الرواية التالية عن غير السمرقندي قال وفيها بعد ؛ لأن المشتري هو الذي تقدم ذكره وهو هنا البائع ولا يصح أن يقال عليه مشتر لا إن صح في اشترى أنه من الأضداد كما قلناه في شرى، والأول هو المعروف. انتهى.

(الخامسة) قوله (فتحاكما إلى رجل) قال القرطبي ظاهره أنهما حكماه في ذلك وأنه لم يكن حاكما منصوبا للناس مع أنه يحتمل ذلك وفي ظاهره يكون فيه لمالك حجة على صحة قوله: إن المتداعيين إذا حكما بينهما من له أهلية الحكم صح ولزمهما حكمه ما لم يكن جورا سواء وافق ذلك الحكم رأي قاضي البلد أو خالفه وقال [ ص: 144 ] أبو حنيفة إن وافق رأيه رأي قاضي البلد نفذ وإلا فلا واختلف قول الشافعي فقال مثل قول مالك وقال أيضا لا يلزم حكمه ويكون ذلك كالفتوى منه وبه قال شريح . انتهى.

(قلت) الصحيح من مذهب الشافعي جواز التحكيم في غير حدود الله تعالى ولكن ما عرفت من أين للقرطبي أن ظاهره أن هذا لم يكن حاكما وإنما كان محكما فاللفظ محتمل كما ذكره آخرا وقد سماه النووي في تبويبه في شرح مسلم حاكما. .

(السادسة) قال القرطبي أيضا: وهذا الرجل المحكم لم يحكم على أحد منهما وإنما أصلح بينهما بأن ينفقا ذلك المال على أنفسهما وعلى ولديهما ويتصدقا وذلك أن هذا المال ضائع إذ لم يدعه أحد لنفسه ولعله لم يكن لهم بيت مال فظهر لهذا الرجل أنهما أحق بذلك المال من غيرهما من المستحقين لزهدهما وورعهما وحسن حالهما ولما ارتجى من طيب نسلهما وصلاح ذريتهما. .

قال الماوردي : واختلف عندنا فيمن ابتاع أرضا فوجد فيها شيئا مدفونا هل يكون ذلك للبائع أو للمشتري ؟ فيه قولان. قال القرطبي : ويعني بذلك ما يكون من أنواع الأرض كالحجارة والعمد والرخام ولم يكن خلقة فيها، وأما ما يكون من غير أنواع الأرض كالذهب والفضة فإن كان من دفن الجاهلية كان ركازا، وإن كان من دفن المسلمين فهو لقطة، وإن كان جهل ذلك كان مالا ضائعا فإن كان هنالك بيت مال حفظ فيه، وإن لم يكن صرف في الفقراء والمساكين وفيمن يستعين به على أمور الدين وفيما أمكن من مصالح المسلمين. انتهى.

وجزم أصحابنا الشافعية بأنه يدخل في بيع الأرض الحجارة المخلوقة فيها والمثبتة وبأنه لا يدخل فيها الكنوز والأقمشة والحجارة المدفونة. .

(السابعة) هذه الواقعة يحتمل أن تكون صورتها أنه باعه العقار مطلقا وبنى البائع على دخول الذهب الذي فيها في الإطلاق وبنى المشتري على أنه لا يدخل. والحكم فيها في هذه الشريعة على مذهب الشافعي وغيره عدم الدخول كما تقدم فالمصدق في ذلك المشتري، والذهب باق على ملك البائع ويحتمل أن تكون صورتها أن البائع يقول: إنه وقع تصريح ببيع الذهب مع العقار والمشتري يقول لم يقع تصريح بذلك، وإنما وقع التصريح ببيع العقار خاصة والحكم في هذه المسألة عندنا أن المتبايعين [ ص: 145 ] يتحالفان لاختلافهما في قدر المبيع فيحلف كل منهما يمينا يجمع النفي والإثبات حيث لا يكون هناك بينة فإذا تحالفا فسخ البيع إن لم يرض أحدهما بما قال الآخر، ورجع العقار والذهب إلى البائع وقد ظهر بذلك أن قول القرطبي إن هذا مال ضائع إذ لم يدعه أحد لنفسه مردود، وإنما كان يكون كذلك لو قال البائع ليس هذا الذهب لي أصلا وحينئذ فيرجع إلى بائعه وهكذا حتى ينتهي إلى المجبي وأما في هذه الصورة فإن البائع معترف بأن الذهب كان له وباعه ألا ترى قوله إنما بعتك الأرض وما فيها، وإنما الاحتمال في أن يبيعه ما فيها هل كان بالتنصيص عليه أو بدخوله تحت لفظ الأرض وتبعيته لها في الحكم على ما قدمته من الاحتمالين وحكمهما عندنا وهذا الذي وقع من كلاميهما يسمى عند البيانيين قصر إفراد ؛ لأن البائع يدعي ثبوت الحكم لشيئين وهو الأرض والذهب والمشتري يقصر ذلك على أحدهما وهو الأرض ولو كان البائع يدعي بيع الذهب دون الأرض والمشتري ذلك في الأرض دون الذهب لكان قصر قلب والله تعالى أعلم .

(الثامنة) وفيه فضل الإصلاح بين المتنازعين وأن القاضي يستحب له الإصلاح بين المتنازعين كما يستحب لغيره وقد عد أصحابنا ذلك من وظائف القضاء لكنه ليس من وظائفه الخاصة به والله أعلم.

(التاسعة) الولد بفتح الواو واللام وبضم الواو وكسرها مع سكون اللام فيهما يكون مفردا وجمعا وهو هنا محتمل لهما فإن كان التقدير ألكل منكما ولد فهو مفرد، وإن كان التقدير ألمجموعكما ولد فالمراد الجمع إذ لا يمكن أن يكون للرجلين ولد واحد قال الجوهري وقد يكون الولد جمع الولد مثل أسد وأسد.

(العاشرة) قوله أنفقوا كذا في روايتنا ورواية البخاري ومسلم ولعل الجمع ؛ لأن الاتفاق قد يكون بيد الوالدين وقد يكون بين الولدين لكنه قال بعده وتصدقا فثنى الضمير ولعل ذلك ؛ لأن الصدقة تبرع فلا تصدر إلا من المالك الرشيد والولدان ليس لهما ملك في ذلك وقد يكونان مع ذلك صغيرين أو سفيهين وقوله على أنفسهما كذا هو بضمير الغيبة في روايتنا ورواية [ ص: 146 ] البخاري وفي رواية مسلم أنفسكما بضمير الخطاب .

التالي السابق


الخدمات العلمية