صفحة جزء
وعن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها وعن أبي سلمة أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنكح المرأة وخالتها ولا المرأة وعمتها زاد مسلم وعمة أبيها بتلك المنزلة .


الحديث الثاني .

وعن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها وعن أبي سلمة أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنكح المرأة وخالتها ولا المرأة وعمتها .

(فيه) فوائد : (الأولى) أخرجه من الطريق الأولى البخاري ومسلم والنسائي من طريق مالك عن أبي الزناد ، وأخرجه النسائي أيضا من رواية جعفر بن ربيعة كلاهما عن الأعرج وأخرجه من الطريق الثانية مسلم من رواية شيبان بن عبد الرحمن وهشام الدستوائي فرفعهما والنسائي من رواية أبي إسماعيل القناد ثلاثتهم عن يحيى بن أبي كثير ومسلم والنسائي أيضا من رواية عمرو بن دينار كلاهما عن أبي سلمة . وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه من رواية محمد بن سيرين وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي من طريق الزهري عن قبيصة بن ذؤيب ومسلم والنسائي والبخاري تعليقا من طريق [ ص: 30 ] الشعبي كلهم عن أبي هريرة وفي رواية قبيصة بن ذؤيب في صحيح البخاري قال ابن شهاب : فنرى خالة أبيها بتلك المنزلة ؛ لأن عروة حدثني عن عائشة قالت ( حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب ) . وفي صحيح مسلم قال ابن شهاب فنرى خالة أبيها وعمة أبيها بتلك المنزلة ولفظ رواية الشعبي لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها ولا تنكح الكبرى على الصغرى ولا الصغرى على الكبرى . لفظ أبي داود ولفظ الترمذي بمعناه وهو عند الشافعي مختصر .

وقال الشافعي رحمه الله : لم يرو من وجه يثبته أهل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عن أبي هريرة وقد روي من حديث لا يثبته أهل الحديث من وجه آخر حكاه عنه البيهقي ثم قال : والذي قال من رواية هذا الحديث من غير جهة أبي هريرة فهو كما قال ، روي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأبي سعيد وأنس بن مالك ومن النسائي عن عائشة كلهم عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن شيئا من هذه الروايات ليس من شرط صاحبي الصحيح البخاري ومسلم وإنما اتفقا ومن قبلهما ومن بعدهما من حفاظ الحديث على إثبات حديث أبي هريرة في هذا الباب والاعتماد عليه دون غيره . وقد أخرج البخاري رواية عاصم الأحول عن الشعبي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ثم قال : وقال داود بن أبي هند وابن عون عن الشعبي عن أبي هريرة فالحفاظ يرون رواية عاصم خطأ وأن الصحيح رواية ابن عون وداود وقال الإمام علاء الدين بن التركماني معترضا على البيهقي قد أثبته أهل الحديث من رواية اثنين غير أبي هريرة فأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس وأخرجه الترمذي أيضا . وقال : حسن صحيح وأخرجه البخاري من حديث جابر كما ذكره البيهقي فيحمل على أن الشعبي سمعه منهما أعني أبا هريرة وجابرا وهذا أولى من تخطئة أحد الطرفين إذ لو كان كذلك لم يخرجه البخاري في صحيحه على أن داود بن أبي هند اختلف عنه فيه فروى عنه عن الشعبي كما ذكر البيهقي ، وأخرجه مسلم من حديثه عن ابن سيرين عن أبي هريرة ولا يلزم من كون الشيخين لم يخرجاه [ ص: 31 ] أن لا يكون صحيحا كما عرف . وقال والدي رحمه الله في شرح الترمذي وما قاله من أنه يحتمل سماع الشعبي له منهما صرح به حماد بن سلمة في روايته لهذا الحديث عن عاصم عن الشعبي عن جابر وأبي هريرة كذلك ذكره الحافظ أبو الحجاج المزي في الأطراف إلا أن البيهقي حكى عن الحفاظ أن رواية عاصم خطأ إذا تقرر ذلك فما قاله الشافعي رضي الله عنه صحيح عنده ؛ لأن حديث جابر وإن أخرجه البخاري فإنه عقبه بذكر الاختلاف فيه . وكل من داود وابن عون لو انفرد أولى من عاصم الأحول لأنهما مجمعان على ثقتهما لا نعلم أحدا تكلم فيهما ، وتكلم في عاصم غير واحد فكان يحيى القطان لا يحدث عنه يستضعفه .

وقال أبو أحمد الحاكم ليس بالحافظ عندهم ولم يحمل عنه ابن إدريس لسوء ما في سيرته ولسنا نريد بذلك تضعيف عاصم بل ترجيح روايتهما عليه فهذان وجهان من وجوه الترجيح كثرة الرواة وكونهما مجمعا على ثقتهما ، ثم أخذ والدي رحمه الله يعين ضعف جميع أحاديث الباب غير حديث أبي هريرة إما مطلقا وإما على طريقة الشافعي فليراجع ذلك من كلامه وقال ابن عبد البر : كان بعض أهل الحديث يزعم أن هذا الحديث لم يروه أحد غير أبي هريرة وقد رواه علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو وجابر كما رواه أبو هريرة قال والدي رحمه الله في شرح الترمذي ولم يسم ابن عبد البر قائل ذلك من أهل الحديث وأظنه أراد به الشافعي فإن كان أراد فهو لم يقل لم يروه وإنما قال : لم يثبت ثم قال ابن عبد البر : وأظن قائل ذلك القول لم يصحح حديث الشعبي عن جابر وصحح حديث الشعبي عن أبي هريرة والحديثان جميعا صحيحان .

(الثانية) قوله : لا يجمع قال أبو العباس القرطبي : الرواية فيه بالرفع على الخبر من المشروعية فيتضمن النهي عن ذلك قلت : وكذا قوله في الرواية الثانية لا تنكح المرأة وخالتها هو بالرفع أيضا على الخبر وهو بمعنى النهي .

(الثالثة) فيه تحريم الجمع في النكاح بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها وهو مجمع على تحريمه كما حكاه ابن المنذر وابن عبد البر والنووي وغيرهم ، وقال الشافعي رضي الله عنه هو قول من لقيت من المفتين لا اختلاف بينهم فيما علمته حكاه عنه البيهقي في المعرفة [ ص: 32 ] وقال النووي بعد حكايته : إجماع العلماء في ذلك ، وقالت طائفة من الخوارج والشيعة : يجوز ، وقال أبو العباس القرطبي : أجاز الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها ولا يعتد بخلافهم ؛ لأنهم مرقوا من الدين وخرجوا منه ولأنهم مخالفون للسنة الثابتة في ذلك . انتهى .

وذكره الأختين هنا سبق قلم ، فلم يخالف في هذا أحد وهو منصوص القرآن ، وحكى الشيخ تقي الدين في شرح العمدة تحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها عن جمهور الأمة ولم يعين القائل بمقالته ، وقال ابن حزم على هذا جمهور الناس إلا عثمان البتي فإنه أباحه .

(الرابعة) لا يختص ذلك بالعمة الحقيقية التي هي أخت الأب ولا بالخالة الحقيقية التي هي أخت الأم بل أخت أبي الأب أو أبي الجد وإن علا وأخت أم الأم وأم الجدة من جهتي الأب والأم ، وإن علت كذلك في التحريم بلا خلاف .

(الخامسة) في معنى عمة النسب وخالته عمة الرضاع وخالته لقوله عليه الصلاة والسلام يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب وهذا مجمع عليه أيضا ، وقد ضبط الفقهاء من أصحابنا وغيرهم ذلك بقولهم : يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع لو كانت إحداهما ذكرا لحرمت المناكحة بينهما وقصدوا بقيد القرابة والرضاع الاحتراز عن الجمع بين المرأة وأم زوجها وبنت زوجها فإن هذا الجمع غير محرم ، وإن كان يحرم الجمع بينهما لو كان أحدهما ذكرا لكنه ليس بقرابة ولا رضاع بل بمصاهرة وليس فيها رحم يحذر قطعها بخلاف الرضاع والقرابة ، وهذا الذي ذكرته من الإباحة في هذه الصورة هو قول الأئمة الأربعة وجمهور السلف ، وقال ابن المنذر روينا عن الحسن البصري وعكرمة أنهما كرها ذلك فأما الحسن فقد ثبت عنه رجوعه عن هذا ، وأما إسناد حديث عكرمة ففيه مقال وحكاه النووي والقرطبي عن الحسن وعكرمة وابن أبي ليلى وذكر ابن عبد البر عن الشعبي أنه قال : كل امرأتين إذا جعلت موضع إحداهما ذكرا لم يجز أن تتزوج بالأخرى فالجمع بينهما باطل فقيل له : عمن هذا ؟ فقال : عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سفيان الثوري تفسيره عندنا أن يكون من النسب ولا يكون بمنزلة امرأة وابنة زوجها يجمع بينهما إن شاء قال ابن عبد البر : وعلى هذا سائر فقهاء الأمصار من أهل الحديث [ ص: 33 ] وغيرهم لا يختلفون في هذا الأصل قال : وقد كرهه قوم من السلف والذي عليه الفقهاء أنه لا بأس به وقال ابن حزم في هذا اختلاف قديم لا نعلم أحدا يقول به الآن ، وحكى صاحب الهداية هذا المذهب الشاذ عن زفر وخرج بهذا الضابط بنتا العم وبنتا الخالة ونحوهما فيجوز الجمع بينهن بالإجماع إلا ما حكاه ابن عبد البر والقاضي عياض عن بعض السلف أنه حرمه وهو قول بلا دليل ويرده قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم من غير معارض وحكى ابن عبد البر عن قتادة أنه يكره من أجل القطيعة وعن مالك أن ناسا ليتقونه ، وقال مرة غيره أحسن منه ، وحكى ابن المنذر كراهة الجمع بينهما عن عطاء وجابر بن زيد وسعيد بن عبد العزيز ثم قال : الجمع بينهما جائز ولا أعلم أحدا أبطله .

(السادسة) لا يختص ذلك بالنكاح بل يحرم جمعهما بملك اليمين في الوطء لا في أصل الملك فله أن يملك أختين وجارية وعمتها وجارية وخالتها ولكن لا يجمع بينهما في الوطء فإذا وطئ إحداهما حرمت عليه الأخرى حتى يحرم الأولى على نفسه إما بإزالة الملك كبيع كلها أو بعضها أو هبته مع الإقباض أو بالإعتاق ، وإما بإزالة الحل بالتزويج أو الكتابة ولا يكفي الحيض والإحرام والعدة عن وطء شبهة ؛ لأنها أسباب لم تزل الملك ولا الاستحقاق وكذا الردة لا تبيح الأخرى وكذا الرهن على الأصح ولو باع بشرط الخيار فحيث يجوز للبائع الوطء لا تحل به الثانية وحيث لا يجوز فيه وجهان قالالإمام الوجه عندي القطع بالحل ولا يكفي استبراء الأولى ؛ لأنه لا يزيل الفراش وعن القاضي حسين أن القياس الاكتفاء به ؛ لأنه يدل على البراءة وعن القاضي أبي حامد قال : غلط بعض أصحابنا فقال : إذا قال : حرمتها على نفسي حرمت عليه وحلت الأخرى هذا كلام أصحابنا الشافعية واكتفى الحنابلة باستبرائها وعندهم وجهان [ ص: 34 ] في الاكتفاء بالكتابة وقال أبو الخطاب من الحنابلة : ليس له الإقدام على وطء إحداهما حتى يحرم الأخرى بما تقدم وبه قال ابن حزم الظاهري ، والجمهور من الحنابلة وغيرهم من العلماء على أن له الإقدام على وطء أيتهما شاء ، فإذا وطئ واحدة حرمت الأخرى وقال المالكية : لا يكفي هبتها لمن يعتصرها منه ولو يتيما في حجره إذ له انتزاعها بالبيع وعن أحمد رواية أنه لا يحرم الجمع في الوطء بملك اليمين وإنما يكره فقط وحكى أبو العباس القرطبي جوازه عن بعض السلف ، قال : وهو خلاف شاذ ، وحكاه النووي عن الشيعة وأنهم قالوا : إن الآية إنما هي في النكاح قال : وقولهم : إنه مختص بالنكاح لا يقبل بل جميع المذكورات في الآية محرمات بالنكاح وبملك اليمين جميعا ومما يدل عليه قوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم فإن معناه أن ملك اليمين يحل وطؤها بملك اليمين لإنكاحها فإن عقد النكاح عليها لا يجوز لسيدها . انتهى .

وقال ابن المنذر : اختلف فيه عن ابن عباس فروى عنه أنه قال (حرمتها آية وأحلتها آية ولم أكن أفعله) وروى البيهقي مثله عن عثمان وأن رجلا آخر من الصحابة قال : لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا ، قال الزهري أراه علي بن أبي طالب .

(السابعة) قال النووي احتج الجمهور بهذه الأحاديث وخصوا بها قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم والصحيح الذي عليه جمهور الأصوليين تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مبين للناس ما نزل إليهم من كتاب الله وقال صاحب الهداية من الحنفية : هذا مشهور تجوز الزيادة على الكتاب بمثله .

(الثامنة) ذكر العلماء أن العلة في ذلك ما يفضي إليه من قطع الأرحام الناشئ عن التباغض الذي يثور من الغيرة ولا يرد على ذلك إباحة الجمهور الجمع بين بنتي العم ونحوهما ؛ لأن ذلك آكد في المحارم فلا يلزم طرده في غيرهن ويدل لهذا التعليل ما رواه ابن حبان في صحيحه عن ابن عباس قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوج المرأة على العمة والخالة قال : إنكن إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن وفي مصنف ابن أبي شيبة عن عيسى بن طلحة مرسلا قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة .

التالي السابق


الخدمات العلمية