صفحة جزء
باب الرضاع .

عن عروة عن عائشة قالت جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن سالما كان يدعى لأبي حذيفة ، وإن الله عز وجل قد أنزل في كتابه ادعوهم لآبائهم وكان يدخل علي ، وأنا فضل ، ونحن في منزل ضيق فقال : أرضعي سالما تحرمي عليه ، ورواه مسلم ، وفي رواية له قالت وكيف أرضعه ، وهو رجل كبير ، وكان قد شهد بدرا ، وفي رواية له فقالت إنه ذو لحية فقال أرضعيه يذهب ما في وجه أبي حذيفة ، وله (أن أم سلمة كانت تقول أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة ، وقلن لعائشة ، والله ما نرى هذه إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة) ، وللترمذي ، وصححه من حديث أم سلمة لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء من الثدي وكان قبل الفطام ، وللدارقطني بإسناد جيد من حديث ابن عباس لا رضاع إلا ما كان في الحولين .


[ ص: 131 ] باب الرضاع عن عروة عن عائشة قالت جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إن سالما كان يدعى لأبي حذيفة ، وإن الله عز وجل قد أنزل في كتابه أدعوهم لآبائهم ، وكان يدخل علي ، وأنا فضل ، ونحن في منزل ضيق فقال أرضعي سالما تحرمي عليه (فيه) فوائد :

(الأولى) أخرجه أبو داود من رواية يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة ، وأم سلمة أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس كان تبنى سالما ، وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة ، وهو مولى لامرأة من الأنصار . كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا ، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه ، وورث ميراثه حتى أنزل الله عز وجل في ذلك ادعوهم لآبائهم إلى قوله فإخوانكم في الدين ومواليكم فردوا إلى آبائهم فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخا في الدين فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشي ثم العامري ، وهي امرأة أبي حذيفة فقالت يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا فكان يأوي معي ، ومع أبي حذيفة [ ص: 132 ] في بيت واحد ، ويراني فضلا . وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت فكيف ترى فيه فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أرضعيه فأرضعته خمس رضعات فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة فبذلك كانت عائشة تأمر بنات أخواتها ، وبنات إخوتها أن يرضعن من أحبت عائشة أن يراها ، ويدخل عليها ، وإن كان كبيرا خمس رضعات ثم يدخل عليها ، وأبت أم سلمة ، وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد ، وقلن لعائشة ، والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي صلى الله عليه وسلم لسالم دون الناس ، وقوله في هذه الرواية ، وأنكحه ابنة أخيه هند جاء في رواية أخرى أنها فاطمة . وقال ابن عبد البر إنه الصواب ، وأخرجه البخاري في المغازي من صحيحه من طريق عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة أن أبا حذيفة ، وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تبنى سالما فذكره بمعناه إلى قوله فجاءت سهلة النبي صلى الله عليه وسلم قال فذكر الحديث : ولم يسق البخاري بقيته ، وساقها البيهقي في سننه من هذا الوجه كرواية أبي داود ، ورواه البخاري أيضا من رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن عروة عن عائشة ، وساق منه إلى قوله ، وقد أنزل الله ما قد علمت ، وقال فذكر الحديث ، وعزو البيهقي هذه الرواية ، والتي قبلها للبخاري يوهم أنه أخرج منه رضاع الكبير الذي بوب عليه البيهقي [ ص: 133 ] وليس كذلك . ولهذا اقتصر الشيخ رحمه الله في النسخة الكبرى من الأحكام على عزو الحديث لمسلم لأن المقصود منه لم يخرجه البخاري لكنه سكت عليه في الصغرى ، ومقتضاه اتفاق الشيخين عليه ، والمراد حينئذ أصل الحديث ، وأخرج النسائي من رواية شعيب بن أبي حمزة هذه إلى قوله ، وأخا في الدين ، وأخرجه النسائي أيضا من رواية جعفر بن ربيعة عن الزهري كتابة عن عروة عن عائشة ، وفيه فأرضعته خمس رضعات ، ورواه الشافعي في الأم عن مالك عن الزهري عن عروة مرسلا ، وفيه ، وقلن ما نرى الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم سهلة بنت سهيل إلا رخصة في سالم وحده ، وكذا هو في الموطإ . وقال ابن عبد البر هذا يدخل في المسند للقاء عروة عائشة ، وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وللقاء سهلة بنت سهيل وقد رواه عثمان بن عمر عن مالك متصل الإسناد بذكر عائشة ثم رواه كذلك ثم حكي عن الدارقطني أنه قال وقد رواه عبد الرزاق ، وعبد الكريم بن روح ، وإسحاق بن عيسى ، وقيل عن ابن وهب عن مالك ، وذكروا في إسناده عائشة أيضا . وأخرجه مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه من طريق سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم ، وهو حليفه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أرضعيه قالت وكيف أرضعه ، وهو رجل كبير فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال قد علمت أنه رجل كبير . وفي رواية ، وكان قد شهد بدرا لفظ مسلم ، وزاد النسائي ، واللفظ له ، وابن ماجه ثم جاءت بعد فقالت والذي بعثك بالحق ما رأيت في وجه أبي حذيفة بعد شيئا أكرهه ثم قال النسائي خالفه سفيان الثوري فأرسل الحديث ثم رواه من طريق الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه مرسلا ، ورواه ابن عبد البر في التمهيد من طريق علي بن حرب عن ابن عيينة ، وفيه قالت ، وهو شيخ كبير فقال النبي صلى الله عليه وسلم أو لست أعلم أنه شيخ كبير . وأخرجه مسلم ، والنسائي من طريق ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة ، وفيه أرضعيه تحرمي عليه ، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة فرجعت إليه فقالت إني قد أرضعته فذهب الذي في نفس أبي حذيفة ، وأخرجه النسائي من رواية يحيى بن سعيد [ ص: 134 ] ، وربيعة الرأي عن القاسم عن عائشة قالت أمر النبي صلى الله عليه وسلم امرأة أبي حذيفة أن ترضع سالما مولى أبي حذيفة حتى تذهب غيرة أبي حذيفة فأرضعته ، وهو رجل . قال ربيعة ، وكانت رخصة سالم ، وأخرجه مسلم ، والنسائي من رواية زينب بنت أبي سلمة قالت سمعت أم سلمة تقول لعائشة ، والله ما تطيب نفسي أن يراني الغلام قد استغنى عن الرضاعة فقالت لم ، قد جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني لأرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضعيه فقالت إنه ذو لحية فقال أرضعيه يذهب ما في نفس أبي حذيفة فقالت ، والله ما عرفته في وجه أبي حذيفة . وأخرجه ابن ماجه من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة ، وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت لقد نزلت آية الرجم ، ورضاعة الكبير عشرا ، ولقد كانت في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها .

(الثانية) سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشية العامرية تزوجها عبد الرحمن بن عوف بعد استشهاد زوجها باليمامة ، وسالم هو ابن معقل بفتح الميم ، وإسكان العين المهملة ، وكسر القاف يكنى أبا عبد الله كان من الفرس يكنى عبدا لثبيتة بضم الثاء المثلثة ، وبفتح الباء الموحدة ، وإسكان الياء المثناة من تحت بعدها ياء مثناة من فوق . وقيل : بثينة بضم الباء الموحدة ، وفتح الثاء المثلثة ، وإسكان الياء المثناة من تحت بعدها نون ، وقيل عمرة ، وقيل سلمى بنت يعار بفتح الياء المثناة من تحت ، وقيل المثناة من فوق الأنصارية فأعتقت سائبة فانقطع إلى أبي حذيفة ، وهو ابن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ، واسمه قيس كما جزم به ابن عبد البر في التمهيد ، وحكاه عن ابن اليرقي ، ولم يذكر ذلك في الاستيعاب بل قال يقال اسمه مهشم ، ويقال هشيم وقيل هاشم فتبناه حتى جاء الشرع بإبطال ذلك ، وكانا من أفاضل الصحابة ، واستشهدا باليمامة سنة اثنتي عشرة فوجد رأس أحدهما عند رجلي الآخر ، وقولها كان يدعى لأبي حذيفة أي ينسب إليه .

(الثالثة) قولها (وأنا فضل) بضم الفاء ، والضاد المعجمة قال الخطابي أي ، وأنا متبذلة في ثياب مهنتي يقال تفضلت المرأة إذا تبدلت في ثياب مهنتها ، وذكر [ ص: 135 ] مثله صاحب النهاية ، وزاد أو كانت في ثوب واحد .

وقال ابن عبد البر قال الخليل : رجل متفضل ، وفضل إذا توشح بثوب فخالف بين طرفيه على عاتقه قال ، ويقال امرأة فضل ، وثوب فضل فمعنى الحديث عندي أنه كان يدخل عليها ، وهي منكشف بعضها مثل الشعر ، واليد ، والوجه يدخل عليها ، وهي كيف أمكنها .

وقال ابن وهب فضل مكشوفة الرأس ، والصدر ، وقيل الفضل الذي عليه ثوب واحد ، ولا إزار تحته ، وهذا أصح لأن انكشاف الصدر من الحرة لا يجوز أن يضاف إلى أهل الدين عند ذي محرم فضلا عن غير ذي محرم لأن الحرة عورة مجتمع على ذلك منها إلا وجهها ، وكفيها انتهى .

ويوافق ما صححه ابن عبد البر قول الصحاح تفضلت المرأة في بيتها إذا كانت في ثوب واحد كالخيعل ، ونحوه أي ، وهو بالخاء المعجمة ، والعين المهملة قميص ليس له كمان ، وذلك الثوب مفضل بكسر الميم ، والمرأة فضل بالضم مثال جنب ، وكذلك الرجل ، وإنه لحسن الفضلة عن أبي زيد مثال الجلسة والركبة ، ويوافق المحكي عن الخليل كلام صاحب المحكم فقال التفضل التوشح ، وأن يخالف اللابس بين أطراف ثوبه على عاتقه يقال ثوب فضل ، ورجل متفضل ، وفضل ، وكذلك الأنثى ، والمفضل ، والمفضلة الثوب الذي تتفضل فيه المرأة انتهى .

(الرابعة) استدل به على ثبوت حكم الرضاع بإرضاع البالغ كما يثبت بإرضاع الطفل ، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين ، وحكاه النووي عن داود الظاهري ، وبه قال ابن حزم ، وحكاه عن علي بن أبي طالب أنه قيل له إني أردت أن أتزوج امرأة قد سقتني من لبنها ، وأنا كبير تداويت به فقال علي لا تنكحها ، ونهاه عنها ، وعن عطاء بن أبي رباح مثله قال ابن جريج فقلت له ، وذلك رأيك قال نعم كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها قال ، وهو قول الليث بن سعد ، وحكاه ابن عبد البر عنه ، وعن ابن علية قال ، وروي عن علي ، ولا يصح عنه ، وذهب جمهور العلماء من الصحابة ، والتابعين ، ومن بعدهم إلى أنه لا يثبت حكم الرضاع إلا بالإرضاع في الصغر ، وتقدم من سنن أبي داود وأبت أم سلمة ، وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن بتلك الرضاعة أحدا من الناس حتى يرضع في المهد ، وقلن لعائشة ، والله ما ندري لعلها كانت رخصة من النبي صلى الله عليه وسلم لسالم دون الناس ، وروى مسلم [ ص: 136 ] ، والنسائي ، وابن ماجه عن أم سلمة أنها كانت تقول أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة ، وقلن لعائشة ، والله ما ندري ، هذه رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ، ولا رائينا ، وقال أبو الوليد الباجي قد انعقد الإجماع على خلاف التحريم برضاعة الكبير قال القاضي عياض لأن الخلاف إنما كان أولا ثم انقطع انتهى .

ثم اختلف العلماء في السن الذي يختص التحريم بالإرضاع فيه على أقوال :

(أحدها) أنه حولان على طريق التحديد من غير زيادة فمتى وقع الرضاع بعدهما ، ولو بلحظة لم يترتب عليه حكم ، وهذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وأبي ثور ، وحكاه ابن عبد البر عن الحسن بن حي ، وحكاه ابن حزم عن ابن شبرمة وسفيان الثوري وداود ، وأصحابهم ، وحكاه ابن عبد البر عن داود أيضا ، وهذا يخالف نقل النووي عن داود قال ابن حزم ، ورواه ابن وهب عن مالك ثم رجع عنه ، قال أصحابنا ، ويعتبر الحولان بالأهلة فإن انكسر الشهر الأول اعتبر ثلاثة وعشرون شهرا بعده بالأهلة ، ويكمل المنكسر ثلاثين من الشهر الخامس والعشرين قال ، ويحسب ابتداؤهما من وقت انفصال الولد بتمامه ، وقال الروياني لو خرج نصف الولد ثم بعد مدة خرج باقيه فابتداء الحولين في الرضاع عند ابتداء خروجه ، وحكى ابن كج فيه وجهين ، وحكى وجهين أيضا فيما لو ارتضع قبل انفصال جميعه هل يتعلق به تحريم ، واحتج هؤلاء بقوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وبقوله عليه الصلاة والسلام إنما الرضاعة من المجاعة ، وهو في الصحيحين من حديث مسروق عن عائشة قال ابن عبد البر ، وهو خلاف رواية أهل المدينة عن عائشة ، ولكن العمل بالأمصار على هذا انتهى .

ومعناه أن الرضاعة التي يحصل بها الحرمة ما كان في الصغر والرضيع طفل يقوته اللبن ، ويسد جوعه بخلاف ما بعد ذلك من الحال التي لا يشبعه فيها إلا الخبز واللحم ، وما في معناهما ، ويدل لذلك أيضا ما رواه الترمذي ، والنسائي عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء من الثدي [ ص: 137 ] وكان قبل الفطام قال الترمذي حسن صحيح ، وقوله فتق الأمعاء بالفاء والتاء أي وسعها لاغتذاء الصبي به وقت احتياجه إليه ، وروى الدارقطني من طريق الهيثم بن جميل عن سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا رضاع إلا ما كان في الحولين قال الدارقطني لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل ، وهو ثقة حافظ انتهى ، وهذا الحديث نص في هذه المقالة .

(القول الثاني) أنه يعتبر حكمه ، ولو كان بعد الحولين بمدة قريبة ، وهو مستمر الرضاع أو بعد يومين من فصاله ، وهذا هو المشهور من مذهب مالك ، وفي القريبة عندهم أقوال قبل أيام يسيرة ، وقيل شهر ، وقيل شهران ، وقيل ثلاثة قال أبو العباس القرطبي ، وكأن مالكا رحمه الله يشير إلى أنه لا يفطم الصبي دفعة واحدة في يوم واحد بل في أيام ، وعلى تدريج فتلك الأيام التي يحاول فيها فطامه حكمها حكم الحولين لقضاء العادة بمعاودته الرضاع فيها .

(القول الثالث) تقدير ذلك بسنتين ونصف ، وهو قول أبي حنيفة ، وجعل قوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا دالا على تقدير كل من الحمل ، والفصال بذلك كالأجل المضروب للمدينين ، وقال صاحبه والشافعي هذه المدة للمجموعة ، وقد دل قوله تعالى يرضعن أولادهن حولين كاملين على حصة الفصال من ذلك فصارت بقية المدة ، وهي ستة أشهر للحمل ، وهي أقله مع أن أبا حنيفة لا يقول أكثر الحمل سنتان ونصف ، وإنما يقول إنه سنتان .

(القول الرابع) تقديره بثلاث سنين ، وهذا قول زفر كذا أطلق النقل عنه غير واحد منهم صاحب الهداية ، وقيد ابن عبد البر عنه بأن يجتزئ باللبن ، ولا يطعم .

(القول الخامس) أنه إن فطم قبل الحولين فما رضع بعده لا يكون رضاعا ، ولو أرضع ثلاث سنين لم يفطم كان رضاعا حكاه ابن عبد البر عن الأوزاعي ، وحكى أيضا عن ابن القاسم أنه لو فطمته أمه قبل الحولين ، واستغنى عن الرضاع فأرضعته أجنبية قبل تمام الحولين لمن لم يعد رضاعا قال ابن عبد البر ، والحجة له قوله عز وجل في الحولين لمن أراد أن يتم الرضاعة مع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا رضاع بعد فطام (قلت) رواه الدارقطني من حديث أبي هريرة ، ورواه ابن عدي في الكامل من طريق علي ، وجابر ، وكلها ضعيفة ، والقول [ ص: 138 ] بأن الإرضاع بعد الفطام قبل انقضاء مدة الرضاع إذا استغنى عن اللبن لا حكم له رواية عن أبي حنيفة حكاها صاحب الهداية .

(الخامسة) الحديث صريح في ثبوت التحريم برضاع الكبير ، ومقتضى سياقه ، والمقصود منه ثبوت المحرمية أيضا [ إذ ] لولا ثبوت المحرمية لما حصل مقصودها من دخوله عليها حالة مهنتها وانكشاف بعض جسدها ، وبهذا قال من أثبت حكم الرضاع للكبير إلا أن أبا العباس القرطبي نقل عن داود أن رضاعة الكبير ترفع تحريم الحجاب لا غير ثم حكى عن ابن المواز أنه قال لو أخذ بهذا في الحجابة لم أعبه ، وتركه أحب إلي ، وما علمت من أخذ به عاما إلا عائشة ثم قال ، وفيما ذكره ابن المواز عن عائشة أنها ترى رضاعة الكبير تحريما عاما نظر فإن نص حديث الموطإ عنها إنما كانت تأخذ بذلك في الحجاب خاصة (قلت) لا يستقيم لعالم أن يقول بجواز الخلوة مع إباحة النكاح ، وهذا تناقض لا حاجة إليه ، وظاهر كلام القائلين بهذا المذهب أنهم أثبتوا برضاعة الكبير كل ما ثبت برضاعة الصغير من الأحكام ، ولبسط ذلك موضع آخر ، والله أعلم .

(السادسة) أجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه خاص بسالم ، وامرأة أبي حذيفة كما اقتضاه كلام أمهات المؤمنين سوى عائشة رضي الله عنهن ، وروى الشافعي رحمه الله عن أم سلمة أنها قالت في الحديث كان رخصة لسالم خاصة قال الشافعي فأخذنا به يقينا لا ظنا حكاه عنه البيهقي في المعرفة ، وقال ما معناه إنما قال هذا لأن الذي في غير هذه الرواية أن أمهات المؤمنين قلن ذلك بالظن ، ورواه عن أم سلمة بالقطع .

وقال ابن المنذر ليست تخلو قصة سالم [ من ] أن تكون منسوخة أو خاصة لسالم ، وكذا حكى الخطابي عن عامة أهل العلم أنهم حملوا الأمر في ذلك على أحد وجهين إما على الخصوص ، وإما على النسخ ، وقال أبو العباس القرطبي أطلق بعض الأئمة على حديث سالم أنه منسوخ ، وأظنه سمى التخصيص نسخا ، وإلا فحقيقة النسخ لم تحصل هنا على ما يعرف في الأصول (قلت) كيف يريد بالنسخ التخصيص من يردد بينهما ، ولم يرد قائل هذا الكلام بالنسخ ما فهمه عنه القرطبي حتى يعترض عليه بما ذكره ، وإنما أراد به هذا الذي أمرت به امرأة أبي حذيفة كان هو الشرع العام لكل أحد ذلك الوقت ثم [ ص: 139 ] نسخ بعد ذلك لكن هذا يتوقف على معرفة التاريخ ، وأن الأدلة الدالة على اعتبار الصغر في وقت الإرضاع متأخرة عن ذلك ، ورده ابن حزم أيضا بأن قولها للنبي صلى الله عليه وسلم كيف أرضعه ، وهو رجل كبير دال على تأخره عما دل على اعتبار الصغر ، والله أعلم .

(السابعة) استشكل أمره عليه الصلاة والسلام إياها بإرضاعه لما فيه من التقاء البشرتين ، وهو محرم قبل أن يستكمل الرضاع المعتبر ، وتصير محرما له قال القاضي عياض : ولعلها حلبته ثم شربه من غير أن يمس ثديها ، ولا التقت بشرتاهما قال النووي ، وهذا الذي قاله حسن ، ويحتمل أنه عفي عن مسه للحاجة كما خص بالرضاعة مع الكبر انتهى .

وجعل أبو العباس القرطبي ذلك دليلا على الاختصاص به لأن القاعدة تحريم الاطلاع على العورة ، ولا يختلف في أن ثدي الحرة عورة لا يجوز الاطلاع عليه قال ، ولا يقال يمكن أن يرضع ، ولا يطلع لأنا نقول نفس التقام حلمة الثدي بالفم اطلاع فلا يجوز انتهى .

ولم يعرج على ذكر ما تقدم عن القاضي من شربه بعد حلبه ، ولم يستصوب ابن حزم ذلك ، واقتضى كلامه جوازه مطلقا فإنه حكى عن بعضهم أنه قال كيف يحل للكبير أن يرضع ثدي امرأة أجنبية ثم نقضه بقول من قال إن للأمة الصلاة عريانة يرى الناس ثديها ، وخاصرتها ، وأن للحرة أن تتعمد أن ينكشف من شفتي فرجها قدر الدرهم البغلي تصلي كذلك ، وإن تكشف أقل من ربع بطنها كذلك انتهى ، والحق ما ذكرناه أولا من شربه محلوبا ، وقد قال ابن عبد البر بعد حكايته قول رجل لعطاء سقتني امرأة من لبنها ، وأنا رجل هكذا رضاع الكبير كما ذكر عطاء يحلب له اللبن ، ويسقاه ، وأما أن تلقمه المرأة ثديها كما يصنع بالطفل فلا ؛ لأن ذلك لا يحل عند جماعة العلماء .

وقد أجمع فقهاء الأمصار على التحريم بما يشربه الغلام الرضيع من لبن المرأة ، وإن لم يمصه من ثديها انتهى .

واعتبر ابن حزم في التحريم الامتصاص من الثدي ، وحكاه عن طائفة .

(الثامنة) أطلق في هذه الرواية قوله أرضعي سالما ، وقيده في رواية جماعة عن الزهري بقوله خمس رضعات ، وقد تقدم ذكر ذلك ، وبهذا قال الشافعي ، وهو رواية عن أحمد بن حنبل قال ابن تيمية في المحرر أنها المذهب ، وبه قال ابن حزم ، وقيل لا من سبع رضعات ، وقيل لا بد من عشر ، وهما مرويان [ ص: 140 ] عن عائشة رضي الله عنها ، وذكر الشافعي أنه لا يصح عنها ، وأنها كانت تفتي بخمس ، وحكى ابن عبد البر العشر عن حفصة ، وقال القاضي عياض أنه شاذ ، وقيل يكتفى بثلاث رضعات حكاه ابن عبد البر عن أبي يوسف وأبي عبيدة وداود ، وحكاه ابن حزم عن سليمان بن يسار وسعيد بن جبير وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل ، وهو رواية عنه ، وبها قال ابن المنذر ، واستروح أبو العباس القرطبي فقال لم يقل به أحد فيما علمت إلا داود ، وذهب أكثر العلماء إلى عدم التقييد في ذلك ، والاكتفاء بقليل الرضاع ، وكثيره ، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي والليث بن سعد ، وحكي إجماع المسلمين عليه ، وهو المشهور من مذهب أحمد صدر به ابن تيمية في المحرر كلامه .

التالي السابق


الخدمات العلمية