صفحة جزء
وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم .


الحديث الثالث وعنه قال قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم (فيه) فوائد :

(الأولى) : أخرجه مسلم من هذا الوجه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام ، واتفق عليه الشيخان من طريق أبي الزناد عن الأعرج كلاهما عن أبي هريرة .

(الثانية) : فيه دليل على أن الخلافة مختصة بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة رضي الله عنهم وكذلك بعدهم ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين فمن بعدهم بالأحاديث الصحيحة قال القاضي عياض اشتراط كونه قرشيا هو مذهب العلماء كافة قال وقد احتج به أبو بكر وعمر رضي الله عنهما على الأنصار يوم السقيفة فلم ينكره أحد .

قال القاضي وقد عدها العلماء في مسائل الإجماع ولم ينقل عن أحد من السلف فيها قول ولا فعل يخالف ما ذكرنا وكذلك من بعدهم في جميع الأعصار قال ولا اعتداد بقول النظام ومن وافقه من الخوارج وأهل البدع أنه يجوز كونه من غير قريش ولا بسخافة ضرار بن عمر في قوله إن غير القرشي من النبط وغيرهم يقدم على القرشي لهوان خلعه إن عرض منه أمر .

وهذا الذي قال من باطل القول وزخرفه مع ما هو عليه من مخالفة إجماع المسلمين قال أصحابنا الشافعية ، فإن لم يوجد قرشي مستجمع الشروط فكناني ، فإن لم يوجد فرجل من ولد إسماعيل عليه الصلاة والسلام ، فإن لم يوجد فيهم مستجمع الشرائط فقال البغوي في التهذيب إنه يولى رجل من العجم وقال المتولي في التتمة أنه يولى جرهمي [ ص: 80 ] وجرهم أصل العرب ، فإن لم يوجد جرهمي فرجل من ولد إسحاق صلى الله عليه وسلم (قلت) : وهذا ذكره الفقهاء على سبيل الفرض كعادتهم ولكن هذا لا يقع فقد قال صلى الله عليه وسلم لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان : وفي رواية ما بقي منهم اثنان : ، وهذا الحديث ثابت في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

قال النووي في شرح مسلم بين صلى الله عليه وسلم أن هذا الحكم مستمر إلى يوم القيامة آخر الدنيا ما بقي من الناس اثنان وقد ظهر ما قاله صلى الله عليه وسلم فمن زمنه إلى الآن الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم فيها وتبقى كذلك ما بقي اثنان كما قاله صلى الله عليه وسلم (قلت) : والمتغلبون على النظر في أمور الرغبة بطريق الشوكة لا ينكرون أن الخلافة في قريش وإنما يزعمون أن ذلك بطريق النيابة عنهم ولما تغلب العبيديون على البلاد المصرية والمغربية وغيرها وادعوا الخلافة زعموا أنهم من قريش من ذرية علي رضي الله عنه ، وإن طعن غيرهم في نسبهم ومع ذلك فلم يكونوا خلفاء الجماعة فما كانت خلافة الجماعة المتفق عليها ببغداد في بني العباس والله أعلم .

وقال أبو العباس القرطبي في هذا الحديث هذا خبر عن المشروعية أي لا تنعقد الولاية الكبرى إلا لهم مهما وجد منهم أحد انتهى .

وهذا صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل .

(الثالثة) : قوله مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم : هو بمعنى قوله في الرواية الأخرى في الخير والشر : وذلك أنهم كانوا في الجاهلية رؤساء العرب وأصحاب حرم الله تعالى وأهل حج بيت الله وكانت العرب تسميهم أهل الله وانتظروا إسلامهم فلما أسلموا وفتحت مكة تبعهم الناس وجاءت وفود العرب من كل جهة ودخل الناس في دين الله أفواجا وكذلك في الإسلام هم أصحاب الخلافة والناس تبع لهم .

وقال بعضهم : لعل هذا في أمر الجور والأئمة المصلين ولا يصح ؛ لأن أولئك لا يطلق عليهم اسم الكفر فدل على أن المراد الإخبار عن حالتهم في زمن الجاهلية وأنهم لم يزالوا أشراف الناس وقادتهم .

(الرابعة) : قال القاضي عياض استدلت الشافعية بهذا الحديث وما في معناه مثل قوله عليه الصلاة والسلام الأئمة من قريش وقوله قدموا قريشا ولا تقدموها وتعلموا من قريش ولا تعلموها : على إمامة الشافعي وتقديمه على غيره ولا حجة لهم فيه إذ المراد بالأئمة هنا الخلفاء وكذلك بالتقديم .

[ ص: 81 ] ولتقديم النبي صلى الله عليه وسلم سالما مولى أبي حذيفة يؤم في مسجد قباء وفيهم أبو بكر وعمر وتقديمه زيدا وابنه أسامة ومعاذا وغير واحد وقريش موجودون وأما الحديث الآخر في التعليم فليس بصحيح لفظا ولا معنى لإجماع العلماء على التعليم من غير قرشي ومن الموالي وتعلم قريش منهم وتعلم الشافعي من مالك وابن عيينة ومحمد بن الحسن وابن أبي يحيى ومسلم بن خالد الزنجي وغيرهم ممن ليس بقرشي قال النووي هو حجة في مزية قريش على غيرهم والشافعي قرشي (قلت) : قد احتج به البخاري في صحيحه على فضل قريش وهو استدلال ظاهر لا ينكر وليس مراد المستدل بهذه الأحاديث أنه لا يكون الفضل والتقدم إلا بذلك وإنما هو من أسباب الفضل والتقدم ومن أسباب ذلك أيضا الفقه والقراءة والورع والسنن وغيرها فالمستويان في هذه الخصال إذا تميز أحدهما بكونه قرشيا كان ذلك مقدما له على الآخر فمقصودهم دلالة هذه الأحاديث على تقديم الشافعي على من ساواه في العلم والدين بكونه من قريش ، وهذا أمر لا ينكر وقد قال أبو العباس القرطبي بعد أن ذكر نحو ما ذكره القاضي عياض إن المستدل بهذا صحبته غفلة قارنها من تصميم التقليد طيشة ، وقد عرفت أن الغفلة إنما هي من منكر هذا الاستدلال غفل عن مراد المستنبط ولم يفهم مغزاه وظن أن ذلك مانع له من تقليد من صمم على تقليده والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية