صفحة جزء
وعن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العين حق ونهى عن الوشم ولمسلم من حديث ابن عباس العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين ، وإذا استغسلتم فاغسلوا


[ ص: 196 ] (الحديث الخامس) وعن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العين حق ونهى عن الوشم (فيه) فوائد :

(الأولى) أخرجه الشيخان وأبو داود من هذا الوجه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام ولم يذكر فيه مسلم وأبو داود والجملة الثانية وهي قوله ونهى عن الوشم وروى مسلم والترمذي والنسائي في الكبرى من طريق عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين ، وإذا استغسلتم فاغسلوا وليس في رواية الترمذي العين حق .

(الثانية) قوله العين حق أي الإصابة بالعين حق أي ثابت موجود قال المازري أخذ الجمهور من علماء الأمة بظاهر هذا الحديث ، وأنكره طوائف من المبتدعة ، والدليل على فساد قولهم أن كل معنى ليس بمحال في نفسه ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا إفساد دليل فإنه من مجوزات العقول ، فإذا أخبر الشرع بوقوعه فلا معنى لتكذيبه .

وهل من فرق بين تكذيبهم بهذا وتكذيبهم بما يخبر به من أمور الآخرة ؟

قال : وزعم بعض الطبائعيين المثبتين للعين أن العائن تنبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد ، قالوا : ولا يستنكر هذا كما لا يستنكر انبعاث قوة سمية من الأفعى والعقرب تتصل باللديغ فيهلك ، وإن كان غير محسوس لنا فكذلك العين قال وهذا عندنا غير مسلم ؛ لأنا بينا في كتب علم الكلام أنه لا فاعل إلا الله تعالى وبينا فساد القول بالطبائع ، وبينا أن المحدث لا يفعل في غيره شيئا ، وإذا تقرر هذا بطل ما قالوه ثم نقول هذا المنبعث من العين إما جوهر أو عرض فباطل أن يكون عرضا ؛ لأنه لا يقبل الانتقال [ ص: 197 ] وأن يكون جوهرا ؛ لأن الجواهر متجانسة فليس بعضها بأن يكون مفسدا لبعض أولى من أن يكون الآخر مفسدا له فبطل ما قالوه وأقرب طريقة سلكها من ينتحل الإسلام منهم أن قالوا : لا يبعد أن تنبعث جواهر لطيفة غير مرئية من العائن فتتصل بالمعين وتتخلل مسام جسمه فيخلق البارئ عز وجل الهلاك عندها كما يخلق الهلاك عند شرب السموم عادة أجراها الله تعالى ليست ضرورة ولا طبيعة ألجأ العقل إليها .

ومذهب أكثر أهل السنة أن المعين إنما يفسد ويهلك عند نظر العائن بعادة أجراها الله سبحانه أن يخلق الضرر عند مقابلة هذا الشخص لشخص آخر ، وهل ثم جواهر خفية أولا هذا من مجوزات العقول لا نقطع فيها بواحد من الأمرين ، وإنما نقطع بنفي الفعل عنها وبإضافته إلى الله تعالى فمن قطع من أطباء الإسلام بانبعاث الجواهر فقد أخطأ في قطعه ، وإنما التحقيق ما قلناه من تفصيل موضع القطع والتجويز انتهى .

وقال الخطابي قوله العين حق أي الإصابة بالعين حق ، وأن لها تأثيرا في النفوس والطبائع ، وفيه إبطال لقول من زعم من أصحاب الطبائع أنه لا شيء إلا ما تدركه الحواس والمشاعر الخمسة ، وما عداها فلا حقيقة له (قلت) ويجوز في لفظ التأثير ومراده به ما أجرى الله به العادة من حصول الضرر في النفوس والطبائع فهذا هو اللائق بمذهبه وعقيدته .

وقال القاضي أبو بكر بن العربي ذهبت الفلاسفة إلى أن ما يصيب المعين من جهة العائن إنما هو صادر عن تأثير النفس بقوتها فيه فأول ما تؤثر في نفسها ، ثم تقوى فتؤثر في غيرها وقيل إنما هو سم في عين العائن يصيب لفحه العين عند التحديق إليه كما يصيب لفح سم الأفعى من يتصل به ، وهذا يرده ثلاثة أمور .

(الأول) ما ثبت من أنه لا خالق إلا الله .

(الثاني) إبطال التولد ويقولون إنه يتولد من كذا كذا وليس يتولد شيء من شيء بل المولد والمتولد عنه كل ذلك صادر عن القدرة دون واسطة .

(الثالث) أنه لا يصيب من كل عين ولا من كل متكلم ، ولو كان برسم التولد لكانت عادة مستمرة ، ولبقيت في كل الأحوال وأما الذين يقولون : إنها قوة سمية كقوة سم الأفعى فإنها طائفة جهلته قد وقعت على عمية لا على عقل حصلت ، ولا في الشريعة دخلت ، ولا بالطب قالت ، وهل سم الأفعى إلا جزء منها فكلها قاتل [ ص: 198 ] والعائن ليس شيء يقتل منه في قولهم إلا نظره ، وهو معنى خارج عن هذا كله والحق فيه أن الله سبحانه خلق عند نظر العائن إليه وإعجابه به إذا شاء ما شاء من ألم أو هلكة ، وكما لا يخلقه بإعجابه به وبقوله فيه فقد يخلقه ، ثم يصرفه دون سبب وقد يصرفه قبل وقوعه بالاستعاذة فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين بما كان يعوذ به أبو إسماعيل وإسحاق أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة وقد يصرفه بعد وقوعه بالاغتسال ، وساق الكلام على ذلك وسنحكيه .

وقال القاضي عياض ذهب شيوخ متكلمي أهل الباطن أن معنى قوله العين حق يحتمل أن يريد به القدر والعين الذي يجري منه الأحكام والقضاء السابق ، وأن ما أصاب بالعادة من ضرر عند نظر الناظر إنما هو بقدر الله السابق لا بشيء يحدثه الناظر في المنظور . إذ لا يحدث المحدث في غيره شيئا لكنه لما كان منهيا عن تحديد النظر وإدامته لا سيما مع جري عادته بذلك ، ولم يمتثل ما أمر به الشرع من التبرك والدعاء كان مذموما مؤاخذا بنظره انتهى .

وروى أبو بكر البزار في مسنده عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقضائه وقدره بالأنفس قال البزار يعني بالعين ، ورجاله ثقات .

وفي مسند الإمام أحمد بإسناد رجاله ثقات عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن العين لتولع الرجل بإذن الله حتى يصعد حالقا ثم يتردى منه .

وفي معجم الطبراني بإسناد ضعيف جدا عن أسماء بنت عميس قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول نصف ما يحفر لأمتي من القبور من العين .

وفي مسند الإمام أحمد بإسناد جيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العين حق ويحضرها الشيطان وجسد ابن آدم (قلت) ويخطر لي أن الشيء إذا ارتفع ورمقته الأعين حطه الله تعالى وجعل سبب ذلك بعض الأعين كما في الصحيح أن العضباء ناقة النبي صلى الله عليه وسلم كانت لا تسبق ، وأن أعرابيا سبقها على قعود ، وأن الصحابة رضي الله عنهم شق عليهم ذلك وأنه صلى الله عليه وسلم قال إن حقا على الله تعالى أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه .

(الثالثة) قد يؤخذ من قوله العين حق أنه إذا أتلف [ ص: 199 ] شيئا بإصابة عينه ضمنه وإذا قتل قتيلا ضمنه بالقصاص أو الدية ، وبذلك صرح أبو العباس القرطبي في شرح مسلم فقال لو انتهت إصابة العائن إلى أن يعرف بذلك ويعلم من حاله أنه كلما تكلم بشيء معظما له أو متعجبا منه أصيب ذلك الشيء ، وتكرر ذلك منه بحيث يصير عادة فما أتلفه بعينه غرمه وإن قتل أحدا بعينه عامدا لقتله قتل به كالساحر القاتل بسحره عند من لا يقتله كفرا وأما عندنا فيقتل على كل حال قتل بسحره أم لا ؛ لأنه كالزنديق انتهى .

وظاهر جزمه بذلك أنه مذهبه فليحقق ذلك . والذي ذكره أصحابنا الشافعية أنه إذا أصاب غيره بالعين واعترف أنه قتله بالعين فلا قصاص وإن كانت العين حقا ؛ لأنه لا يفضي إلى القتل غالبا ، ولا يعد مهلكا قال النووي في الروضة ولا دية فيه أيضا ولا كفارة انتهى .

وقد ينازع في قولهم إنه لا يفضي إلى القتل غالبا ولا يعد مهلكا ، ويقال التصوير في شخص انتهى أمره إلى أن نظره المذكور يفضي إلى القتل غالبا ، ويعد مهلكا وقد يقال إنما يرتب الحكم على منضبط عام دون ما يختص ببعض الناس في بعض أحوالهم ، ولا انضباط له كيف ولم يقع منه فعل أصلا ، وإنما غايته حسد وتمن لزوال النعمة ، وأيضا فالذي ينشأ عن الإصابة بالعين حصول مكروه لذلك الشخص ، ولا يتعين ذلك المكروه في زوال الحياة فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين والله أعلم .

ونقل القاضي عياض عن بعض العلماء أنه ينبغي للإمام منع من عرف بالإصابة بالعين من مداخلة الناس ، وأمره بلزوم بيته وإن كان فقيرا رزقه ما يقوم به ويكف أذاه عن الناس ، فضرره أشد من ضرر آكل الثوم والبصل الذي منعه النبي صلى الله عليه وسلم من دخول المسجد لئلا يؤذي المسلمين ومن ضرر المجذوم الذي منع عمر والعلماء اختلاطه بالناس ومن ضرر العوادي التي أمر بتغريبها حيث لا يتأذى منها قال النووي وهذا الذي قاله هذا القائل صحيح متعين ولا يعرف من غير تصريح بخلافه والله أعلم .

(الرابعة) قوله في حديث ابن عباس ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين يجوز في قوله سابق القدر النصب على أنه خبر كان والرفع على أنه صفة لاسمها وهي تامة وقال أبو العباس القرطبي هذا إغباء في تحقيق إصابة العين ومبالغة تجري مجرى التمثيل [ ص: 200 ] لا أنه يمكن أن يرد القدر شيء ، فإن القدر عبارة عن سابق علم الله ونفوذ مشيئته ، ولا راد لأمره ولا معقب لحكمه ، وإنما هذا خرج مخرج قولهم لأطلبنك ولو تحت الثرى ولو صعدت إلى السماء ، ونحوه مما يجري هذا المجرى وقال النووي فيه إثبات القدر وهو حق بالنصوص وإجماع أهل السنة وفيه صحة أمر العين وأنها قوية الضرر .

(الخامسة) قوله وإذا استغسلتم فاغسلوا خطاب للعائن وأمر له بأن يغتسل عند طلب المعين منه ذلك ، وظاهره أنه على سبيل الوجوب وحكى المازري فيه خلافا ، وقال الصحيح عندي الوجوب ويبعد الخلاف فيه إذا خشى على المعين الهلاك ، وكان وضوء العائن مما جرت العادة بالبرء به أو كان الشرع أخبر به خبرا عاما ولم يمكن زوال الهلاك إلا بوضوء العائن ، فإنه يصير من باب من تعين عليه إحياء نفس مشرفة على الهلاك وقد تقرر أنه يجبر على بذل الطعام للمضطر ، فهذا أولى وبهذا التقرير يرتفع الخلاف فيه انتهى .

(السادسة) لم يبين في هذا الحديث كيفية الغسل وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين .

وفي سنن ابن ماجه عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال مر عامر بن ربيعة بسهل بن حنيف وهو يغتسل ، فقال : لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة فما لبث أن لبط به فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له أدرك سهلا صريعا قال من تتهمون به قالوا عامر بن ربيعة قال علي ماذا يقتل أحدكم أخاه إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة ، ثم دعا بماء فأمر عامرا أن يتوضأ فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخلة إزاره وأمره أن يصب عليه قال سفيان قال معمر عن الزهري وأمره أن يكفأ الإناء من خلفه وأصل الحديث في الموطإ وسنن النسائي الكبرى ووقع الاختلاف في أنه من حديث أبي أمامة كما ذكرته أو من حديث سهل بن حنيف أو من رواية عامر بن ربيعة ، وبين في هذه الرواية كيفية الوضوء المأمور به وقال المازري صفة وضوء العائن عند العلماء أن يؤتى بقدح من ماء ولا يوضع القدح في الأرض فيأخذ منه غرفة فيتمضمض بها ثم يمجها في القدح ، ثم يأخذ منه ما يغسل به وجهه ، ثم يأخذ بشماله ما يغسل به كفه اليمنى ثم بيمينه [ ص: 201 ] ما يغسل به كفه اليسرى ثم بشماله ما يغسل به مرفقه الأيمن ، ثم بيمينه ما يغسل به مرفقه الأيسر ، ولا يغسل ما بين المرفقين والكفين ، ثم قدمه اليمنى ثم اليسرى ثم ركبته اليمنى ثم اليسرى على الصفة المتقدمة وكل ذلك في القدح ثم داخلة إزاره ، وهو الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الأيمن وقد ظن بعضهم أن داخلة إزاره كناية عن الفرج ، وجمهور العلماء على ما قلناه فإذا استكمل هذا صبه خلفه من على رأسه قال القاضي عياض بعد نقله هذا الكلام : بقي من تفسير هذا الغسل على قول الجمهور وما فسر به الزهري وأخبر أنه أدرك العلماء يصفونه واستحسنه علماؤنا ، ومضى به العمل أن غسل العائن وجهه إنما هو صبة واحدة بيده اليمنى ، وكذلك سائر أعضائه إنما هو صبة صبة على ذلك العضو في القدح ليس على صفة غسل الأعضاء في الوضوء وغيره ، وكذلك غسل يديه وكذلك غسل داخلة الإزار إنما هو إدخاله وغمسه في القدح ، ثم يقوم الذي في يده القدح فيصبه على رأس المعين من ورائه على جميع جسده ثم يكفأ القدح وراءه على ظهر الأرض وقيل يعتقله بذلك حين صبه عليه هذه رواية ابن أبي ذئب عن ابن شهاب وقد جاء وصف ابن شهاب من رواية عقيل بمثل هذه إلا أن فيه البداءة بغسل الوجه قبل المضمضة ، وفيه صفة غسل كفه اليمنى بيد واحدة في القدح ، وهو ثان يده وذكر في غسل القدمين أنه لا يغسل جميعهما ، وإنما قال ثم يفعل مثل ذلك في طرف قدمه اليمنى من عند أصول أصابعه واليسرى كذلك وداخلة الإزار هو ما فسر به ، والإزار هنا المئزر وداخلته ما يلي جسده وقيل كناية عن موضعه من الجسد فقيل أراد مذاكيره ، كما يقال : فلان عفيف الإزار يراد به الفرج ، وقيل أراد وركه إذ هو مقعد الإزار وقد جاء في حديث سهل بن حنيف من رواية مالك في صفته أنه قال للعائن اغتسل له فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره ، ومن رواية معبد فغسل وجهه وظاهر كفيه ومرفقيه ، وغسل صدره وداخلة إزاره وركبتيه وأطراف قدميه ظاهرهما في الإناء ، وقال وحسبته قال وأمره فحسا منه حسوات انتهى .

ونقل النووي في شرح مسلم هذا الكلام كله واقتصر في الأذكار على قوله قال العلماء الاستغسال أن يقال للعائن وهو الصائب بعينه الناظر بها بالاستحسان اغسل داخلة إزارك مما يلي الجلد بماء ، ثم [ ص: 202 ] يصب على المعين وهو المنظور إليه ، وقال القاضي أبو بكر بن العربي وصف الناس الغسل وأحصى الخلق له ملك ؛ لأن النازلة كانت في بلده ، ووقعت لجيرانه فتقولها وقد حصلها مشاهدة وخبرا ، وذلك بأن يغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره ، وهو ما يلي البدن من الإزار في قدح ثم يصب عليه ومن قال لا يجعل الإناء في الأرض ويغسل كذا بكذا فهو كله تحكم وزيادة .

(السابعة) قال المازري هذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه ، وليس من قوة العقل الاطلاع على أسرار المعلومات كلها فلا يدفع هذا بأن لا يعقل معناه ، وقال أبو بكر بن العربي .

فإن قيل : وأي فائدة في الاغتسال وصب مائه على المعين وأي مناسبة بينهما ؟ (قلنا) إن قال : هذا مستفسر ، قلنا له : الله ورسوله أعلم ، وإن قاله متفلسف قيل له انكص القهقرى أليس عندكم أن الأدوية قد تفعل بقواها وطباعها ، وقد تفعل بمعنى لا يعقل في الطبيعة ويدعونها الخواص ، وقد زعمتم أنها زكاء خمسة آلاف فما أنكرتم من هذا فيكون ذلك سببا فيها من طريق الخاصة لا سيما والتجربة قد عضدته ، والمشاهدة في العين والمعاينة قد صدقته ، وكذلك الرقية تصدقه .

(الثامنة) فائدة هذا الاغتسال واستعمال فضله على ما بيناه إزالة الضرر الحاصل من ذلك بعد حلوله وفي رواية الإمام أحمد في مسنده في قصة سهل بن حنيف فراح سهل مع الناس ليس به بأس ، وثم طريق لدفع الضرر قبل وقوعه بعد الرؤية ، وهو التبريك عليه ففي قصة سهل بن حنيف أنه عليه الصلاة والسلام قال ما يمنع أحدكم إذا رأى من أخيه ما يعجبه من نفسه أو ماله أن يبرك عليه ، فإن العين حق رواه الطبراني وابن السني وغيرهما .

وروى البزار في مسنده ابن السني من حديث أنس أنه عليه الصلاة والسلام قال : من رأى شيئا فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره .

وروى ابن السني أيضا عن سعيد بن حكيم رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خاف أن يصيب شيئا بعينه قال : اللهم بارك فيه ولا تضره .

وروى ابن السني أيضا عن عامر بن ربيعة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى أحدكم من نفسه وماله وأعجبه ما أعجبه فليدع بالبركة .

وحكى ابن عبد البر في التمهيد عن أهل العلم أن التبريك أن يقول [ ص: 203 ] اللهم بارك فيه ، وعن بعضهم أن يقول تبارك الله أحسن الخالقين ، وقال النووي في الأذكار ذكر القاضي حسين من أصحابنا في كتابه التعليق في المذهب (أن بعض الأنبياء نظر إلى قومه يوما فاستكثرهم وأعجبوه فمات منهم في ساعة سبعون ألفا فأوحى الله تعالى إليه أنك عنتهم ولو أنك إذ عنتهم حصنتهم لم يهلكوا قال وبأي شيء أحصنهم ؟ فأوحى الله إليه تقول : حصنتكم بالحي القيوم الذي لا يموت أبدا ، ودفعت عنكم السوء بألف لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) .

قال المعلق عن القاضي حسين وكان عادة القاضي رحمه الله إذا نظر إلى أصحابه فأعجبه سمتهم وحسن حالهم حصنهم بهذا (قلت) لو نقلت لنا هذه القصة عن ذلك النبي بإسناد صحيح إلى نبينا عليهما الصلاة والسلام لتلقيناها بالقبول ، وتأولنا قوله عنتهم أو قوله في ذلك الحديث المتقدم إنه يحضرها حينئذ ابن آدم فإنه متى كانت الإصابة بالعين متضمنة لحسد لا يجوز صدورها من نبي لاستحالة المعاصي على الأنبياء ، ولكن لم يثبت لنا ذلك ، وهذه قضية مذكورة بغير إسناد والظاهر أنها متلقاة عن بني إسرائيل ، فلا يجوز قبولها إن لم يكن فيها غضاضة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما كان ينبغي ذكرها للقاضي ولا للنووي ، وإنما ذكرتها للذكر الذي فيها فإنه حسن يقتضيه الشرع فينبغي العمل به والله أعلم .

(التاسعة) وأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى طريق آخر يزال به الضرر بعد وقوعه وهو الاسترقاء ، ففي الصحيحين عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة ، فقال : استرقوا لها فإن بها النظرة قال العلماء : النظرة العين . يقال : صبي منظور أي أصابته عين قال الخطابي ويقال عيون الجن أنفذ من أسنة الرماح وقد روينا (أنه لما مات سعد بن عبادة سمعوا قائلا من الحي يقول : قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة رميناه بسهمين فلم تخط فؤاده) فتأوله بعضهم فقال أي أصبناه بعينين ، وأرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاستعاذة من ذلك قبل وقوعه ففي صحيح البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ، ويقول إن أباكما كان يعوذ إسماعيل وإسحاق .

وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه [ ص: 204 ] عن أبي سعيد الخدري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان ، فلما أن نزلتا أخذ بهما ، وترك ما سواهما قال الترمذي حديث حسن وذكر في التفسير في قوله تعالى ومن شر حاسد إذا حسد أن المراد به العين .

(العاشرة) فيه النهي عن الوشم ، وهو بفتح الواو وإسكان الشين المعجمة أن تغرز إبرة أو مسلة أو نحوهما في موضع من البدن كالشفة أو المعصم أو غيرهما حتى يسيل الدم ثم يحشى ذلك الموضع بالكحل أو النورة فيحضر ، وقد يفعل ذلك بدارات ونقوش وقد يقلل وقد يكثر وهو حرام .

قال أصحابنا : ويصير الموضع الموشوم مجسا فإن أمكنت إزالته بالعلاج وجبت وإن لم يمكن إلا بالجرح فإن خاف منه التلف أو فوات عضو أو منفعة عضو أو شيئا فاحشا في عضو ظاهر لم تجب إزالته ، وإذا تاب لم يبق عليه إثم ، وإن لم يخف شيئا من ذلك لزمته إزالته ويعصى بتأخيره ، وسواء في هذا كله الرجل والمرأة فإن قلت مجرد النهي عنه لا يدل على تحريمه (قلت) هو محتمل لذلك وقد دل على تحريمه ، بل على أنه كبيرة لعن فاعله كما هو ثابت في الصحيحين والله أعلم .

(الحادية عشرة) الجمع بين هذين الجملتين من الراوي فإنه لا يظهر بينهما مناسبة ، ويدل على ذلك أنه لم يحك لفظ النبوة في الثانية منهما والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية