صفحة جزء
وعن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون فيها ولا يتغوطون فيها آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ، ومجامرهم من ألوة ورشحهم المسك وبكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد ويسبحون الله بكرة وعشية .


الحديث الثالث وعن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون فيها ولا يتغوطون فيها آنيتهم وأمشاطهم الذهب ، والفضة ومجامرهم من ألوة ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن ، لا اختلاف بينهم ولا تباغض ، قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله بكرة [ ص: 267 ] وعشية فيه " فوائد :

(الأولى) أخرجه مسلم من هذا الوجه من طريق عبد الرزاق وأخرجه البخاري ، والترمذي من طريق عبد الله بن المبارك كلاهما عن معمر عن همام واتفق عليه الشيخان من طريق عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة وزاد فيه بعد قوله : ليلة البدر ، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة وليس فيه قوله ولكل واحد منهم زوجتان إلى آخره ، وفي آخره وأزواجهم الحور العين على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء وأخرجه البخاري أيضا من طريق شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وفيه والذين على أسرهم كأشد كوكب إضاءة وأخرجه مسلم أيضا من طريق أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة وفيه والتي تليها على أضوء كوكب دري في السماء وأخرجه أيضا من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر ، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة ، ثم هم بعد ذلك منازل الحديث وذكر عن شيخه أبي بكر بن أبي شيبة على خلق رجل أي بضم الخاء ، واللام وعن شيخه أبي كريب على خلق رجل أي بفتح الخاء وإسكان اللام .

(الثانية) الزمرة الجماعة ، وفي صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد مرفوعا ليدخلن من أمتي سبعون ألفا الجنة ، أو سبعمائة ألف لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم وجوههم على صورة القمر ليلة البدر فبين بهذه الرواية عدد هذه الزمرة .

(الثالثة) وفيه دليل على دخول أهل الجنة إليها جماعة بعد جماعة ، وقد صرح به في قوله تعالى وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا [ ص: 268 ] وذلك بحسب الفضل وتفاوت الدرجات فمن كان أفضل كان إلى الجنة أسبق وأول من يدخل الجنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي الحديث الصحيح آتي يوم القيامة باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن من أنت ؟ فأقول محمد فيقول بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك .

(الرابعة) قوله على صورة القمر أي على صفته أي إنهم في إشراق وجوههم على صفة القمر ليلة تمامه وكماله وهي ليلة أربع عشرة وبذلك سمي القمر بدرا في تلك الليلة ، وقد ورد في هذا المعنى ما يقتضي ما هو أبلغ من ذلك فروى الترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا لو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدا أساوره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم .

(الخامسة) اقتصر في هذه الرواية على ذكر صفة الزمرة الأولى وبين في الرواية الأخرى أن الثانية على أشد كوكب دري في السماء إضاءة ، وفي الدري ثلاث لغات قرئ بهن في السبع (الأكثرون) دري بضم الدال وتشديد الراء ، والياء بلا همز (والثانية) بضم الدال مهموز ممدود (والثالثة) بكسر الدال ممدود مهموز ، وهو الكوكب العظيم قيل سمي دريا لبياضه كالدر وقيل لإضاءته وقيل لشبهه بالدر في كونه أرفع من باقي النجوم كالدر أرفع الجواهر وبين بقوله في رواية أخرى ، ثم هم بعد ذلك منازل [ أي ] إن درجاتهم في إشراق اللون متفاوتة بحسب علو درجاتهم وتفاوت فضلهم .

(السادسة) قوله لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون فيها هي صفة أهل الجنة مطلقا ولا يختص ذلك بالزمرة الأولى ، وقد دل على ذلك الرواية التي بين فيها صفة الذين يلونهم وأشار إلى بقية المنازل .

(السابعة) قوله آنيتهم الذهب ، والفضة يحتمل أن يكون لكل واحد منهم النوعين ويحتمل أن لبعضهم الذهب ولبعضهم الفضة ، وفي الحديث الصحيح جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما .

(الثامنة) قال أبو العباس القرطبي قد يقال أي حاجة في الجنة للأمشاط لا تتلبد شعورهم ولا تنسح وأي حاجة للبخور وريحهم أطيب من المسك ويجاب عن ذلك بأن نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم فليس أكلهم عن جوع ولا شربهم عن ظمأ ولا تطييبهم عن نتن وإنما هي لذات متوالية ، ونعم متتابعة ، وحكمة [ ص: 269 ] ذلك أن الله تعالى نعمهم في الجنة تنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله انتهى .

(التاسعة) المجامر بفتح الميم ، والجيم يكون جمع مجمر بضم الميم وإسكان الجيم وفتح الميم الثانية ، وهو الذي يوضع فيه النار للبخور ويكون جمع مجمر بضم الميم ، والباقي كذلك ، وهو الذي يتبخر به وأعد له الجمر ، وهو المراد في هذا الحديث (، والألوة) بفتح الهمزة وضمها وضم اللام وفتح الواو وتشديدها هو العود الذي يتبخر به ، وهو العود الهندي وهمزته أصلية وقيل زائدة أي إن بخورهم العود ، وهو الألنجوج المذكور في رواية أخرى في الصحيح ، وهو بفتح الهمزة ، واللام وإسكان النون وضم الجيم ويقال فيه أيضا يلنجوج بالياء أوله بدل الهمزة ويقال فيه أيضا النجج بحذف الواو التي بين الجيمين ، والألف ، والنون فيه زائدتان كأنه يلج في تضوع رائحته وانتشارها (فإن قلت) إنما تفوح رائحة العود بوضعه في النار كما قال الشاعر :

لــولا اشــتعال النــار فيمــا جـاورت مـا كان يعرف طيب نشر العود والجنة

لا نار فيها (قلت) قد يشتعل بغير نار ، وقد تفوح رائحته بلا اشتعال وليست أمور الآخرة على قياس أمور الدنيا وهذا الطير يشتهيه الإنسان فينزل مشويا بلا شي نار ولا غيرها والله أعلم .

(العاشرة) قوله ورشحهم المسك بفتح الراء المهملة وإسكان الشين المعجمة وبالحاء المهملة أي إن العرق الذي يترشح منهم رائحته كرائحة المسك ، وهو قائم مقام التغوط ، والبول من غيرهم كما قال في حديث آخر لا يبولون ولا يتغوطون وإنما هو عرق يجري من أعراضهم مثل المسك يعني من أبدانهم ولما كانت أغذية الجنة في غاية اللطافة ، والاعتدال لا عجم لها ولا تفل لم يكن لها فضلة تستقذر ، بل تستطاب وتستلذ فعبر عنها بالمسك الذي هو أطيب طيب أهل الدنيا .

(الحادية عشرة) قوله ولكل واحد منهم زوجتان هكذا هو في هذه الرواية في جميع الطرق بالتاء وهي لغة متكررة في الأحاديث وكلام العرب ، والأكثر حذفها وبه جاء القرآن العزيز وأكثر الأحاديث .

(الثانية عشرة) استدل به أبو هريرة رضي الله عنه [ ص: 270 ] على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال ففي صحيح مسلم عن محمد بن سيرين قال (أما تفاخروا أما تذاكروا الرجال أكثر في الجنة أم النساء ؟ فقال أبو هريرة لو لم يقل أبو القاسم صلى الله عليه وسلم إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر والتي تليها على أضوء كوكب دري في السماء لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم وما في الجنة أعزب وفي رواية له " اختصم الرجال ، والنساء أيهم في الجنة أكثر فسألوا أبا هريرة فذكره فإذا خلت الجنة عن العزاب وكان لكل واحد زوجتان كان النساء مثلي الرجال " ويعارضه الحديث الآخر إني رأيتكن أكثر أهل النار .

وفي الحديث الآخر اطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء وكلاهما في الصحيح ، والجمع بينهما أنهن أكثر أهل الجنة وأكثر أهل النار لكثرتهن قال القاضي عياض يخرج من مجموع هذا أن النساء أكثر ولد آدم قال وهذا كله في الآدميات وإلا فقد جاء أن للواحد من أهل الجنة من الحور العدد الكثير قلت) .

وقد تقدم من عند الزبيدي من حديث أبي سعيد إن أدنى أهل الجنة الذي له اثنتان وسبعون زوجة .

(فإن قلت) كيف اقتصر في هذا الحديث على ذكر زوجتين (قلت) الزوجتان من نساء الدنيا ، والزيادة على ذلك من الحور العين وقال أبو العباس القرطبي بهذا يعلم أن نوع النساء المشتمل على الحور ، والآدميات في الجنة أكثر من نوع الرجال من بني آدم ورجال بني آدم أكثر من نسائهم ، وعن هذا قال عليه الصلاة والسلام أقل ساكني الجنة النساء وأكثر ساكني جهنم النساء يعني نساء بني آدم هن أقل في الجنة وأكثر في النار (قلت) وإذا قلنا بالأول إن لكل واحد منهم زوجتين من نساء الدنيا فيشكل على ذلك قوله أقل ساكني الجنة النساء ولعل راويه رواه بالمعنى في فهمه فأخطأ ، فهم من كونهن أكثر ساكني جهنم أنهن أقل ساكني الجنة .

وقد تقدم أن ذلك لا يلزم وأنهن أكثر ساكني الجهتين معا لكثرتهن والله أعلم .

(الثالثة عشرة) قد تبين ببقية الروايات أن الزوجتين أقل ما يكون لساكن الجنة من نساء الدنيا وأن أقل ما يكون له من الحور العين سبعون زوجة .

وأما أكثر ذلك فلا حصر له ، وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال [ ص: 271 ] إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا وفي رواية في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون .

وروى الترمذي من رواية ثوير بن أبي فاختة عن ابن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية .

(الرابعة عشرة) قوله يرى مخ ساقهما من وراء اللحم يعني من شدة صفاء لحم الساقين كما يرى السلك في جوف الدرة الصافية وروى الترمذي من حديث ابن مسعود مرفوعا إن المرأة من نساء أهل الجنة يرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها وذلك أن الله يقول كأنهن الياقوت والمرجان فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ، ثم استصفيته لرأيته من ورائه .

وفي هذا زيادة وهي صفاء الحلل ورقتها بحيث يرى المخ من ورائها أيضا ولو كثر عددها .

(الخامسة عشرة) قوله قلوبهم على قلب واحد بالإضافة وترك التنوين أي على قلب شخص واحد يريد أنها مطهرة عن مذموم الأخلاق مكملة لمحاسنها والله أعلم .

(السادسة عشرة) قوله يسبحون الله بكرة وعشية أي بقدرهما فأوقات الجنة من الأيام ، والساعات تقديريات فإن ذلك إنما يجيء من اختلاف الليل ، والنهار وسير الشمس ، والقمر وليس في الجنة شيء من ذلك .

(السابعة عشرة) قال أبو العباس القرطبي هذا التسبيح ليس عن تكليف وإلزام لأن الجنة ليست بمحل تكليف وإنما هي محل جزاء ، وإنما هو عن تيسير وإلهام كما قال في الرواية الأخرى يلهمون التسبيح ، والتحميد ، والتكبير كما يلهمون النفس ووجه التشبيه أن تنفس الإنسان لا بد له منه ولا كلفة عليه ولا مشقة في فعله وآحاد التنفسات مكتسبة للإنسان وجملتها ضرورية في حقه إذ يتمكن من ضبط قليل الأنفاس ولا يتمكن من جميعها فكذلك يكون ذكر الله سبحانه وتعالى على ألسنة أهل الجنة وسر ذلك أن قلوبهم قد تنورت بمعرفته ، وأبصارهم ، قد تمتعت برؤيته ، وقد غمرتهم سوابغ نعمته ، وامتلأت أفئدتهم بمحبته ، فألسنتهم ملازمة [ ص: 272 ] ذكره ، ورهينة شكره ؛ فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره ، انتهى .

التالي السابق


الخدمات العلمية