صفحة جزء
باب السواك وخصال الفطرة عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك زاد البخاري مع كل صلاة وقال مسلم عند كل صلاة وفي رواية للبخاري علقها مع كل وضوء وأسندها ابن خزيمة في صحيحه والحاكم وصححها


[ ص: 62 ] باب السواك وخصال الفطرة " الحديث الأول " عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك فيه فوائد :

(الأولى) حديث أبي هريرة أخرجه الأئمة الستة البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من رواية الأعرج والترمذي من رواية أبي سلمة وابن ماجه من رواية سعيد المقبري كلهم عن أبي هريرة .

(الثانية) اختلفت الرواة عن مالك في لفظه فقال أبو مصعب وجماعة ما تقدم وكذا قال عبد الله بن يوسف وزاد مع كل صلاة رواه البخاري من طريقه وقال يحيى بن يحيى وآخرون على أمتي فقط ولم يقولوا أو على الناس وقال القعنبي وأيوب بن صالح على المؤمنين أو على الناس وكذا قال معن بن عيسى وزاد في روايته أيضا عند كل صلاة وزاد أيضا قتيبة عن مالك في روايته عند كل صلاة كما رواه النسائي .

وكذا قال ابن عيينة عن أبي الزناد كما رواه مسلم وغيره وقد رواه جماعة عن مالك عن ابن شهاب عن حميد عن أبي هريرة مرفوعا فزادوا فيه مع كل وضوء كذا رواه عن مالك الشافعي في رواية حرملة وروح بن عبادة وبشر بن عمر الزهراني وإسماعيل بن أبي أويس رواه النسائي من رواية بشر بن عمر والبيهقي من رواية روح وإسماعيل .

وقد ذكرها البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما فقال وقال أبو هريرة ووصلها ابن خزيمة في صحيحه والحاكم وصححها وهي في الموطإ موقوفة على أبي هريرة وليس في بعض الروايات ذكر الوضوء وفي بعضها ذكره على الشك بينه وبين الصلاة .

(الثالثة) السواك بكسر السين يطلق على الفعل وعلى العود الذي يستاك به وهو مذكر على الصحيح وحكى صاحب المحكم فيه التأنيث أيضا وغلط الأزهري القول بالتأنيث واختلف في مأخذه فقيل من ساك [ ص: 63 ] إذا دلك يقال ساك فمه يسوكه سوكا وقيل هو من جاءت الإبل تساوك هزالا .

(الرابعة) استدل به الشافعي على أن السواك ليس بواجب قال لأنه لو كان واجبا أمرهم به شق عليهم أو لم يشق انتهى .

وقد حكى بعضهم الإجماع على أنه لا يجب وحكى الشيخ أبو حامد الإسفراييني من الشافعية أن داود أوجبه للصلاة وكذا حكى أبو العباس القرطبي عن داود وجوبه وحكى أيضا عن إسحاق وجوبه وأنه إن تركه عامدا بطلت صلاته قال النووي .

وقد أنكر أصحابنا المتأخرون على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود وقالوا مذهبه أنه سنة كالجماعة قال : ولو صح إيجابه عن داود لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون قال : وأما إسحاق فلم يصح هذا المحكي عنه .

(الخامسة) كلمة لولا حرف يدل على امتناع الشيء لوجود غيره ، وإذا تقرر ذلك فقد استدل بعض أهل الأصول بهذا الحديث على أن الأمر للوجوب ووجه الدلالة منه انتفاء الأمر لوجود المشقة ، والمنفي إنما هو الوجوب دون الاستحباب اتفاقا فاقتضى ذلك أن الأمر للوجوب قال النووي : وهو مذهب أكثر الفقهاء وجماعات من المتكلمين وأصحاب الأصول قال : وهذا الاستدلال يحتاج في تمامه إلى دليل على أن السواك كان مسنونا حالتئذ .

(السادسة) فإن قال قائل : إن في حديث الباب أنه لم يأمرهم ، وقد ورد في أحاديث أخر أنه أمر بذلك فروى ابن ماجه من حديث أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم الحديث ، وروى البزار في مسنده من حديث العباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تدخلون علي قلحا استاكوا .

ورواه أحمد في مسنده من حديث تمام بن العباس بلفظ ما لي أراكم تأتوني قلحا استاكوا رواه البيهقي في سننه من حديث ابن عباس بلفظ تدخلون علي قلحا استاكوا .

وروى البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عباس مرفوعا عليك بالسواك فإنه مطهرة للفم الحديث .

والجواب عنه من ثلاثة أوجه :

(أحدها) أن الأحاديث التي ورد فيها الأمر لا يصح منها شيء ، أما حديث أبي أمامة ففيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف جدا .

وأما حديث العباس وحديث تمام وحديث ابن عباس الأول أيضا ففيها أبو علي الصيقلي [ ص: 64 ] وهو مجهول قاله ابن السكن وغيره .

، وأما حديث ابن عباس الأخير فتفرد به الخليل بن مرة وهو منكر الحديث كما قال البخاري .

والوجه (الثاني) أن حديث الباب ليس المنفي فيه مطلق الأمر بل الأمر الذي هو للوجوب بدليل رواية البيهقي في بعض طرق حديث أبي هريرة لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع الوضوء الحديث وأيضا فحديث أبي أمامة الذي فيه الأمر قال في تتمة الحديث ولولا أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضته عليهم وكذا قال أحمد في حديث تمام لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك كما فرضت عليهم الوضوء .

وكذا قال البيهقي في السنن في حديث ابن عباس : ما لي أراكم تأتوني قلحا لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك الحديث فدل ذلك على تقدير ثبوتها على أن المنفي أمر الإيجاب لا الأمر الذي محمله الندب .

والوجه (الثالث) أن حديث الباب وإن دل على أن المنفي الأمر به مطلق السواك فقد دلت رواية الصحيحين على تقييد ذلك بكونه مع كل صلاة ، والمنفي مع القيد غير المنفي مطلقا وليس في قوله لولا أن أشق لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة أو عند كل وضوء أنه لم يأمرهم به ولو في اليوم مرة أو في الشهر أو في السنة أو في العمر فلا تعارض حينئذ والله أعلم .

(السابعة) استدل به أيضا على أن المندوب ليس مأمورا به وفيه خلاف بين الأصوليين قال صاحب المفهم : والصحيح أنه مأمور به ؛ لأنه قد اتفق على أنه مطلوب ومقتضاه كما قد حكاه أبو المعالي قال النووي ويقال في هذا الاستدلال ما قدمناه في الاستدلال على الوجوب .

(الثامنة) استدل به أيضا على جواز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم فيما لم يرد فيه نص من الله تعالى ووجهه أنه جعل المشقة سببا لعدم أمره فلو كان الحكم متوقفا لكان سبب انتفاء أمره عدم ورود النص لا ورود المشقة قال النووي : وهذا مذهب أكثر الفقهاء وأصحاب الأصول وهو الصحيح المختار وقال ابن دقيق العيد : إن في دلالته على ذلك احتمالا للبحث ، والتأويل .

(التاسعة) استدل بعموم [ ص: 65 ] رواية الصحيحين عند كل صلاة .

ورواية النسائي وابن خزيمة ، والحاكم عند كل وضوء على استحباب السواك للصائم بعد الزوال عند صلاة الظهر وصلاة العصر وعند الوضوء في ذلك الزمن ، وقد استدل به على ذلك البخاري والنسائي وغيرهما وهو قول الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني وأكثر العلماء .

وقال النووي في شرح المهذب : إنه المختار ، وقد روى أبو داود ، والترمذي وحسنه من حديث عامر بن ربيعة قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسوك ما لا أحصي وهو صائم وقال الشافعي : يكره بعد الزوال للصائم قال ابن دقيق العيد : ويحتاج إلى دليل خاص بهذا الوقت يخص به ذلك العموم وهو حديث الخلوف وفيه بحث انتهى ، وسيأتي تمام الكلام على ذلك في الصيام إن شاء الله تعالى .

(العاشرة) استدل بقوله مع كل وضوء من ذهب إلى أن السواك من سنن الوضوء وهو أحد الوجهين لأصحابنا قال الرافعي وهو الوجه قال ولم يعده كثيرون من سننه وإن كان مندوبا في ابتدائه .

(الحادية عشر) في رواية الصحيحين استحباب السواك عند كل صلاة وهو كذلك وحكى ابن عبد البر في التمهيد عن الأوزاعي عمن أدركه من أهل العلم تأكده عند صلاتي الصبح ، والظهر ، وقد روى أحمد في مسنده ، والحاكم في المستدرك من حديث عائشة مرفوعا صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك .

قال الحاكم صحيح على شرط مسلم وتعقبه ابن الصلاح في مشكل الوسيط ، والنووي في شرح المهذب بأنه من رواية ابن إسحاق بالعنعنة وهو مدلس فلا يصح زاد النووي والمدلس إذا لم يذكر سماعه لم يحتج به بلا خلاف .

قلت وقوله بلا خلاف ليس بجيد بل فيه الخلاف في الاحتجاج بالمرسل وأولى بالصحة لاحتمال عدم سقوط أحد وممن صرح بجريان الخلاف فيه ابن الصلاح وغيره والله أعلم .

وضعف يحيى بن معين أيضا الحديث المذكور وقال إنه باطل .

(الثانية عشر) قال ابن دقيق العيد : السر [ ص: 66 ] في استحباب السواك عند القيام إلى الصلاة أنا مأمورون في كل حالة من أحوال التقرب إلى الله تعالى أن نكون في حالة كمال ونظافة إظهارا لشرف العبادة قال : وقد قيل : إن ذلك لأمر متعلق بالملك وهو أن يضع فاه على في القارئ ويتأذى بالرائحة الكريهة فسن السواك لأجل ذلك انتهى قلت قد ورد هذا مرفوعا رواه البزار في مسنده من حديث علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي قام الملك خلفه فيسمع لقراءته فيدنو منه أو كلمة نحوها حتى يضع فاه على فيه فما يخرج من فيه شيء إلا صار في جوف الملك فطهروا أفواهكم للقرآن ورجاله رجال الصحيح إلا أن فيه فضيل بن سليمان النميري وهو وإن أخرج له البخاري ووثقه ابن حبان فقد ضعفه الجمهور وآخر الحديث عند ابن ماجه من قول علي إن أفواهكم طرق للقرآن فطيبوها بالسواك وفيه بحر بن كثير السقا ضعيف جدا .

وقد رفعه أبو نعيم في الحلية من هذا الوجه (قلت) : ويحتمل أن يقال حكمته عند إرادة الصلاة ما ورد أنه يقطع البلغم ، ويزيد في الفصاحة كما سيأتي في الفائدة الرابعة عشر ، وتقطيع البلغم مناسب للقراءة لئلا يطرأ عليه فيمنعه القراءة وكذلك الفصاحة .

(الثالثة عشر) أطلق في حديث الباب ذكر السواك مطلقا وهو يقتضي استحبابه مطلقا ، وهو كذلك وإنما يتأكد في أحوال منها عند الوضوء وإرادة الصلاة كما تقدم ومنها عند القيام من النوم لما ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك ، وقد يقال المراد قام من الليل للصلاة فيكون المراد السواك للصلاة أو عند الوضوء ومنها قراءة القرآن كما جزم به الرافعي .

وقد تقدم في الفائدة قبلها حديث علي في ذلك ومنها تغير الفم سواء فيه تغير الرائحة أو تغير اللون كصفرة الأسنان كما ذكره الرافعي ومنها دخول المنزل جزم به النووي من زوائده في الروضة لما روى مسلم وأبو داود ، والنسائي وابن ماجه من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيته يبدأ بالسواك .

ومنها إرادة النوم كما ذكره الشيخ أبو حامد في الرونق وورد فيه ما رواه ابن عدي في الكامل من حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستاك إذا أخذ مضجعه وفيه حرام بن عثمان ، وهو متروك قلت ومنها الانصراف من [ ص: 67 ] صلاة الليل لما روى ابن ماجه من حديث عباس بإسناد صحيح قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل ركعتين ركعتين ثم ينصرف فيستاك .

(الرابعة عشر) في فوائد السواك مطلقا روى البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عليك بالسواك فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب مفرحة للملائكة يزيد في الحسنات ، وهو من السنة يجلو البصر ويذهب الخضرة ويشد اللثة ويذهب البلغم ويطيب الفم وزاد البيهقي في رواية أخرى ويصح المعدة وفي بعض طرقه عند غير البيهقي ، ويزيد في الفصاحة قال البيهقي تفرد به الخليل بن مرة وليس بالقوي انتهى .

وقد قال فيه أبو زرعة : شيخ صالح وقال ابن عدي يكتب حديثه وضعفه الجمهور وصدر الحديث صحيح رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : السواك مطهرة للفم مرضاة للرب وذكره البخاري في كتاب الصيام تعليقا مجزوما به .

(الخامسة عشر) فيما يستحب السواك به ويصح ، ذكر الغزالي أن السواك يكون بقضبان الأشجار قال الرافعي : وليس ذلك على سبيل الاشتراط لكنها أولى من غيرها قال : والأولى منها الأراك قال ، والأحب أن يكون يابسا لين بالماء قال : وأصل السنة تتأدى بكل خشن يصلح لإزالة القلح كالخرقة ، والخشبة ونحوها نعم لو كان جزءا منه كأصبعه الخشنة ففيها ثلاثة أوجه أظهرها لا يجزئ ؛ لأنه لا يسمى استياكا .

والثاني يجزئ لحصول مقصود الاستياك به ، والثالث إن قدر على العود ونحوه فلا يجزئ وإلا فيجزئ لمكان العذر انتهى .

وقوله بأصبعه الخشنة احترازا مما إذا كانت ناعمة فإنه لا يجزئ الاستياك بها قطعا لعدم إزالة القلح وقوله بأصبعه ليخرج به أصبع غيره ، وقد جزم النووي في شرح المهذب ودقائق المنهاج أنه يجزئ بها قطعا ، وما أدري ما وجه التفرقة بين أصبعه وأصبع غيره وكونه جزءا منه لا يظهر منه ما يقتضي منعه بل كونها أصبعه أبلغ في الإزالة ؛ لأنه يتمكن بها أكثر من تمكن غيره أن يسوكه بأصبعه لا جرم .

قال النووي في شرح المهذب المختار أخراه مطلقا قال وبه قطع القاضي حسين والمحاملي في اللباب والبغوي واختاره في البحر انتهى .

وهكذا قطع به أيضا أبو حامد في الرونق ، والحديث الذي ورد في السواك بالأصبع أعم من أصبعه وأصبع غيره بل في [ ص: 68 ] بعضها التصريح بأصبع المستاك كما رواه البيهقي في سننه من حديث أنس أن رجلا من الأنصار من بني عمرو بن عوف قال يا رسول الله إنك رغبتنا في السواك فهل دون ذلك من شيء ؟ قال إصبعاك سواك عند وضوئك تمرهما على أسنانك . الحديث ورجاله ثقات إلا أن الراوي له عن أنس بعض أهله غير مسمى ، وقد ورد في بعض طرقه بأنه النضر بن أنس ، وهو ثقة ولفظه يجزئ من السواك الأصابع . وفيه عيسى بن شعيب البصري قال فيه عمرو بن علي الفلاس أنه صدوق وقال ابن حبان : كان ممن يخطئ حتى فحش خطؤه فاستحق الترك

وبالجملة فلا يظهر معنى في التفرقة بين أصبعه وأصبع غيره فالمختار كما قال النووي تأدي السنة به مطلقا ما لم تكن ناعمة لا تزيل القلح والله أعلم .

قال ابن عبد البر في التمهيد وتأول بعضهم في الحديث المروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشوص فاه بالسواك : أنه كان يدلك أسنانه بأصبعه ويستجزئ بذلك من السواك .

وقد أطلق أصحاب الشافعي على استحباب الأراك وذكر بعض العلماء أنه لم يصح أو لم يرد في الاستياك به حديث ، وهو عجيب ، وقد تتبعت ذلك فوجدت الطبراني قد روى من حديث أبي خبرة الصحابي وله صحبة فذكر حديثا قال فيه : ثم أمر لنا يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأراك فقال : استاكوا بهذا .

وروى الحاكم في المستدرك من حديث عائشة في دخول أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه سواك من أراك فأخذته عائشة فطيبته ثم أعطته رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستن به . والحديث في الصحيح وليس فيه ذكر الأراك وفي بعض طرقه عند البخاري ومعه سواك من جريد النخل

وروى أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود أنه كان يحتبي سواكا من الأراك فكان دقيق الساقين فجعلت الريح تكفؤه فضحك القوم منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مما تضحكون قالوا : يا نبي الله من دقة ساقيه فقال والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد .

فهذا قد ورد أنه استاك به وأمر به وقال ابن عبد البر في التمهيد : والسواك المندوب إليه هو المعروف عند العرب وفي عصر النبي صلى الله عليه وسلم وذلك الأراك ، والبشام قال الشاعر :

إذا هـــي لـــم تســـتك بعـــود أراك

وقال جرير : [ ص: 69 ]

أتذكــــر يـــوم تصقـــل عارضيهـــا     بفــــرع بشـــامة ســـقي البشـــام

قال ابن عبد البر : وكل ما يجلو الأسنان إذا لم يكن فيه صبغ ولون فهو مثل ذلك ما خلا الريحان ، والقصب فإنهما يكرهان قال : وقد كره جماعة من أهل العلم السواك الذي يغير الفم ويصبغه لما فيه من التشبه بزينة النساء وقال في موضع آخر كل ما جلا الأسنان ولم يؤذها ولا كان من زينة النساء فجائز الاستنان به انتهى وذكر أبو موسى المديني في ذيل الغربيين عن عمرو بن دينار قال لا بأس بفرع السواك من البشامة قال : والبشام شجر طيب الريح يستاك به واحدتها بشامة .

(السادسة عشر) في صفة الاستياك المأمور به روى أبو نعيم في كتاب له في السواك من حديث عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يستاك عرضا ولا يستاك طولا وإسناده ضعيف .

وروى أبو داود في المراسيل من حديث عطاء بن أبي رباح قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شربتم فاشربوا مصا ، وإذا استكتم فاستاكوا عرضا .

وروى ابن منده في الصحابة من حديث بهز قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك عرضا ورواه البيهقي وقال إنما يعرف بهز بهذا الحديث ، وروى البيهقي أيضا من حديث ربيعة بن أكتم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك عرضا الحديث .

وقال ابن ربيعة بن أكتم استشهد بخيبر فعلى هذا يكون منقطعا ؛ لأنه من رواية ابن المسيب عنه قال أصحابنا : والمراد بقوله عرضا عرض الأسنان في طول الفم واختلفوا هل يحصل سنة السواك بالاستياك طولا أم لا ؟ فحكى الرافعي عن إمام الحرمين أنه يمر السواك على طول الأسنان وعرضها فإن اقتصر على إحدى الجهتين فالعرض أولى لحديث استاكوا عرضا قال وهكذا أورده المصنف في الوسيط قال وذكر آخرون منهم صاحب التتمة أنه يستاك في عرض الأسنان لا في طولها قال فعلى الأول قوله عرضا ليس ؛ لأنه متعين في إقامة هذه السنة بل خصه بالذكر ؛ لأنه أولى وعلى الثاني هو تعيين ورووا في الخبر أنه قال : استاكوا عرضا لا طولا وروى النووي في شرح المهذب أن ما قاله الإمام والغزالي شاذ مردود مخالف للنقل ، والدليل .

وكذا قال في شرح الوسيط المسمى بالتنقيح هذا باطل لا أصل له في الحديث ولا في المذهب بل الصواب الاقتصار على العرض بل نص [ ص: 70 ] جماعة من أصحابنا على كراهة الطول وسبقه إلى إنكار ذلك على الغزالي ابن الصلاح في مشكل الوسيط .

وقال النووي في شرح المهذب فلو خالف واستاك طولا حصل السواك وإن خالف المختار صرح به أصحابنا ، وكذا قال في شرح مسلم فإن استاك طولا حصل السواك مع الكراهة قال ويستحب أن يبدأ في سواكه بالجانب الأيمن من فمه .

(السابعة عشر) ذهب بعضهم إلى أن السواك كان واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم واستدل بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا أو غير طاهر فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة وفي إسناده محمد بن إسحاق ، وقد رواه بالعنعنة ، وهو مدلس .

وحجة من لم يجعله واجبا عليه ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك حتى لقد خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي الحديث وإسناده ضعيف .

وروى أحمد في مسنده من حديث واثلة بن الأسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي وإسناده حسن ، والخصائص لا تثبت إلا بدليل صحيح والله أعلم .

(الثامنة عشر) قال ابن عبد البر : فيه دليل على فضل التيسير في أمور الديانة وأن ما يشق منها مكروه قال الله تعالى : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما .

(التاسعة عشر) إن قيل قد روى أبو داود ، والنسائي بإسناد الصحيح في هذا الحديث لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء وبالسواك عند كل صلاة وفي رواية للبيهقي ولأخرت العشاء إلى نصف الليل وفي رواية له إلى ثلث الليل أو نصفه فلم ذهبتم إلى تأكد السواك عند الصلاة ولم تذهبوا إلى استحباب تأخير العشاء ؟ بل قلتم تقديمها أفضل على الأظهر كما قاله الرافعي والنووي مع أن كلا منهما علل فيه ترك الأمر بالمشقة .

والجواب عنه من وجهين أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم واظب على السواك فأجمعوا لذلك على استحبابه ولم يواظب على تأخير العشاء بل كان الغالب عليه تقديمها وأخرها مرة قبل أن يفشو الإسلام وكان يؤخرها أحيانا دون ذلك فكان [ ص: 71 ] الأفضل تقديمها لغلبة ذلك من فعله ، والوجه الثاني أن الأمر الذي تركه لخشية المشقة ليس مستويا في الصورتين بل الأمر الذي يتعلق بالسواك أمر إيجاب وفرض كما نص عليه في قوله لفرضت عليكم السواك كما تقدم فإنما ترك الأمر الدال على الفرض وأتى به وأمر به إن ثبت الأمر به على سبيل الندب .

وأما الأمر الذي يتعلق بتأخير العشاء فإنه أمر ندب قطعا لما ثبت وأجمعوا عليه من جواز فعلها من أول دخول وقتها فلو أمرهم بتأخيرها إنما كان يأمرهم على سبيل الندب ولم يأمرهم بذلك الأمر الذي لو وقع لكان ندبا ولم يواظب عليه بل كان الغالب من فعله تقديمها فكان تقديمها أفضل والله أعلم .

(الفائدة العشرون) قال النووي فيه بيان ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم من الرفق بأمته .

(الحادية والعشرون) السواك المأمور به هل الأولى أنه يباشره المستاك بيمينه أو بشماله ؟ ذكر بعض متأخري الحنابلة ممن رأيته أنه يستاك بيمينه ؛ لأنه ورد في بعض طرق حديث عائشة المشهور كان يعجبه التيمن في ترجله وتنعله وتطهره وسواكه وسمعت بعض مشايخنا الشافعية يبني ذلك على أن السواك هل هو من باب التطهير ، والتطيب أو من باب إزالة القاذورات ؟ .

فإن جعلناه من باب التطيب استحب أن يكون بيمينه وإن جعلناه من باب إزالة القاذورات استحب أن يليه بشماله لحديث عائشة كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى رواه أبو داود بإسناد صحيح وله من حديث حفصة كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه ويجعل شماله لما سوى ذلك وما استدل به على أنه يستحب باليمين ليس فيه دلالة على ما ذهب إليه فإن المراد منه البداءة بالشق الأيمن في الترجل ، والبداءة بلبس النعل ، والبداءة بالأعضاء اليمنى في التطهر ، والبداءة بالجانب الأيمن من الفم في الاستياك كما تقدم .

وأما كونه يفعل ذلك بيمينه فيحتاج إلى نقل .

والظاهر أنه من باب إزالة الأذى كالامتخاط ونحوه فيكون باليسرى ، وقد صرح بذلك أبو العباس القرطبي من المالكية فقال في المفهم حكاية عن مالك أنه لا يتسوك في المساجد ؛ لأنه من باب إزالة القذر والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية