صفحة جزء
وعن سعيد عن أبي هريرة قال دخل أعرابي المسجد فصلى ركعتين ثم قال : اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لقد تحجرت واسعا ، ثم لم يلبث أن بال في المسجد فأسرع الناس إليه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين هريقوا عليه دلوا من ماء أو سجلا من ماء ، رواه البخاري : فرقه في موضعين واتفق الشيخان على قصة البول من حديث أنس .


(الحديث الثالث) عن سعيد عن أبي هريرة قال دخل أعرابي المسجد فصلى ركعتين [ ص: 135 ] ثم قال : اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لقد تحجرت واسعا ، ثم لم يلبث أن بال في المسجد فأسرع الناس إليه فقال لهم رسول الله : صلى الله عليه وسلم إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين هريقوا عليه دلوا من ماء أو سجلا من ماء رواه البخاري فرقه في موضعين فيه فوائد :

(الأولى) حديث أبي هريرة هذا رواه الزهري عن ثلاثة من أصحاب أبي هريرة سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبي سلمة بن عبد الرحمن فأما رواية سعيد بن المسيب فأخرجها بكمالها أبو داود ، والترمذي وصححها وأخرجها النسائي مقتصرا على أول الحديث دون قصة البول .

(وأما) رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فأخرجها البخاري مفرقة في موضعين فذكر قصة البول في الطهارة وفي الأدب أيضا وذكر أول الحديث في الأدب أيضا .

وأما رواية أبي سلمة فأخرجها البخاري وأبو داود ، والنسائي مقتصرين على أول الحديث دون قصة البول وأخرجها ابن ماجه وذكر قصة البول أيضا وأخرج الشيخان ، والنسائي وابن ماجه قصة البول من حديث أنس ورواه ابن ماجه بتمامه من حديث واثلة بن الأسقع .

(الثانية) الأعرابي هو ساكن البادية وقيل من سكنها من العرب وجمع الأعرابي أعراب وقال ابن دقيق العيد أن الأعرابي منسوب إلى الأعراب وهم سكان البوادي قال : وقعت النسبة إلى الجمع دون الواحد فقيل : لأنه جرى مجرى القبيلة كأثمار وقيل : لأنه لو نسب إلى الواحد ، وهو عرب لقيل عربي فيشتبه المعنى ، فإن العربي كل من هو من ولد إسماعيل عليه السلام سواء كان ساكنا بالبادية أو بالقرى ، وهذا غير المعنى الأول انتهى .

[ ص: 136 ] وقوله إن الأعراب جمع عرب ليس بجيد ، وإنما هو جمع أعرابي كما ذكره أهل اللغة ولم أر من صنف في المبهمات سمى هذا الأعرابي .

(الثالثة) فيه استحباب ركعتين عند دخول المسجد تحية له ، وهو كذلك ، وقد كان ذلك معلوما عندهم حتى عند الأعرابي الغريب الذي وقع منه البول في المسجد ، وإنما يتركها الداخل إذا دخل المسجد ، وقد أقيمت الصلاة أو دخل وعليه صلاة يخاف فوتها ، فإنه يقدم الفرض أو دخل المسجد الحرام ، فإن المشروع في حقه الطواف وتتأدى التحية بالفرض وركعتي الطواف ، فإن دخل المسجد الحرام ، وقد منع الناس من الطواف لقرب الصلاة أو خروج الخطيب فيستحب له حينئذ ركعتا التحية ويحتمل أن هاتين الركعتين ليستا للتحية ، وإنما هما فرض صلاته ففي بعض طرقه عند البخاري من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة وقمنا معه فقال أعرابي ، وهو في الصلاة : اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم قال : لقد حجرت واسعا يريد رحمة الله ولم يذكر قصة البول فظاهر هذا أنه كان معهم في صلاة الفرض والله أعلم .

(الرابعة) كيف وجه الجمع بين الاختلاف ، فإن ظاهر حديث الباب أنه قال ذلك بعد الفراغ من صلاته للركعتين ؛ لأنه أتى بقوله ، ثم قال الدالة على الترتيب ، والتراخي وفي رواية البخاري أنه قال ذلك في الصلاة وفي رواية ابن ماجه دخل أعرابي المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فقال : اللهم اغفر له ولمحمد ولا تغفر لأحد معنا فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث ، والجواب أنه يحتمل أنه دخل والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فصلى ركعتين للتحية ، ثم أقيمت الصلاة فصلى معهم وقال ذلك في صلاته إلا أن هذا قد ينافيه قوله دخل ، وهو جالس فقال فأتى بالفاء المقتضية للتعقيب ، وقد ثبت في رواية أبي داود ، والترمذي أنه دخل ، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فصلى وفي رواية فصلى ركعتين ، ثم قال فقد زادا ذكر الصلاة كحديث الباب ، والحكم لمن حفظ وزاد والله أعلم ويحتمل أنه لما كان ذلك بمجلس واحد أتى بالفاء .

(الخامسة) فيه أن من أدب الدعاء أن من دعا بمجلس جماعة لا يخص نفسه بالدعاء من بينهم أو لا يخص نفسه وبعضهم دون جميعهم ، فأما الدعاء بأنه لا يرحم الباقين أو لا يغفر لهم فلا يجوز [ ص: 137 ] ذلك لغير سبب يقتضي ذلك ، وهذا وقع من هذا الأعرابي جهلا بآداب الدعاء ، ولذلك أنكره عليه النبي صلى الله عليه وسلم ويتأكد استيعاب الحاضرين على إمام الجماعة فلا يخص نفسه دون المأمومين لما روى أبو داود ، والترمذي من حديث ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤم رجل قوما فيخص نفسه بدعوة دونهم ، فإن فعل فقد خانهم قال الترمذي حديث حسن .

والظاهر أن هذا محمول على ما لا يشاركه فيه المأمومون كدعاء القنوت ونحوه فأما ما يدعو كل أحد به كقوله بين السجدتين اللهم اغفر لي وارحمني واهدني ، فإن كلا من المأمومين يدعو بذلك فلا حرج حينئذ في الإفراد إلا أنه يحتمل أن بعض المأمومين يترك ذلك نسيانا أو لعدم العلم باستحبابه فينبغي حينئذ أن يجمع الضمير لذلك فأما دعاء الداعي لجميع المسلمين بالمغفرة ، والرحمة فقد منع من جواز ذلك الشيخ شهاب الدين القرافي ؛ لأنه يعلم أن لا بد من عذاب بعض العصاة من المسلمين ، وهذا مردود عليه لورود ذلك عن السلف ، والخلف وخروجهم من النار بعد العذاب إنما هو بالمغفرة ، والرحمة فلا مانع من تعميم الدعاء بذلك والله أعلم .

(السادسة) فيه المبادرة إلى إنكار المنكر وتعليم الجاهل ، وأنه لا يؤخر ذلك عند الاطلاع عليه ، فإن كان ذلك ، وهو في الصلاة كما عند البخاري ، فإنه يؤخر الإنكار إلى ما بعد الصلاة كما في بقية الحديث أنه لما سلم أنكر ذلك عليه ، وهذا إذا كان المنكر لا يتعدى ضرره نحو هذه الواقعة أما لو تعدى ضرره كأن رآه يقتل نفسا بغير حق أو نحو ذلك فيجب قطع الصلاة وإزالة ما قدر على إزالته من ذلك المنكر والله أعلم .

(السابعة) قوله لقد تحجرت واسعا قال صاحب النهاية أي ضيقت ما وسعه الله وخصصت به نفسك دون غيرك انتهى والمعنى أردت ذلك وإلا فلا يمكن تحجير ما أراد تحجره والتفعل قد يطلق ويراد به تكلف الشيء وبلوغه بمشقة ، وقد يطلق على تكلف ما لا يناله ولا يطيقه نحو ما نحن فيه وكقوله من تحلم كلف أن يعقد بين شعيرتين فالمراد أن يقول حلمت بكذا ، وكذا ولم يكن حلم ولا رأى شيئا فهو تفعل الشيء من غير دخول فيه ولا بلوغ له والله أعلم .

وقد ورد هذا أيضا في بعض طرق البخاري بغير تاء التفعل لقد حجرت أو حجرت واسعا روي بالتشديد [ ص: 138 ] والتخفيف ، والمعنى أردت ذلك ودعوت به ولن تبلغه والله أعلم .

(الثامنة) وفيه أن جاهل الحكم بالتحريم إذا خفي عليه ذلك لكونه قريب العهد بالإسلام أو نشأ في بادية بعيدة عن العلماء لا يعزر على ذلك المحرم ولا يقام عليه الحد إن كانت المعصية فيها حد ، وهي حق لله تعالى ؛ لأن هذا أعرابي نشأ بالبادية فلم يكن يعلم أن المساجد لا يجوز البول فيها فلم يعاقبه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤنبه ، ثم علمه الحكم ونهاهم عن الوقوع به وعن الصياح عليه كما سيأتي وفي حديث واثلة بن الأسقع عند ابن ماجه أنه قال له : ويحك أو ويلك ، والعرب تطلق ذلك ولا تريد به الدعاء بل قد ورد أن ويح كلمة رحمة والله أعلم .

(التاسعة) وقوله : فأسرع الناس إليه أي بادروا إليه ومبادرتهم إليه إما للوقوع به كما في بعض طرق البخاري فثار الناس ليقعوا به فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوه وفي رواية له فتناوله الناس ، وإما أسرعوا إليه لزجره ، والصياح عليه ففي بعض طرق البخاري من حديث أنس فزجره الناس ولمسلم فصاح به الناس ، وفي رواية له فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مه مه فقال رسول صلى الله عليه وسلم الله : لا تزرموه دعوه فتركوه حتى بال الحديث .

(العاشرة) فيه الرفق في إنكار المنكر وتعليم الجاهل باستعمال التيسير وترك التعسير ولذلك قال لأصحابه إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين وفي رواية ابن ماجه فقال الأعرابي بعد أن فقه فقام إلي بأبي وأمي صلى الله عليه وسلم فلم يؤنب ولم يسب فقال : إن هذا المسجد لا يبال فيه ، وإنما بني لذكر الله ، والصلاة ، وقوله هنا هذا المسجد أراد به جنس المساجد لا خصوصية مسجده عليه السلام كما هو عند مسلم من حديث أنس ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر ، وإنما هي لذكر الله ، والصلاة وقراءة القرآن أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

(الحادية عشر) فيه احتمال أخف المفسدتين خوفا من الوقوع في أشدهما؛ لأنه أمرهم أن يتركوه حتى يتم بوله في المسجد مع أنه لا يجوز البول في المسجد لا كثيره ولا قليله وأمرهم بتركه فيه فائدتان (إحداهما) أنه قد حصل أصل التنجيس قبل قيامهم إليه فلو قطعوا عليه بوله وأخرجوه لأدى إلى تنجيس مواضع من المسجد غير ذلك الموضع وإلى تنجيس ثيابه وبدنه فكان إكماله للبول في المكان الذي تنجس أخف ضررا .

(والفائدة الثانية) أن [ ص: 139 ] حبس البول يحصل لصاحبه ضررا فكان فيه زيادة ضرر على تنجيس المسجد بعد وقوعه فهذا من رفقه صلى الله عليه وسلم بأمته وحسن نظره لهم وربما ابتلي من تجاوز أمره وتأديبه بأشد مما وقع فيه الجاهل كما حكى لي صاحبنا الشيخ الإمام القدوة شمس الدين محمد بن صديق الجناني رحمه الله ورضي عنه قال : كنت في المسجد الحرام فرأيت رجلا بال في المسجد فتغيظت عليه وزدت في تعنيفه ، ثم ألزمته أن حمل ذلك الحصباء الذي تنجس ببوله في ثوبه حتى أخرجه من المسجد ؛ لأنه كان في زحمة الموسم فخشيت أن يطأه الناس ويتنجسوا به قبل تطهيره قال : ثم تذكرت قوله : صلى الله عليه وسلم لا تزرموه فندمت على إفحاشي عليه وربما كان جاهلا أو سبقه بغير اختياره قال : فابتليت في ذلك اليوم بأن سبقني البول في إزاري وردائي وأنا محرم وكان عنده تحرز في الطهارة ، وربما جاوزها إلى الوسوسة قال فخرجت من المسجد وبقيت حائرا أين أتطهر وأطهر إحرامي مع اجتماع الناس وكثرتهم على المياه بمكة فذهبت إلى فساقي باب المعلى ، والزحام عليها فاستقبلني رجل من السقايين الذين في الركب لا أعرفه ولا أذكر أني رأيته قبل ذلك فقال لي أهلا وسهلا بحبنا الموسوس كأنك تريد تتطهر ؟ فقلت له : نعم فأعطاني شيئا استترت به ، ثم نزع إزاري وردائي ودعا صبيانه فأمسك بعضهم الإزار والرداء وأمر بعضهم فطهر بدنه وأفرغ بالدلو من ماء كثير عليهما حتى طابت نفسي بتطهيرهما ووقف الصبيان بهما في الهواء حتى جفا وأمرهم فصبوا علي حتى طابت نفسي بحصول الطهارة ، ثم ألبسوني إحرامي وقال لي آنستنا اليوم ورحب بي فصرت متعجبا من وقوع مثل هذا من هذه الطائفة وعلمت أن ذلك بندمي على إفحاشي على الذي سبقه البول في المسجد الحرام .

(الثانية عشر) قوله هريقوا عليه هو بفتح الهاء وكسر الراء وإثبات الياء بعد الراء وهكذا هو في النسخ الصحيحة من البخاري وفي بعض نسخ البخاري أهريقوا بإثبات الهمزة في أوله وهكذا هو من رواية الترمذي بزيادة الهمز ، والصواب الأول أنه يحذف الهمز منه في حالة الأمر كما قاله الجوهري في الصحاح وفي الماضي منه لغات أفصحها أهراق الماء بفتح الهمزة ، والهاء معا يهريقه بضم الياء وفتح الهاء ، واللغة الثانية هراق بغير همزة [ ص: 140 ] والثالثة هرق بغيرها أيضا وبغير ألف بين الراء والقاف ، والرابعة أهراق بإثبات الهمز وسكون الهاء ومعناه الإراقة ، والصب .

(الثالثة عشر) فيه نجاسة بول الآدمي ، وهو إجماع من العلماء إلا ما حكي عن داود في بول الصبي الذي لم يطعم أنه ليس بنجس للحديث الصحيح فنضحه ولم يغسله ، وهو مردود بالإجماع فقد حكى بعض أصحابنا الإجماع أيضا في نجاسة بول الصبي .

وأما ما حكاه ابن بطال ، والقاضي عياض ، والقرطبي في المفهم عن الشافعي من طهارة بول الصبي فهو باطل عنه لا أصل له في كتب أصحابه وحكاه القرطبي أيضا عن أحمد بن حنبل وابن وهب من المالكية قال : ورواها الوليد بن مسلم عن مالك قال وحكى ذلك عن أبي حنيفة وقتادة قال القرطبي ، وقد روي عن مالك القول بطهارة الذكر ، والأنثى قال : وهو شاذ في النقل .

(الرابعة عشر) فيه أنه يجب تنزيه المساجد عن البول وسائر النجاسات ، وهو كذلك إذا أدى ذلك إلى تلويثها بالنجاسة ، فإن لم تتلوث كأن بال في إناء أو افتصد في إناء في المسجد فالأصح تحريم البول وكراهة الافتصاد دون تحريمه ، وقد جزم النووي في شرح مسلم بكراهة الفصد في الإناء ولم يحك فيه خلافا وقال في الروضة في الاعتكاف تبعا للرافعي أن الأولى اجتنابه ولم يتعرض للكراهة وجزم البندنيجي بعدم جواز الفصد ، والحجامة كالبول في الطست انتهى .

وكذلك من على بدنه أو ثوبه نجاسة إذا أمن تلوث المسجد بها جاز دخوله ، وإن خاف ذلك لم يجز .

وأما الوضوء في المسجد فقال ابن المنذر أباحه كل من يحفظ عنه العلم إلا أن يتوضأ في مكان يبله ويتأذى الناس به ، فإنه مكروه وحكى ابن بطال جوازه عن أكثر أهل العلم وحكى عن مالك وسحنون كراهته تنزيها للمسجد وحكى الرافعي في الاعتكاف عن صاحب التمهيد أنه لا يجوز نضح المسجد بالماء المستعمل ؛ لأن النفس قد تعافه وأقره عليه وتبعه النووي هنا وقال في الصلاة في الروضة في زوائده أنه لا بأس بالأكل ، والشرب ، والوضوء فيه إذا لم يتأذى به الناس ، وأنه يكره حمل الصنائع فيه وقال الرافعي في إحياء الموات : إن الجلوس في المسجد للبيع ، والشراء والحرفة ممنوع منه إذ حرمة المسجد تأبى اتخاذه حانوتا .

وفرق الشيخ عز الدين بن عبد السلام [ ص: 141 ] في الفتاوى الموصلية بين الحرف فقال : لا يجوز أن تعمل فيه صنعة خسيسة تزري به قال : وأما الكتابة وغيرها مما لا يزري ، فإنه إنما يجوز بشرط أن لا يتبذل ابتذال الحوانيت ، وهذه التفرقة حسنة وحكى القرطبي في المفهم عن مالك أن المساجد لا يفعل فيها شيء من أمور الدنيا إلا أن تدعوا ضرورة أو حاجة إلى ذلك فيتقدر بقدر الحاجة فقط كنوم الغريب فيه وأكله .

(الخامسة عشر) قال صاحب المفهم : فيه حجة لمالك في منع إدخال الميت المساجد وتنزيهها عن الأقذار جملة فلا يقص فيها شعر ولا ظفر ولا يتسوك فيها ؛ لأنه من باب إزالة القذر ولا يتوضأ فيها ولا يؤكل فيها طعام منتن الرائحة إلى غير ذلك مما في هذا المعنى انتهى .

(قلت) : وما أدري ما وجه الدلالة ، وما وجه جعل الميت قذرا إذا لم يخش تلويثه للمسجد ، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد كما ثبت في حديث عائشة في الصحيح وأيضا ، فإنما يحرم رمي الشعر والقلامة فيه ، فأما قصه وعدم إلقائه في المسجد وإخراجه فلا قذارة فيه ، وكذلك السواك ، ولو سلم من باب إزالة القاذورات فهو لا يلقيه في المسجد ، وإنما يزيله في السواك ، فإذا كان السواك محفوظا معه فلا بأس ، وقد ندب إلى السواك لكل صلاة فيؤمر حاضر المسجد أن يخرج حتى يستاك خارج المسجد ؟ هذا مما لا يعقل معناه والله أعلم .

(السادسة عشر) فيه حجة للشافعية في تفريقهم بين الماء الوارد على النجاسة فيطهرها وبين الماء الواردة عليه النجاسة فتنجسه إذا كان قليلا أو كثيرا وتغير بها ووجه الدلالة أنه أمر بصب الماء على البول مع العلم بأنه قد خالط البول ونهى عن البول في الماء الراكد فلو استوى الوارد ، والمورود لما أمر بإيراد الماء على النجاسة ونهى عن إيراد النجاسة على الماء .

قال صاحب المفهم : وهذه مناقضة إذ المخالطة قد حصلت في الصورتين وتفريقهم بورود الماء على النجاسة وورودها عليه فرق صوري ليس فيه من الفقه شيء قال : وليس الباب باب التعبد بل من باب عقلية المعاني ، فإنه من باب إزالة النجاسة وأحكامها قال : ثم هذا كله منهم يرده قوله عليه الصلاة والسلام : الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه انتهى .

وفي كلامه هذا تعصب ومجازفة وتسويته بين الوارد والمورود هو الذي [ ص: 142 ] لا يعقل معناه .

وقد فرق الشارع بينهما فأمر بهذا ونهى عن هذا فكيف يستويان ؟ هذا ما لا يعقل وليس دفع الماء للنجاسة بوروده عليها في حكم صب النجاسة وورودها عليه عند من يعقل ، وما ذكر أنه يرد علينا فهو حديث ضعيف بالاتفاق ؛ لأن الاستثناء فيه غير صحيح ، وما استدللنا به متفق على صحته فلا سواء والله أعلم .

(السابعة عشر) فيه حجة على أبي حنيفة في اشتراطه في تطهير الأرض حفر ما أصابته النجاسة وأنها لا تطهر بصب الماء عليها وخالفه الشافعي ، والجمهور فاكتفوا بأن يصب على النجاسة ما يغمرها من الماء عملا بهذا الحديث واستدل لأبي حنيفة بما رواه أبو داود من رواية عبد الله بن معقل بن مقرن قال صلى أعرابي مع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه القصة قال فيه وقال يعني النبي صلى الله عليه وسلم : خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه وهريقوا على مكانه ماء .

قال أبو داود : وهذا مرسل ابن معقل لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم قال البيهقي : وقد روي ذلك في حديث ابن مسعود وليس بصحيح قال ابن دقيق العيد وأيضا فلو كان نقل التراب واجبا في التطهير لاكتفى به ، فإن الأمر بصب الماء حينئذ يكون زيادة تكليف وتعب من غير منفعة تعود إلى المقصود ، وهو تطهير الأرض .

(الثامنة عشر) فيه حجة لأصح الوجهين لأصحابنا أنه لا يشترط في طهارة الأرض بعد صب الماء عليها نضوب الماء ولا جفاف الأرض ؛ لأنه لو كان مجرد صب الماء عليها لا يطهرها إلا بشرط نضوب الماء لأمرهم أن لا يجلسوا عليها ولا يمشوا عليها حتى يحصل الشرط الذي تحصل به الطهارة ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ويحتمل أن يقال : إن مساجدهم كانت مبطوحة بالحصباء ومعلوم أن الدلو إذا صب على الحصباء لا يمكث على الأرض خصوصا مع حرارة أرضهم فلم يحتج أن يبين لهم ذلك لحصول النضوب عقب الصب .

والجواب عن هذا الاحتمال أن أمره صلى الله عليه وسلم بتطهير الأرض إذا أصابتها النجاسة أمر تشريع يعلمون منه عموم الحكم في الأراضي كلها فلو كان حكم بعض الأرض مخالفا لبعضها لبين ذلك لهم لئلا يظنوا أن الحكم مستو في الأرض المبطوحة بالحصباء وغيرها مما يتأخر نضوب الماء فلما لم يبين لهم ذلك كان الحكم في سائر الأراضي على العموم والله تعالى أعلم .

(التاسعة عشر) فيه أن غسالة النجاسة طاهرة ؛ لأنها لو كانت نجسة لما جاز إبقاؤها في المسجد مع كونه من المعلوم أن البول قد اختلط [ ص: 143 ] بإجزاء الماء ولكن لما حصلت الغلبة للماء بكثرته ووروده بطل حكم النجاسة ، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا بشرط عدم تغيرها وبشرط طهارة المحل ، فإن تغيرت كانت نجسة إجماعا ، وإن لم يطهر المحل بأن كان في المحل نجاسة عينية كالدم ونحوه فلم يزلها الماء وانفصل عنها ، وهي باقية ، فإنه نجس أيضا وزاد الرافعي شرطا آخر ، وهو ألا يزداد وزن الغسالة بعد انفصاله على قدره قبل غسل النجاسة به .

وأشار بعض متأخري الشافعية إلى اعتبار إسقاط ما يشربه المغسول من الماء ، وهو واضح ، وفيه قول مخرج للشافعي أن الغسالة نجسة مطلقا إلا أن يكون قلتين وفي قول قديم له : إن الغسالة طاهرة مطهرة أيضا ما لم تتغير وحكى النووي هذا الخلاف في شرح مسلم وجوها ، وإنما هو أقوال كما صدر به الرافعي كلامه والله أعلم .

(الفائدة العشرون) أمره صلى الله عليه وسلم بأن يصب على البول ذنوب أو سجل هل هو بيان للمقدار الذي لا يكفي في بول الواحد غيره أو المعتبر غلبة الماء على البول ، وأن يصير البول مغمورا مستهلكا فيه ؟ قال الرافعي : والمعتبر أن يكون الماء المصبوب على الموضع غالبا على النجاسة غامرا لها ولا تقدير على ظاهر المذهب ، وفيه وجهان آخران رويا على غير ظاهر المذهب أحدهما : أن يكون الماء سبعة أضعاف البول ، والثاني : يجب أن يصب على بول الواحد ذنوب وعلى بول الاثنين ذنوبان ، وعلى هذا أبدا وتعقبه صاحب المهمات بأن التقدير بهذين الوجهين فيه بعد لا سيما الثاني فتأمله انتهى .

(قلت) : وما استبعده شيخنا قد نص عليه الشافعي رحمه الله في الأم فقال ما نصه : فإذا بيل على الأرض وكان البول رطبا مكانه أو نشفته الأرض وكان موضعه يابسا فصب عليه من الماء ما يغمره حتى يصير مستهلكا في التراب ، والماء جاريا على مواضعه كلها مزيلا لريحه ولا يكون له جسد قائم ولا شيء في معنى جسد من ريح أو لون فقد طهر وأقل قدر ذلك ما يحيط العلم أنه كالدلو الكبير على بول الرجل ، وإن كثر ، وذلك أكثر منه أضعافا لا شك في أن ذلك سبع مرات أو أكثر لا يطهره شيء غيره .

قال : فإن بال على بول الواحد آخر لم يطهره إلا دلوان ، فإن بال اثنان معه لم يطهره إلا ثلاثة ، فإن كثروا لم يطهر الموضع حتى يفرغ عليه من الماء ما يعلم أن قد صب مكان كل رجل دلو عظيم أو كبير هذه عبارته في الأم ومنها نقلت فقد [ ص: 144 ] نص على أن أقل ما يطهر بول الرجل دلو كبير ، وبول الرجلين دلوان وهكذا وليس ذلك ببعيد ؛ لأنه لا بد من المكاثرة ، والغلبة ، وما تحصل به المكاثرة ، والغلبة على بول الرجل الواحد لا تحصل به الغلبة ، والمكاثرة على بول الاثنين ، والجماعة والله أعلم .

(الحادية والعشرون) ذكر القرطبي في المفهم أن فيه حجة للجمهور على أن النجاسة لا يطهرها الجفاف بل الماء خلافا لأبي حنيفة ، وهو قول قديم للشافعي أيضا ، وفي الاستدلال به على ذلك نظر ؛ لأنه لا يلزم من كونه لو أخر فجف بالشمس والريح وقلنا بطهارته بذلك جواز تأخير النجاسة في المسجد ، ولو لم تجب الإزالة على الفور فقد يقول القائل : إنما بادر إلى إزالته خشية تنجس أحد به أو أن يتنقل بالمشي عليه إلى مكان آخر من المسجد .

وقد خالف زفر في ذلك أبا حنيفة وصاحبيه فقال لا تطهر بجفافها بالشمس والريح وناقض أبو حنيفة وصاحباه ما أصلاه في طهارتهما فظاهر الرواية عنهم أنه لا يجوز التيمم بذلك التراب مع حكمهم بطهارته ومما استدل به القائلون بطهارة النجاسة بزوال أثرها بالشمس ، والريح حديث ابن عمر كانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك .

رواه البخاري زاد في بعض نسخ البخاري تبول وتقبل وتدبر ورواها أبو داود وأجاب الخطابي عن ذلك بأن قوله في المسجد متعلق بقوله تقبل وتدبر لا بقوله تبول يريد أنها كانت تبول وربما ترششت بالبول وتقبل مع ذلك وتدبر في المسجد ، وإنما لم يكونوا يغسلون ذلك ؛ لأنه لا نجاسة بين جافين ولم ينقل لنا أنها مرت في حال البلل في المسجد أو في أجسادها والله أعلم .

قال المنذري : وإنما إقبالها وإدبارها في أوقات نادرة ولم يكن على المسجد أبواب تمنع من عبورها فيه (الثانية والعشرون) قوله : دلوا من ماء أو سجلا وفي رواية البخاري سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فأتى بالذنوب موضع الدلو وهل المجموع من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه خير المأمور بين السجل ، والذنوب أو أن في لفظ الحديث أحدهما فقط تشك بعض الرواة ؟ .

والظاهر الاحتمال الثاني بدليل رواية أبي داود صبوا عليه سجلا من ماء أو قال ذنوبا من ماء ، وإذا كان ذلك شكا من بعض الرواة فالراجح فيه ذكر الذنوب ؛ لأنه متفق عليه في حديث أنس من غير شك ، وكذلك في بعض طرقه ذكر الدلو أيضا من غير شك ، وفي رواية ابن ماجه لحديث أبي هريرة بسجل من ماء من غير شك .

وكذلك في حديث واثلة عند ابن ماجه ، والذنوب بفتح الذال المعجمة وضم النون ، وهي الدلو المملوءة ماء وقيل هو الدلو العظيم وقيل لا يسمى ذنوبا حتى يكون فيها ماء ، والسجل بفتح السين المهملة وسكون الجيم الدلو الملأى ماء أيضا وفي الدلو لغتان التذكير ، والتأنيث .

التالي السابق


الخدمات العلمية