صفحة جزء
وعن أنس أنه قال : كنا نصلي العصر ، ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيهم ، والشمس مرتفعة .


(الحديث الثالث) وعن أنس أنه قال كنا نصلي العصر ، ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة فيه فوائد :

(الأولى) كذا في الصحيحين وغيرهما من طريق مالك عن الزهري عن أنس وروى البخاري من طريق شعيب بن أبي حمزة وصالح بن كيسان ومسلم من طريق الليث بن سعد وعمرو بن الحارث أربعتهم عن الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم ، والشمس مرتفعة .

وذكر الدارقطني في العلل أن الصحيح هذه الرواية الثانية ، وقال ابن عبد البر لم يختلف عن مالك أنه قال فيه إلى قباء ولم يتابعه على ذلك أحد من أصحاب ابن شهاب وسائر أصحاب ابن شهاب يقولون فيه ، ثم يذهب الذاهب إلى العوالي ، وهو الصواب عند أهل الحديث ، والمعنى في ذلك متقارب وقال القاضي عياض قوله في حديث مالك : ثم يذهب الذاهب إلى قباء كذا رواه الموطأ عنه قال الدارقطني : هذا مما انتقد على مالك ولم يتابع عليه ؛ لأنه أوقعه ، وقال إلى قباء وخالفه فيه عدد كثير فقالوا العوالي قال غيره : مالك أعلم ببلده وأمكنتها من غيره وهو أثبت في ابن شهاب ممن سواه .

وقد رواه بعضهم [ ص: 164 ] عن مالك إلى العوالي كما قالت الجماعة ورواه ابن أبي ذئب عن الزهري فقال إلى قباء كما قال مالك انتهى .

وبين الدارقطني في العلل أنه اختلف على ابن أبي ذئب في ذلك وحكى ابن بطال عن البزار أنه قال : الصواب ما اجتمعت عليه الجماعة ، وهو مما يعد على مالك أنه وهم فيه قال ابن بطال : وقد روى خالد بن مخلد عن مالك إلى العوالي كما رواه أصحاب ابن شهاب ذكره الدارقطني فلم يهم فيه مالك انتهى .

والذي وقفت عليه في علل الدارقطني ورواه خالد بن مخلد وعبد الله بن نافع عن مالك عن الزهري عن أنس مرفوعا أيضا انتهى فلم يحك عن خالد بن مخلد أنه روى عن مالك إلى العوالي ، وإنما خالف الأكثرين في تصريحه بالرفع والله أعلم .

وقول من قال : إن مالكا وقفه أي من جهة اللفظ .

وأما في الحكم فهو مرفوع بناء على المرجح أن قول الصحابي كنا نفعل كذا حكمه الرفع ، وإن لم يصرح بإضافة ذلك إلى عصر النبي صلى الله عليه وسلم .

وقد ذهب إلى ذلك أبو عبد الله الحاكم من المحدثين ، والإمام فخر الدين الرازي من أهل الأصول وقواه النووي لكن ذهب الخطيب البغدادي وابن الصلاح إلى أنه موقوف كما إذا لم يضف إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم (الثانية) قباء بضم القاف وبالباء الموحدة موضع على ثلاثة أميال من المدينة وأصله اسم بئر هناك ، وفيه المد ، والقصر والصرف وعدمه ، والتذكير ، والتأنيث ، والأفصح فيه المد والصرف ، والتذكير .

والظاهر أنه من جملة العوالي ، فإنها القرى التي حول المدينة من جهة أعلاها وذكر ابن عبد البر ، والقاضي عياض أن أدناها ميلان وأبعدها ثمانية وفي رواية للبخاري وبعد العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه وروى البيهقي هذه الرواية بلفظ وبعد بدل بعض ، وقال : هذا من قول الزهري وفي رواية علقها البخاري وأسندها البيهقي وبعد العوالي أربعة أميال أو ثلاثة وفي سنن أبي داود عن الزهري ، والعوالي من المدينة على ستة أميال .

(الثالثة) فيه الرد على من قال : إنه لا يدخل وقت العصر إلا بصيرورة ظل الشيء مثليه ، وهو قول أبي حنيفة ، فإنه لو كان كذلك لما وصل المصلي بالمدينة إلى قباء إلا بعد نزول الشمس وآكد من ذلك الرواية الأخرى التي قال فيها إلى العوالي ولا سيما الرواية التي قال فيها ، والعوالي من المدينة على ستة أميال ، وقد خالفه في ذلك [ ص: 165 ] الجمهور حتى صاحباه فقالوا بدخول وقت العصر بصيرورة ظل الشيء مثله غير ظل الاستواء بل قال الإصطخري من الشافعية بخروج وقت العصر بصيرورة ظل الشيء مثليه كما هو ظاهر حديث جبريل عليه السلام وحمله الجمهور على خروج وقت الاختيار .

(الرابعة) وفيه استحباب تقديم صلاة العصر في أول وقتها وبه قال مالك والشافعي وأحمد ، والجمهور خلافا للحنيفة ، فإنهم قالوا باستحباب تأخيرها وذهب إليه طائفة من السلف وحاول الطحطاوي تأويل هذا الحديث ، وأنه لا يدل على التعجيل لجواز أن يكون والشمس مرتفعة قد اصفرت .

فروي عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أنس أنه قال ما كان أحد أشد تعجيلا لصلاة العصر من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان أبعد رجلين من الأنصار دارا من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبو لبابة بن عبد المنذر أخو بني عمرو بن عوف وأبو عبس بن حبر أحد بني حارثة دار أبي لبابة بقباء ودار أبي عبس في بني حارثة ، ثم إن كانا ليصليان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر ، ثم يأتيان قومهما ، وما صلوها لتبكير رسول الله صلى الله عليه وسلم بها .

ثم روي عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال كنا نصلي العصر ، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر ، ثم روى حديث الزهري عن أنس هذا ، ثم روى عن أبي الأبيض قال حدثنا أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا العصر ، والشمس بيضاء ، ثم أرجع إلى قومي في ناحية المدينة فأقول لهم قوموا فصلوا ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى .

ثم قال الطحطاوي : فقد اختلف عن أنس في هذا الحديث فكان ما روى عاصم بن عمر بن قتادة وإسحاق بن عبد الله وأبو الأبيض عنه يدل على التعجيل بها ؛ لأن في حديثهم أنه عليه الصلاة والسلام كان يصليها ، ثم يذهب الذاهب إلى المكان الذي ذكروا فيجدهم لم يصلوا العصر ونحن نعلم أن أولئك لم يكونوا يصلونها إلا قبل اصفرار الشمس فهذا دليل التعجيل .

وأما رواية الزهري عن أنس فقد يجوز أن يكون والشمس مرتفعة قد اصفرت فقد اضطرب حديث أنس ؛ لأن معنى ما روى الزهري منه بخلاف ما روى إسحاق وعاصم وأبو الأبيض عنه هذا كلام الطحاوي ، وفيه نظر من أوجه :

أحدها أن هذا الاحتمال الذي ذكره من كونه يأتيهم والشمس [ ص: 166 ] مرتفعة قد اصفرت يرده قوله في رواية أبي داود عن قتيبة عن الليث عن الزهري عن أنس والشمس مرتفعة حية كذا رواه البيهقي في سننه من طريق ابن داسة عن أبي داود وقال في المعرفة وفي رواية الليث فيأتيها ، والشمس مرتفعة حية انتهى .

وحياتها بقاء حرها ولونها ، وهذا ينافي أن تكون قد اصفرت .

ثانيهما لو لم ترد هذه اللفظة ، وهي حية وكان ارتفاعها لا ينافي صفرتها على ما قرره الطحطاوي فذلك لا يحصل مقصوده ؛ لأن المصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة إذا وصل إلى قباء التي هي على ثلاثة أميال ، والشمس مرتفعة فذلك دليل التعجيل ، ولو كانت الشمس مصفرة ولا سيما الرواية التي فيها العوالي وقتها أنها على أربعة أميال وفي رواية ستة أميال ، ولو لم يعجل بالعصر أول وقتها لما وصل إلى هذه المسافة إلا بعد الغروب (ثالثها) كيف يجعل حديث أنس مضطربا مع أن الروايات عنه لم يتحقق اختلافها وغاية ما ذكره أن رواية الزهري عن أنس تحتمل مخالفة رواية الباقين .

وقد صرح هو بذلك في قوله فقد يجوز أن يكون ، والشمس مرتفعة قد اصفرت ومع احتمال المخالفة ، والموافقة لا يكون اضطرابا بل الواجب حمل الرواية المحتملة على الروايات المصرحة وجعلها على نسق واحد لا اختلاف بينها ولا تضاد وكيف نجيء إلى الرواية التي هي صريحة في المقصود لا تحتمل التأويل فنردها بورود رواية أخرى تحتمل أن تخالفها احتمالا مرجوحا بل لو كان احتمال المخالفة راجحا لكان الواجب الحمل على المرجوح ليوافق بقية الروايات فكيف واحتمال المخالفة هو المرجوح أو الاحتمالان مستويان إن تنزلنا .

والواقف على كلام الطحاوي في هذا الموضع يفهم منه التعصب ببادئ الرأي ؛ لأنه ذكر أولا أن رواية الزهري عن أنس محتملة لأن تكون الشمس اصفرت ، ثم إنه نزل هذا الاحتمال منزلة المجزوم به ، وقال فقد اضطرب حديث أنس ، ثم جزم بأن معنى ما روى الزهري بخلاف ما رواه غيره مع قوله أولا إنه يحتمل المخالفة فقط ، ثم ذكر الطحاوي حديث أبي الأبيض عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة العصر ، والشمس بيضاء محلقة ، وقال ذلك دليل على أنه قد كان يؤخرها ، ثم ذكر أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصليها والشمس مرتفعة بيضاء نقية قدر ما يسير [ ص: 167 ] الراكب فرسخين أو ثلاثة فذكر أنه دليل على التأخير أيضا ، وهذا من أعجب العجب والله أعلم

التالي السابق


الخدمات العلمية