صفحة جزء
وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها زاد البخاري في رواية فإنها تطلع بين قرني الشيطان وقال مسلم (بقرن الشيطان) .


(الحديث السابع) وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها فيه فوائد :

(الأولى) تحري الشيء بالحاء المهملة ، والراء المشددة قصده وتوخيه وتعمده وتخصيصه بأمر ومنه قوله تعالى فأولئك تحروا رشدا أي توخوا وتعمدوا ، وهو طلب ما هو أحرى أي أجدر بالاستعمال في غالب الظن فقوله : لا يتحرى أحدكم إلى آخره أي لا يقصد هذين الوقتين لتخصيصهما بإيقاع الصلاة فيهما .

وكذا وقع في الموطإ ، والصحيحين لا يتحرى بإثبات الألف وكان الوجه حذفها ليكون ذلك علامة جزمه ولكن الإثبات إشباع فهو على حد قوله تعالى إنه من يتق ويصبر فيمن قرا بإثبات الياء وقوله فيصلي بالنصب في جواب النهي .

(الثانية) فيه النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها ، وهو مجمع عليه في الجملة قال ابن عبد البر : لا أعلم خلافا بين العلماء المتقدمين منهم ، والمتأخرين أن صلاة التطوع والنوافل كلها غير جائز شيء منها أن يصلى عند طلوع الشمس ولا عند غروبها انتهى .

وقال النووي أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في هذه الأوقات [ ص: 183 ] انتهى .

وضم إلى هذين الوقتين في نقل الإجماع الأوقات الثلاثة التي سنذكرها بعد ذلك ، وفيه نظر فستعرف أن تلك ليست مجمعا على كراهة الصلاة فيها والله أعلم .

(الثالثة) اقتصر في هذا الحديث على حالتي طلوع الشمس وغروبها ودل غيره على أن النهي مستمر بعد الطلوع حتى ترتفع ، وأن النهي يتوجه قبل الغروب من حين تضيف الشمس أي ميلها ، وهي حالة صفرتها وتغيرها ففي الصحيحين من حديث ابن عمر إذا طلع حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى ترتفع لفظ البخاري ولفظ مسلم حتى يبرز ، وهو بمعناه .

وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن ، وأن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول وحين تضيف الشمس للغروب وفي صحيح مسلم أيضا عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال قلت يا نبي الله أخبرني عن الصلاة قال صل صلاة الصبح ، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع ، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار ، ثم صل ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح ، ثم أقصر عن الصلاة ، فإن حينئذ تسجر جهنم ، فإذا أقبل الفيء فصل ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر ، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس ، فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار وليس المراد مطلق الارتفاع عن الأفق بل الارتفاع الذي يذهب معه صفرة الشمس أو حمرتها ، وهو مقدر بقدر رمح أو رمحين ، وهذه الزيادة لا تنافي لفظ الحديث ؛ لأن معنى عند حضرة الشيء فما قارب الطلوع ، والغروب فله حكمه لكن المعتبر ما يقارب الطلوع مما بعده ، وما يقارب الغروب مما قبله وتمسك بعض الشافعية بظاهر هذا الحديث وقال : إن الكراهة تزول بطلوع قرص الشمس بتمامه وهو ضعيف ؛ لأن الأحاديث التي فيها ذكر الارتفاع معها زيادة [ ص: 184 ] علم فيجب الأخذ بها ، واختلفت عبارات الحنفية في الوقت الثاني فعبر بعضهم بالغروب وبعضهم بالتغير وبعضهم بالاحمرار وبعضهم بالاصفرار .

(الرابعة) قد عرفت أن في حديث عقبة بن عامر وعمرو بن عبسة النهي عن الصلاة في حالة ثالثة ، وهي حالة استواء الشمس في كبد السماء حتى تزول وبهذا قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك والحسن بن حيي وأهل الظاهر ، والجمهور ، وهو رواية عن مالك .

والمشهور عنه عدم كراهة الصلاة في هذه الحالة ففي المدونة قال مالك ولا أكره الصلاة عند استوائها في كبد السماء وكان الأفاضل يصلون حينئذ وحكى ابن عبد البر عنه أنه قال : لا أكره ذلك لا في يوم جمعة ولا في غيره ولا أعرف هذا النهي ، وما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون ويصلون نصف النهار قال فقد أبان مالك حجته في مذهبه هذا أنه لم يعرف النهي عن الصلاة وسط النهار .

وقد روي عنه أنه قال لا أكرهه ولا أحبه قال : ومحمل هذا عندي أنه لم يصح عنده حديث الصنابحي أو صح عنده واستثنى الصلاة نصف النهار بالعمل الذي لا يجوز أن يكون مثله إلا توقيفا قال وممن رخص في ذلك أيضا الحسن وطاوس والأوزاعي وكان عطاء بن أبي رباح يكره الصلاة نصف النهار في الصيف ويبيح ذلك في الشتاء .

وحكى ابن بطال عن الليث مثل قول مالك قال وأجاز مكحول الصلاة نصف النهار للمسافر ، ثم قال ابن عبد البر وروي عن عمر بن الخطاب أنه نهى عن الصلاة نصف النهار وقال ابن مسعود كنا ننهى عن ذلك وقال أبو سعيد المقبري أدركت الناس وهم يتقون ذلك انتهى .

(الخامسة) استثنى الشافعية من كراهة الصلاة نصف النهار يوم الجمعة فقالوا : لا تكره فيه الصلاة ذلك الوقت وبه قال أبو يوسف قال ابن عبد البر ، وهو رواية عن الأوزاعي وأهل الشام وحكاه ابن قدامة في المغني عن الحسن وطاوس والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وإسحاق بن راهويه .

وذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل وأصحابه إلى أنه لا فرق في الكراهة بين يوم الجمعة وغيره وتمسكوا بعموم الأحاديث في ذلك حكى أنه ذكر ذلك لأحمد فقال في حديث النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاثة أوجه [ ص: 185 ] حديث عمرو بن عبسة وحديث عقبة بن عامر وحديث الصنابحي انتهى .

وتمسك الأولون بأنه عليه الصلاة والسلام ندب الناس إلى التبكير إلى الجمعة ورغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء واستأنسوا في ذلك بما رواه أبو داود في سننه عن أبي الخليل عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة قال إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة قال أبو داود هو مرسل أبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة قال البيهقي وله شواهد ، وإن كانت أسانيدها ضعيفة فرواه من حديث أبي هريرة قال وروي في ذلك عن أبي سعيد الخدري وعمرو بن عبسة وابن عمر مرفوعا .

والاعتماد على أن النبي صلى الله عليه وسلم استحب التكبير إلى الجمعة ، ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء. انتهى .

والأصح عند أصحابنا أنه لا يلحق بوقت الاستواء باقي الأوقات يوم الجمعة ، فإن ألحقنا جاز التنفل يوم الجمعة في سائر الأوقات المكروهة لكل أحد ، وإن قلنا بالأصح فهل يجوز التنفل عند الاستواء لكل أحد فيه وجهان أصحهما نعم ، والثاني لا يجوز لمن ليس في الجامع ، وأما من في الجامع ففيه وجهان أحدهما يجوز مطلقا ، والثاني يجوز بشرط أن يبكر ويغلبه النعاس وقيل يكفي النعاس بلا تبكير .

(السادسة) صح النهي عن الصلاة في حالتين أخريين وهما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس .

وفي رواية حتى تطلع وبعد العصر حتى تغرب ، وهو في الصحيحين أيضا من حديث أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ حتى تطلع الشمس وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد ، والجمهور ، وهو مذهب الحنفية أيضا إلا أنهم رأوا النهي في هاتين الحالتين أخف منه في الصور المتقدمة فأباحوا في هاتين الصورتين ما لم يبيحوه في الصور المتقدمة كما سنحكيه عنهم ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمر وابن مسعود وخالد بن الوليد وأبي العالية وسالم بن عبد الله بن عمر ومحمد بن سيرين وغيرهم .

وقال الترمذي ، وهو قول [ ص: 186 ] أكثر الفقهاء من الصحابة فمن بعدهم وحكاه ابن عبد البر عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وسعد ومعاذ ابن عفراء وابن عباس قال : وحسبك بضرب عمر على ذلك بالدرة ؛ لأنه لا يستجيز ذلك من أصحابه إلا لصحة ذلك عنده وذهب آخرون إلى أنه لا تكره الصلاة في هاتين الصورتين ، ومال إليه ابن المنذر بعد ذكره ثبوت النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر فدل قوله عليه الصلاة والسلام لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا ، والشمس مرتفعة .

وقوله لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها ، فإنها تطلع بين قرني شيطان مع قول عقبة بن عامر ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى أن يصلى فيهن .

الحديث مع سائر الأخبار المذكورة في غير هذا الكتاب على أن الوقت المنهي عن الصلاة فيه هذه الأوقات الثلاثة قال وفيمن روينا عنه الرخصة في التطوع بعد العصر علي بن أبي طالب وروينا معنى ذلك عن الزبير وابن الزبير وتميم الداري والنعمان بن بشير وأبي أيوب الأنصاري وعائشة أم المؤمنين وفعل ذلك الأسود بن يزيد وعمرو بن ميمون ومسروق وشريح وعبد الله بن أبي الهذيل وأبو بردة وعبد الرحمن بن الأسود وعبد الرحمن بن البيلماني والأحنف بن قيس .

وقال أحمد : لا نفعله ولا نعيب فاعله وبه قال أبو خيثمة وأبو أيوب وحكى ابن بطال إباحة الصلاة بعد الصبح ، والعصر عن ابن مسعود وأصحابه وبلال وأبي الدرداء وابن عمر وابن عباس (قلت) : الذي في مصنف ابن أبي شيبة عن أكثر هؤلاء المذكورين فعل الركعتين بعد العصر ولا يلزم من إباحتهم الركعتين بورود النص فيهما إباحة التطوع بعد العصر مطلقا فيكون هذا مذهبا ثالثا مفصلا بين الركعتين ، وما زاد عليهما .

وقال ابن عبد البر قال قائلون لا بأس بالتطوع بعد الصبح ، والعصر ؛ لأن النهي إنما قصد به ترك الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم : لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا ، والشمس مرتفعة .

وبقوله عليه الصلاة والسلام لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها وبإجماع المسلمين على الصلاة على الجنازة بعد الصبح ، والعصر إذا لم يكن عند الطلوع ، والغروب قالوا فالنهي عن الصلاة بعد الصبح ، والعصر هذا معناه وحقيقته ؛ قالوا ومخرجه على قطع الذريعة ؛ لأنه [ ص: 187 ] لو أبيحت الصلاة بعد الصبح ، والعصر لم يؤمن التمادي فيها إلى الأوقات المنهي عنها ، وهي حين طلوع الشمس وحين غروبها .

هذا مذهب ابن عمر قال : أما أنا فلا أنهى أحدا يصلي من ليل أو نهار غير أن لا يتحرى طلوع الشمس ولا غروبها ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك ذكره عبد الرزاق .

(قلت) هو في صحيح البخاري قال ابن عبد البر : وهو قول عطاء وطاوس وعمرو بن دينار وابن جريج وروي عن ابن مسعود مثله .

وهو مذهب عائشة قالت أوهم عمر إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة أن يتحرى بها طلوع الشمس أو غروبها . وقال محمد بن سيرين : تكره الصلاة في ثلاث ساعات بعد العصر وبعد الصبح ونصف النهار في شدة الحر ، وتحرم في ساعتين حين يطلع قرن الشمس حتى يستوي طلوعها وحين تصفر حتى يستوي غروبها انتهى .

وهو مذهب رابع ؛ لأن المذكورين قبله لم يكرهوا الصلاة بعد الصبح ، والعصر وهذا كرهها (فإن قلت) هذا مذهب الحنفية ؛ لأنهم اقتصروا في كتبهم على الكراهة في هاتين الصورتين وعبروا في الصور الأخرى بعدم الجواز ( قلت ) هو كذلك ومع ذلك فيخالفهم ؛ لأنه ضم حالة الاستواء إلى هاتين الصورتين في الكراهة وهم ضموها إلى طلوع الشمس وغروبها في عدم الجواز .

وذهب محمد بن جرير الطبري إلى التحريم في حالتي الطلوع والغروب ، والكراهة فيما بعد العصر ، والصبح ، ثم قال ابن عبد البر وقال آخرون : لا يجوز بعد الصبح أي ويجوز بعد العصر وممن ذهب إليه ابن عمر ، ثم روى بإسناده عن قدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب قال ماتت عمتي ، وقد أوصت أن يصلي عليها عبد الله بن عمر فجئته حين صلينا الصبح فأعلمته فقال اجلس فجلست حتى طلعت الشمس وصفت ، ثم قام فصلى عليها قالوا فهذا ابن عمر ، وهو يبيح الصلاة بعد العصر قد كرهها بعد الصبح انتهى .

فهذا مذهب خامس في المسألة وبه قال ابن حزم الظاهري منع الصلاة بعد صلاة الصبح وجوزها بعد العصر إلى الاصفرار لحديث الركعتين ولحديث علي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر إلا ، والشمس مرتفعة وهو في سنن أبي داود ، وإسناده صحيح وزاد عليه داود الظاهري فجوزها إلى بعد غروب الشمس ورأى النهي عن ذلك منسوخا .

[ ص: 188 ] السابعة) الذين قالوا بالنهي في هاتين الصورتين اتفقوا على أن النهي فيما بعد العصر متعلق بفعل الصلاة ، فإن قدمها اتسع وقت النهي ، وإن أخرها ضاق فأما فيما بعد الصبح فاختلفوا فقال الشافعي هو كالذي قبله إنما تحصل الكراهة بعد فعل الصبح كما هو مقتضى الأحاديث المتقدمة ، وهو رواية عن أحمد وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري .

وذهب المالكية ، والحنفية إلى ثبوت الكراهة من طلوع الفجر سوى ركعتي الفجر ، وهو المشهور عن أحمد ، وهو وجه في مذهب الشافعي قال ابن الصباغ في الشامل : إنه ظاهر المذهب وقطع به المتولي في التتمة ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب وعن إبراهيم النخعي كانوا يكرهون إذا طلع الفجر أن يصلوا إلا ركعتين .

وحكاه ابن المنذر عن العلاء بن زياد وحميد بن عبد الرحمن قال : ورويت كراهته عن ابن عمر وعبد الله بن عمر وليس يثبت ذلك عنهما واحتج هؤلاء بما في سنن أبي داود عن يسار مولى ابن عمر قال : رآني ابن عمر وأنا أصلي بعد طلوع الفجر فقال : يا يسار إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال ليبلغ شاهدكم غائبكم لا تصلوا بعد الفجر إلا سجدتين وفي لفظ للدارقطني لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا سجدتان وفي لفظ له إلا ركعتي الفجر وقال غريب .

وفي مذهب الشافعي وجه ثالث أنه إنما تثبت الكراهة بعد صلاة ركعتي الفجر فله قبلهما أن يصلي ما شاء والمشهور عند أصحابنا المذكور أولا ولهذا قالوا : إن أوقات الكراهة خمسة ثلاثة يتعلق النهي فيها بالزمان واثنان يتعلق النهي فيهما بالفعل .

وعدها النووي في المنهاج ثلاثة عند الاستواء وبعد الصبح حتى ترتفع الشمس وبعد العصر حتى تغرب ونسب في ذلك إلى نوع تساهل وقال هو في شرح المهذب : إن عدها خمسة أجود ؛ لأن من لم يصل الصبح حتى طلعت الشمس أو العصر حتى غربت يكره له التنفل ، وهذا لا يفهم من عدها ثلاثا وفي المغني لابن قدامة أن أحمد عدها ثلاثة وعدها أصحابه خمسة .

وكذا فعل ابن شاس في الجواهر خلط وقتي الفعل بوقتي الزمان فأفرد الكراهة فيما بين طلوع الفجر وصلاة الصبح على مذهبهم فجعلها وقتا آخر فقال : إن أوقات الكراهة أربعة بعد طلوع الفجر حتى [ ص: 189 ] تصلى الصبح وبعد الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس وسنحكي الرابع عنه بعد ذلك .

وكذا فعل الدارمي من الشافعية في إفراد ما بين طلوع الفجر وصلاة الصبح فعدها سبعة الخمسة المشهورة وهذه الصورة ، والسابعة بعد غروب الشمس إلى صلاة المغرب على وجه عندنا واستثنى المالكية من الكراهة فيما بين طلوع الفجر وصلاة الصبح استدراك قيام الليل لمن نام عن عادته فقالوا يفعله ما بين طلوع الفجر وصلاة الصبح وروى ابن أبي شيبة عن الشعبي أنه سئل عن رجل بقي عليه من ورده شيء ، وهو يصلي ، وقد طلع الفجر فقال يقرأ بقية ورده وعن عروة بن الزبير إن بعد طلوع الفجر لجزءا حسنا من الليل وكان يقرأ بعد الفجر بالبقرة .

(الثامنة) زاد المالكية في أوقات الكراهة وقتا آخر ، وهو بعد صلاة الجمعة حتى ينصرف الناس وهم مطالبون بالدليل على هذه الصورة ، وهي الصورة الرابعة التي وعدت بحكايتها من كلام ابن شاس وزاد الحنفية وقتا آخر ، وهو بعد الغروب قبل صلاة المغرب ، وهو وجه عندنا حكاه الدارمي كما تقدم ويرده الأمر بصلاة ركعتين قبل المغرب ، وهو في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن مغفل وقال شيخنا الإمام جمال الدين الإسنوي في المهمات المراد بحصر الكراهة في هذه الأوقات إنما هو بالنسبة إلى الأوقات الأصلية فقد ذكروا أنه يكره التنفل وقت إقامة الصلاة ووقت صعود الإمام لخطبة الجمعة .

(التاسعة) اختلف العلماء في النهي عن الصلاة في هذه الأوقات هل هو للتحريم أو للتنزيه ولأصحابنا في ذلك وجهان فالذي صححه النووي في الروضة وشرح المهذب وغيرهما أنه للتحريم ، وهو ظاهر النهي في قوله لا تصلوا ، والنفي في قوله لا صلاة ؛ لأنه خبر معناه النهي .

وقد نص الشافعي رحمه الله على هذا في الرسالة وصحح النووي في التحقيق أنها كراهة تنزيه وهل تنعقد الصلاة لو فعلها أو هي باطلة صحح النووي في الروضة تبعا للرافعي بطلانها وظاهره أنها باطلة لو قلنا بأنها مكروهة كراهة تنزيه ، وقد صرح بذلك النووي في شرح الوسيط تبعا لابن الصلاح واستشكله شيخنا الإسنوي في المهمات بأنه كيف يباح الإقدام على ما لا ينعقد [ ص: 190 ] وهو تلاعب ولا إشكال فيه ؛ لأن نهي التنزيه إذا رجع إلى نفس الصلاة يضاد الصحة كنهي التحريم كما هو مقرر في الأصول وحاصله أن المكروه لا يدخل تحت مطلق الأمر وإلا يلزم أن يكون الشيء مطلوبا منهيا ولا يصح إلا ما كان مطلوبا .

(العاشرة) حمل الحنفية هذا النهي الذي في هذا الحديث وفي صورة الاستواء على عمومه فطرد النهي في كل صلاة ، ولو كانت فريضة فائتة ، ولو كانت ذات سبب كصلاة الجنازة وسجود التلاوة ، ولو صبح يومه فلو أخر صلاة الصبح حتى شرعت الشمس في الطلوع لم يجز أن يبتدئها حتى يتم طلوعها وترتفع ، ولو شرع فيها قبل ذلك فطلعت الشمس ، وهو في أثنائها بطلت ووجب استئنافها بعد ذلك ولم يستثن من ذلك إلا عصر يومه فقالوا له فعله عند غروب الشمس ، ولو شرع فيه قبل ذلك فغربت الشمس ، وهو في أثنائها ، أتم وقالوا إن النهي عن الصلاة بعد الصبح ، والعصر ليس على عمومه فله أن يصلي في ذينك الوقتين الفوائت وسجدة التلاوة ويصلي على الجنازة وعللوه بأن الكراهة إنما هي حق الفرض ليصير الوقت كالمشغول به لا لمعنى في الوقت بخلاف الأوقات الثلاثة المقدمة .

وبذلك يظهر أن قول النووي في شرح مسلم اتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها مردود ، فإن الحنفية منعوا الصبح فيها والله أعلم .

وزاد بعضهم على ذلك فمنع العصر أيضا ذكر ابن حزم من طريقه أن أبا بكر نام في بستان عن العصر فلم يستيقظ حتى اصفرت الشمس فلم يصل حتى غربت الشمس ، ثم قام فصلى .

وذهب أصحابنا الشافعية إلى أن النهي في جميع الصور إنما هو في صلاة لا سبب لها فأما ما له سبب متقدم عليه أو مقارن له فيجوز فعله في وقت الكراهة ، وهذا كالفائتة ، ولو كانت من السنن الرواتب أو من النوافل التي اتخذها الإنسان وردا له وكصلاة الجنازة وسجود التلاوة ، والشكر وركعتي الطواف وصلاة الكسوف وسنة الوضوء ، ولو توضأ في وقت الكراهة وصلاة الاستسقاء على الأصح خلافا لما صححه النووي في شرح المهذب فيها في بابها ، وتحية المسجد إذا دخل لغرض غير صلاة التحية فلو دخل لا لحاجة بل ليصلي التحية فقط ففيه وجهان .

ذكر الرافعي والنووي أن أقيسهما الكراهة وشبها ذلك [ ص: 191 ] بما لو أخر الفائتة ليصليها في هذه الأوقات ، وفيه نظر ، فإنه لو فعل ذلك لم نقل بكراهة فعلهما في هذه الأوقات ، والمكروه هو التأخير فمقتضاه أن يكون المكروه هنا دخوله المسجد في ذلك الوقت بذلك القصد لا فعل التحية في ذلك الوقت " وقولي أولا " ما له سبب متقدم أو مقارن خرج به ما له سبب متأخر عنه كصلاة الاستخارة وركعتي الإحرام فيكره فعلهما في وقت الكراهة على الأصح .

وقال في شرح المهذب إن مقابله قوي فهذا تفصيل مذهبنا ووافقنا الحنابلة على قضاء الفائتة إذا كانت فريضة وفي ركعتي الطواف وفصلوا في قضاء النافلة فقالوا في الوتر : إن له فعله قبل صلاة الصبح مع أن المشهور عندهم ثبوت الكراهة من طلوع الفجر كما تقدم ، وكذا حكى ابن أبي موسى في الإرشاد عن أحمد أن له قضاء صلاة الليل قبل فعل الصبح قياسا على الوتر ، وقد تقدم مثل ذلك عن المالكية وجوزوا أيضا قضاء سنة الفجر بعدها ، وإن كان الأفضل عندهم تأخير ذلك إلى الضحى .

وأما بقية الرواتب فالصحيح عندهم جواز قضائها بعد صلاة العصر خاصة دون بقية أوقات النهي وعن أحمد رواية أخرى أنه يجوز فعلها في أوقات النهي مطلقا ، وأما كل صلاة لها سبب كتحية المسجد وصلاة الكسوف وسجود التلاوة فالمشهور عندهم منعها في كل أوقات النهي وقيل بجوازها مطلقا ، وأما صلاة الجنازة فجوزوها فيما بعد صلاة الصبح ، والعصر .

وهو مجمع عليه كما حكاه ابن المنذر ومنعوها في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة فأشبهوا في ذلك الحنفية ، وعن أحمد رواية أخرى بجوازها في الأوقات كلها ، وأما المالكية فاستثنوا من أوقات الكراهة قضاء الفائتة عموما أي الفرائض ، فإنهم يمنعون قضاء الفوائت مطلقا ، ولو كانت رواتب واستثنوا أيضا ركعتي الفجر واستدراك قيام الليل لمن نام عن عادته قبل فعل الصبح فيهما كما تقدم .

وأما صلاة الجنازة وسجود التلاوة فمنعوهما عند طلوع الشمس وغروبها كما فعل الحنفية ، والحنابلة ، وضابط ذلك عندهم من وقت الإسفار ، والاصفرار .

وأما فعلهما بعد صلاة الصبح وقبل الإسفار وبعد صلاة العصر وقبل الاصفرار .

ففيه عندهم ثلاثة أقوال :

المنع ، وهو مذهب الموطإ ، وهو قادح في نقل ابن المنذر [ ص: 192 ] الإجماع في صلاة الجنازة في هذين الوقتين كما تقدم ، والجواز ، وهو مذهب المدونة وتخصيص الجواز بما بعد الصبح دون ما بعد العصر ، وهو رأي ابن حبيب قال ابن عبد البر ، وهذا لا وجه له في النظر إذ لا دليل عليه من خبر ثابت ولا قياس صحيح انتهى ، وهذا كله ما لم يخش تغير الميت ، فإن خيف ذلك صلي عليه في جميع الأوقات ، وقد ظهر بذلك أن أرباب المذاهب الثلاثة جوزوا في أوقات النهي ما له سبب في الجملة ، وإن اختلفوا في تفاصيل ذلك ، وأن الحنفية جوزوا ذلك في وقتين من أوقات الكراهة وهما بعد الصبح وبعد العصر دون بقية الأوقات .

وجوز ابن حزم في أوقات النهي ما له سبب إذا لم يتذكره إلا فيها ، فإن تذكره قبلها فتعمد تأخيره إليها لم يجز فعله فيها ، وهو ظاهر قوله لا يتحرى أحدكم وتمسك في ذلك الجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها رواه البخاري ومسلم ، واللفظ له من حديث أنس وبحديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين بعد العصر فلما انصرف قال لي سألت عن الركعتين بعد العصر إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلوني عن اللتين بعد الظهر فهما هاتان بعد العصر .

رواه البخاري ومسلم ، وهذا مختصر وبحديث عائشة ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم السجدتين بعد العصر عندي قط .

متفق عليه أيضا وبحديث عائشة أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين قبل العصر ، ثم إنه شغل عنهما أو نسيهما فصلاهما بعد ، ثم أثبتهما وكان إذا صلى صلاة أثبتها رواه مسلم .

وذكر ابن حزم أن حديث هاتين الركعتين نقل نقل تواتر يوجب العلم ، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وفيما ذكرناه كفاية ، والفرق بين بعض ذوات السبب وبعضها لا معنى له ، وكذلك الفرق بين بعض أوقات الكراهة وبعضها فالواجب طرد الحكم في جميع الصور ؛ لأنا فهمنا من نفس الشرع تخصيص النهي بغير ذات السبب فطردنا الحكم في سائر الصور والله أعلم .

، وقال ابن عبد البر في التمهيد : قوله في هذا الحديث لا يتحرى دليل على أن المقصود صلاة التطوع دون الفرض ، وقد يجوز أن يكون قصد به أن لا يترك المرء صلاة العصر إلى غروب الشمس ولا صلاة الصبح إلى طلوعها ، ثم يصلي في ذلك الوقت [ ص: 193 ] قاصدا لذلك مفرطا وليس في ذلك لمن نام أو نسي فانتبه أو ذكر في ذلك الوقت ؛ لأن من عرض له مثل ذلك فليس بمتحر للصلاة في ذلك الوقت وليس بداخل في هذا الباب بدليل قوله عليه الصلاة والسلام : من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ومعلوم أن من أدرك ركعة من الصبح قبل الطلوع أو ركعة من العصر قبل الغروب فقد صلى عند طلوع الشمس وعند غروبها ودليل آخر قوله صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها وهذا كله يوضح أن هذا الحديث إنما أريد به التطوع والتعمد لترك الفرائض وقال الشيخ تقي الدين في شرح العمدة بعد ذكره حديث النهي وحديث من نام عن صلاة أو نسيها إن بين الحديثين عموما وخصوصا من وجه فحديث النهي خاص في الوقت عام في الصلاة وحديث النوم والنسيان خاص في الصلاة الفائتة عام في الوقت فكل واحد منهما بالنسبة إلى الآخر عام من وجه وخاص من وجه ، يعني وإذا كان كذلك فلا يمكن القضاء لأحدهما على الآخر لعدم المرجح لكن حديث صلاته عليه الصلاة والسلام بعد صلاة العصر الركعتين اللتين بعد الظهر لا يأتي فيه هذا البحث فهو صريح في المقصود وحجة للجمهور وقول أم سلمة له في ذلك الحديث أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين وأراك تصليهما دليل على أنه عليه الصلاة والسلام قضاهما بعد العصر بعد نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات فامتنع أن يقال إن فعله لهما منسوخ بالنهي عن الصلاة في هذه الأوقات ولا يقال إن ذلك من خصائصه فالأصل عدم التخصيص .

وما روي من أن أم سلمة قالت أقضيهما يا رسول الله إذا فاتتا قال لا لم يصح كما أوضحه البيهقي وغيره والذي اختص به عليه الصلاة والسلام أنه كان يأتي بالركعتين دائما بعد العصر ، وإن لم تفوتاه ؛ لأنه كان إذا عمل عملا أثبته ولهذا كان المرجح عند أصحابنا أنه لو قضى فائتة في هذه الأوقات لم يكن له المواظبة [ ص: 194 ] على مثلها في وقت الكراهة .

وقال بعض أصحابنا له ذلك ولم يجعل هذا من الخصائص ، وهو الذي حكاه ابن حزم عن الشافعي وقال النووي في شرح مسلم هذا الحديث هو عمدة أصحابنا في المسألة وليس لنا أصح دلالة منه ودلالته ظاهرة وقال ابن قدامة في المغني بعد أن قرر جواز قضاء الفرائض الفائتة في جميع أوقات النهي روي نحو ذلك عن علي وغير واحد من الصحابة وبه قال أبو العالية والنخعي والشعبي والحكم وحماد الأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر ، ثم قال وممن طاف بعد الصبح ، والعصر فصلى ركعتين ابن عمر وابن الزبير وعطاء وطاوس وفعله ابن عباس ، والحسن ، والحسين ومجاهد والقاسم بن محمد وفعله عروة بعد الصبح وهذا مذهب عطاء ومسلم وأبي ثور ، ثم قال بعد تجويز الوتر بعد طلوع الفجر وروي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وحذيفة وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وفضالة بن عبيد وعائشة وعبد الله بن عامر بن ربيعة وعمرو بن شرحبيل وقال أيوب السختياني وحميد الطويل إن أكثر وترنا لبعد طلوع الفجر وبه قال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وروي عن علي رضي الله عنه أنه خرج بعد طلوع الفجر فقال لنعم ساعة الوتر هذه وروي عن عاصم قال : جاء أناس إلى أبي موسى فسألوه عن رجل لم يوتر حتى أذن المؤذن فقال لا وتر له فأتوا عليا فسألوه فقال أغرق في النزع الوتر ما بينه وبين الصلاة انتهى .

(الحادية عشرة) استثنى أصحابنا من كراهة الصلاة في هذه الأوقات من هو بمكة شرفها الله تعالى فقالوا لا تكره الصلاة فيها في شيء من هذه الأوقات لا ركعتا الطواف ولا غيرهما وقيل إنما يباح ركعتا الطواف وبه قال الحنابلة وسوى الحنفية ، والمالكية في ذلك بين مكة وغيرها وحكاه الترمذي عن سفيان الثوري واستدل أصحابنا لذلك بحديث جبير بن مطعم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من الليل ، والنهار .

رواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي حسن صحيح .

وقال ابن العربي إنه لم يصح ، وهذا مردود عليه قال ابن حزم وإسلام [ ص: 195 ] جبير متأخر جدا إنما أسلم يوم الفتح ، وهذا بلا شك بعد نهيه عليه الصلاة والسلام عن الصلاة في الأوقات فوجب استثناء ذلك من النهي .

(قلت) قد يقال : إن هذا مما سمعه قبل إسلامه كسماعه قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في المغرب بالطور قبل إسلامه لكن مخاطبته بني عبد مناف بهذا الكلام إنما هو بعد أن صارت مكة دار إسلام وهو بعد الفتح فهو متأخر عن النهي قطعا فلو استند ابن حزم إلى هذا لكان أحسن وروى الدارقطني ، والبيهقي عن أبي ذر مرفوعا لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب إلا بمكة لكنه حديث ضعيف .

قال ابن عبد البر وفي حديث جبير بن مطعم ما يقويه مع قول جمهور علماء المسلمين به .

(قلت) ويطرق الحديث الأول من البحث ما تقدم عن الشيخ تقي الدين من أن كلا منهما عام من وجه خاص من وجه ، والأصح عند أصحابنا أن ذلك لا يختص بمكة بل يعم جميع الحرم ، ثم الاستثناء في حق من يطوف أما غيره ففيه وجهان حكاهما الدارمي في الاستذكار وهما على غرابتهما كالوجهين فيمن لم يحضر الجمعة يوم الجمعة وذكر المحاملي في المقنع أن الصلاة في هذه الأوقات بحرم مكة خلاف الأولى حكاه عنه شيخنا في المهمات .

(الثانية عشرة) في رواية البخاري ومسلم زيادة في حديث ابن عمر ليست من طريق مالك عن نافع ، وإنما هي من رواية هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر رواها البخاري في صفة إبليس وجنوده من رواية عبدة عنه لفظها : فإنها تطلع بين قرني شيطان أو الشيطان لا أدري أي ذلك قال هشام .

والحديث في البخاري هنا من طريق يحيى القطان عنه بدون هذه الزيادة ورواها مسلم هنا من طريق جماعة عنه لفظها ، فإنها تطلع بقرني شيطان وأشار بذلك إلى العلة في النهي عن الصلاة في هاتين الحالتين قال الخطابي واختلفوا في تأويل هذا الكلام فقيل معناه مقارنة الشيطان للشمس عند دنوها للغروب كما روي أن الشيطان يقارنها إذا طلعت ، فإذا ارتفعت فارقها ، فإذا استوت قارنها ، فإذا زالت فارقها ، فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها فحرمت الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة لذلك .

وقيل معنى قرن الشيطان قوته [ ص: 196 ] من قولك أنا مقرن لهذا الأمر أي مطيق له قوي عليه وذلك ؛ لأن الشيطان إنما يقوى أمره في هذه الأوقات ؛ لأنه يسول لعبدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأوقات وقيل قرنه حزبه وأصحابه الذين يعبدون الشمس وقيل إن هذا تمثيل وتشبيه ، وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو تسويل الشيطان لهم وتزيينه ذلك في قلوبهم ، وذوات القرون إنما تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها فكأنهم لما دافعوا الصلاة وأخروها عن أوقاتها بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرت الشمس صار ذلك بمنزلة ما يعالجه ذوات القرون بقرونها وتدفعه بأرواقها .

وقيل إن الشيطان يقابل الشمس عند طلوعها وينتصب دونها حتى يكون طلوعها بين قرنيه وهما جانبا رأسه فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له انتهى .

وقال القاضي عياض : ومعنى قرني الشيطان هنا يحتمل الحقيقة ، والمجاز وإلى الحقيقة ذهب الداودي وغيره ولا بعد فيه ، وقد جاءت آثار مصرحة بغروبها على قرني الشيطان ، وأنها تريد عند الغروب السجود لله تعالى فيأتي شيطان يصدها فتغرب بين قرنيه ويحرقه الله .

وقد قيل إن الشيطان حينئذ يجعلها بين قرنيه ليغالط نفسه فيمن يعبدها ويسجد لها عند طلوعها وغروبها ، وإنهم إنما يسجدون له وقيل قرنه علوه وارتفاعه بهذا ، وقيل معناه المجاز ، والاتساع ، وإن قرني الشيطان أو قرنه الأمة التي تعبد الشمس وتطيعه في الكفر بالله ، وإنها لما كانت تسجد لها ويصلي من يعبدها من الكفار حينئذ نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التشبه بهم ويعضد هذا التأويل قوله في بعض طرق الحديث ، فإنها تطلع على قرن الشيطان ويصلي لها الكفار وفي رواية يسجد لها الكفار وقيل قرنه قوته وسلطانه .

وهو عبادة من عبدها حينئذ ممن أطاعه وقال الحربي فيه قرنا الشيطان ناحيتا رأسه وقال هذا مثل أي حين يتسلط الشيطان وقيل معنى قرنه مقارنته قال الخطابي وقيل هو تمثيل أي إن تأخيرها ودفعها عن وقتها بتزيين الشيطان كدفع ذوات القرون لما تدفعه انتهى .

وصحح النووي الوجه الأخير في كلام الخطابي وعزا للخطابي الجزم بالوجه الرابع ، وقد عرفت أنه حكى هنا خمسة أوجه من غير ترجيح .

التالي السابق


الخدمات العلمية