صفحة جزء
وعن عروة عن عائشة قالت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خميصة ذات علم فلما قضى صلاته قال اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي وقال البخاري فنظر إلى أعلامها نظرة وفي رواية له علقها كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة فأخاف أن يفتنني وفي رواية لمسلم شغلتني أعلام هذه


الحديث الثاني عن عروة عن عائشة قالت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خميصة ذات علم فلما قضى صلاته قال اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي .

فيه فوائد :

(الأولى) الخميصة بفتح الحاء المعجمة وكسر الميم بعدها ياء ساكنة آخر الحروف ثم صاد مهملة وهي كساء مربع له أعلام وقال ابن عبد البر كساء صوف رقيق وقد يكون بغير علم وقال الجوهري أسود له علمان وقال المازري مصبوغ علمه حرير والأنبجانية بفتح الهمزة وكسرها أيضا وسكون النون وفتح الباء الموحدة وكسرها أيضا ثم جيم وبعد الألف نون ثم ياء مثناة من تحت مشددة وفيها التخفيف أيضا ووقع في رواية أحمد بأنبجاني بالتذكير على إرادة الكساء وهي الكساء الغليظ الذي ليس له علم وقال ابن قتيبة إنما هو منبجاني ولا يقال أنبجاني منسوب إلى منبج وفتحت الباء في النسب .

(الثانية) فيه جواز لبس الثوب الذي له علم وكذلك الكساء ونحوه وهو كذلك .

(الثالثة) فيه نفي ما يشغل عن الصلاة ويلهي عنها والحض على الإقبال على الصلاة والخشوع فيها .

(الرابعة) فيه أن اشتغال الفكر يسيرا في الصلاة [ ص: 378 ] غير قادح في صحتها وهو كذلك .

(الخامسة) قال صاحب المفهم يستفاد منه كراهة التزاويق والنقوش في المساجد وروينا في المصاحف لابن أبي داود عن أبي الدرداء أنه قال إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصحفكم فعليكم الدمار ولابن ماجه من حديث عمر بن الخطاب مرفوعا ما ساء عمل قوم إلا زخرفوا مساجدهم وقال ابن عباس والله لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى .

(السادسة) استدل به بعض المالكية على كراهة غرس الأشجار في المساجد لما فيه من شغل المصلي بذلك وقد اختلف أصحابنا في ذلك فقال النووي في الروضة من زوائده يكره غرس الشجر فيه فإن غرس قطعه الإمام وجزم القاضي الحسين في تعليقه والبغوي في الفتاوى بالتحريم وحكى القاضي الحسين عن الأصحاب أنه لا يجوز قطعها بعد غرسها لأنها صارت ملكا للمسجد والله أعلم .

(السابعة) فإن قيل كيف بعث بها إلى أبي جهم وإذا كان صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن نفسه أنها ألهته عن صلاته مع قوته صلى الله عليه وسلم فكيف لا تشغل أبا جهم عن صلاته والجواب أنه لم يبعث بها إليه ليلبسها في الصلاة بل لينتفع بها في غير الصلاة كما قال في حلة عطارد لعمر إني لم أبعث بها إليك لتلبسها والله أعلم .

(الثامنة) قال صاحب المفهم فيه سد الذرائع والانتزاع عما يشغل الإنسان عن أمور دينه .

(التاسعة) قال ابن بطال فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم آنس أبا جهم حين ردها إليه بأن سأله ثوبا مكانها ليعلمه أنه لم يرد عليه هديته استخفافا به ولا كراهية للبسه وقال ابن عبد البر في الاستذكار نحوه وقال صاحب المفهم وفيه قبول الهدايا من الأصحاب واستدعاؤه عليه السلام أنبجانية أبي جهم تطييبا لقلبه ومباسطة معه وهذا مع من يعلم طيب نفسه وصفاء وده جائز قلت قد ذكر الزبير بن بكار أن الخميصة والأنبجانية كلاهما كان للنبي صلى الله عليه وسلم فروى بإسناد له مرسل أنه صلى الله عليه وسلم أتي بخميصتين سوداوين فلبس إحداهما وبعث الأخرى إلى أبي جهم ثم أنه أرسل إلى أبي جهم في تلك الخميصة وبعث إليه التي لبسها ولبس هو التي كانت عند أبي جهم بعد أن لبسها أبو جهم لبسات قال ابن عبد البر ومعنى رواية الحديث أي عند مالك أن أبا جهم أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة لها علم فشغلته في الصلاة فردها عليه فالله أعلم .

[ ص: 379 ] العاشرة) قال ابن بطال فيه أن الواهب والمهدي إذا ردت إليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها فله أن يقبلها إذ لا عار عليه في قبولها وكذا قال ابن عبد البر .

(الحادية عشرة) جرت عادة الأنبياء والصالحين بإخراج ما شغلهم عن بعض العبادات عن ملكهم رأسا وكذلك ما أعجبهم من ملكهم كما قال الله تعالى في حق سليمان صلى الله عليه وسلم إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق وأخرج النبي صلى الله عليه وسلم الخميصة عن ملكه ورمى بالخاتم أيضا لما شغله كما رواه النسائي من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما ولبسه قال شغلني هذا عنكم منذ اليوم إليه نظرة وإليكم نظرة ثم ألقاه .

وأما نزعه خاتم الذهب عند التحريم فهو متفق عليه من حديث ابن عمر وفي الصحيحين من حديث أنس أنه كان من فضة وقال القرطبي إنه وهم قلت ولعله كان لما شغله عنهم وإن كان فضة فيكون لا لحرمته ولكن لاشتغاله به عنهم ولا حاجة حينئذ إلى الحكم عليه بالوهم والله أعلم .

وروينا في الزهد لابن المبارك عن مالك عن أبي النضر قال انقطع شراك نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوصله بشيء جديد فجعل ينظر إليه وهو يصلي فلما قضى صلاته قال انزعوا هذا واجعلوا الأول مكانه فقيل كيف يا رسول الله قال إني كنت أنظر إليه وأنا أصلي .

وروى محمد بن حفيف الشيرازي بإسناده إلى عائشة أنه صلى الله عليه وسلم احتذى نعلا فأعجبه حسنها ثم خرج بها فدفعها إلى أول مسكين لقيه ثم قال اشتر لي نعلين مخصوفتين وروى مالك في الموطإ عن عبد الله بن أبي بكر أن أبا طلحة الأنصاري كان يصلي في حائطه فطار دبسي فطفق يتردد يلتمس مخرجا فأعجبه ذلك فجعل يتبعه ببصره ساعة ثم رجع إلى صلاته فإذا هو لا يدري كم صلى فقال لقد أصابتني في مالي هذا فتنة فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له الذي أصابه في حائطه من الفتنة وقال يا رسول الله هو صدقة لك فضعه حيث شئت .

(الثانية عشرة) قال أبو الوليد الباجي إن صلاته في الخميصة لمعنيين لأن الصوف لا ينجس بالموت أو لأن ذبائح أهل الكتاب حلال لنا قلت لا يلزم واحد من الأمرين لا أن صوف الخميصة كان من ميتة ولا أنه من ذبائح أهل الكتاب ولو شك في ذلك فالأصل الطهارة [ ص: 380 ] والحل وكان الباجي أخذ ذلك من رواية مالك خميصة شامية .

(الثالثة عشرة) قال الباجي أيضا فيه أن للإنسان أن يشتري ما أهداه بخلاف الصدقة .

(الرابعة عشرة) أثبت في هذه الرواية إلهاء (الخميصة) له بقوله فإنها ألهتني وقال في رواية مالك نظرت إلى علمها في الصلاة فكاد يفتنني قال ابن عبد البر فيه دليل على أن الفتنة لم تقع قال والفتنة هنا الشغل عن خشوع الصلاة انتهى فيحتمل أن يقال الفتنة فوق الإلهاء فلهذا أثبته ولم يثبت الفتنة ويحتمل أن يقال هما واحد ويكون قوله ألهتني أي كادت وقاربت كما يقول المؤذن في الإقامة قد قامت الصلاة أي قربت إقامتها والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية