صفحة جزء
باب تعاهد القرآن وحسن القراءة عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت زاد مسلم في رواية وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه


(باب تعاهد القرآن وحسن القراءة) (الحديث الأول) عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت [ ص: 101 ] فيه) فوائد :

(الأولى) اتفق عليه الشيخان والنسائي من طريق مالك وأخرجه مسلم والنسائي من طريق موسى بن عقبة ومسلم ، وابن ماجه من طريق أيوب السختياني ومسلم وحده من طريق عبيد الله بن عمر ثلاثتهم عن نافع وزاد في حديث موسى بن عقبة وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه .

(الثانية) قال القاضي عياض معنى صاحب القرآن أي الذي ألفه والمصاحبة المؤالفة ومنه صاحب فلان وأصحاب الجنة وأصحاب النار وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي وأصحاب الصفة وأصحاب إبل وغنم وصاحب كبر وصاحب عبادة انتهى .

وقوله الذي ألفه يصدق بأن يألف تلاوته في المصحف مع كونه غير حافظ له لكن الظاهر أن المراد بصاحب القرآن حافظه ويدل لذلك الزيادة التي أخرجها مسلم وغيره من حديث موسى بن عقبة وإذا لم يقم به نسيه ولولا هذه الزيادة لأمكن دخول تلك الصورة في الحديث بأن يقال إن غير الحافظ الذي ألف التلاوة في المصحف ما دام مستمرا على ذلك يدل لسانه به ويسهل عليه قراءته فإذا هجر ذلك ثقل عليه وصار في القراءة عليه مشقة وقد صرح أبو العباس القرطبي باعتبار الحفظ في ذلك فقال وصاحب القرآن هو الحافظ له المشتغل به الملازم لتلاوته .

(الثالثة) المعقلة بضم الميم وفتح العين المهملة والقاف وتشديدها هي المشدودة بالعقل بضم العين والقاف وهو جمع عقال بكسر العين والمراد به الحبل الذي تشد به ركبة البعير شبه درس القرآن واستمرار تلاوته بالعقال الذي يمنع البعير من الشراد فما دام الدرس موجودا فالحفظ مستمر وما دام العقال موثوقا فالبعير محفوظ وخص الإبل بالذكر لأنها أشد الحيوانات الإنسية شرادا ونفورا وتحصيلها بعد نفورها أشق وأصعب من تحصيل غيرها بعد نفوره ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش وقال فيما روي عنه إن على ذروة سنام كل بعير شيطان .

(الرابعة) المعاهدة [ ص: 102 ] على الشيء والتعاهد عليه الاحتفاظ به والملازمة له وفي رواية البخاري إن تعاهد عليها ومنه أشد تعاهدا على ركعتي الفجر .

(الخامسة) فيه الحث على تعاهد القرآن بالتلاوة والدرس والتحذير من تعريضه للنسيان بإهمال تلاوته وفي الصحيحين عن ابن مسعود مرفوعا بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كيت وكيت بل هو نسي . استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم بعقلها .

وفي الصحيحين أيضا عن أبي موسى الأشعري مرفوعا تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها .

وفي سنن أبي داود والترمذي عن أنس مرفوعا عرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها ، تكلم فيه الترمذي ، وفي التنزيل وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا وفي سنن أبي داود عن سعد بن عبادة مرفوعا من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله يوم القيامة أجذم ، قيل معناه مقطوع اليد وقيل مقطوع الحجة وقيل منقطع السبب وقيل خالي اليد من الخير صفرها من الثواب وقد ذكر صاحب العدة وهو أبو المكارم الروياني من أصحابنا أن نسيان القرآن من الكبائر .

(السادسة) ليس في هذا الحديث تقدير مدة مخصوصة للزمن الذي يختم فيه القرآن لكن مقتضاه أنه يتلوه على وجه لو نقص عنه لأدى إلى نسيانه أو نسيان شيء منه وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس في تمكنهم من الحفظ وفي سرعة النسيان وبطئه وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يختمونه في كل سبع وفي سنن أبي داود وغيره عن أوس بن حذيفة قال قلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أبطأت عنا الليلة قال إنه طرأ علي حزبي من القرآن فكرهت أن أجيء حتى أختمه .

قال أوس سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تحزبون القرآن ؟ قالوا ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاثة عشرة وحزب المفصل وحده وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمر واقرأ القرآن في شهر قلت إني أجد قوة حتى قال فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك

وممن كان يختمه في كل سبعة أيام تميم الداري وعبد الرحمن بن يزيد وإبراهيم النخعي وعروة بن الزبير وأبو مجلز وأحمد بن حنبل وامرأة ابن [ ص: 103 ] مسعود واستحسنه مسروق وممن كان يختمه في ثمان أبي وأبو قلابة وممن كان يختمه في ست الأسود بن يزيد وممن كان يختمه في خمس علقمة بن قيس وممن كان يختمه في ثلاث ابن مسعود وقال من قرأه في أقل من ثلاث فهو راجز .

وكره ذلك معاذ وكان المسيب بن رافع يختمه في كل ثلاث ثم يصبح اليوم الذي يختم فيه صائما رواها كلها ابن أبي شيبة وروى ابن أبي داود عن بعض السلف أنهم كانوا يختمون في شهرين ختمة واحدة وعن بعضهم في كل شهر ختمة وعن بعضهم في كل عشر ليال وقال أحمد بن حنبل أكثر ما سمعت أنه يختم القرآن في أربعين وكره الحنابلة تأخيره عن ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأله عبد الله بن عمر وفي كم يقرأ القرآن قال في أربعين يوما ثم قال في شهر ثم قال في عشرين ثم قال في خمس عشرة ثم قال في عشر ثم قال في سبع لم ينزل من سبع رواه أبو داود قالوا ولأن تأخيره أكثر من ذلك يفضي إلى النسيان والتهاون به قالوا وهذا إذا لم يكن له عذر فأما مع العذر فواسع له واستحبوا أن يختمه في سبع وقالوا إن قرأه في ثلاث فحسن لما روي عن عبد الله بن عمرو قال قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن بي قوة قال اقرأه في ثلاث رواه أبو داود وعن أحمد بن حنبل أنه قال أكره أن يقرأه في أقل من ثلاث وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث رواه أبو داود وجعل ابن حزم الظاهري قراءته في أقل من ثلاث حراما فقال يستحب أن يختم القرآن مرة في كل شهر ويكره أن يختم في أقل من خمسة أيام فإذا فعل ففي ثلاثة أيام لا يجوز أن يختم القرآن في أقل من ذلك ولا يجوز لأحد أن يقرأ أكثر من ثلث القرآن في يوم وليلة ثم استدل على ذلك بالحديث المتقدم لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث .

ولا حجة في ذلك على تحريمه ولا يقال إن كل من لم يتفقه في القرآن فقد ارتكب محرما ومراد الحديث أنه لا يمكن مع قراءته في أقل من ثلاث التفقه فيه والتدبر لمعانيه ولا يتسع الزمان لذلك وقد روي عن جماعة من السلف قراءة القرآن كله في ركعة واحدة منهم عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد بن جبير وعن علي الأزدي وعلقمة قراءته في ليلة واحدة رواها كلها ابن أبي شيبة في مصنفه وكان الشافعي رحمه الله [ ص: 104 ] يختم القرآن في كل يوم وليلة فإذا كان في شهر رمضان ختم في اليوم والليلة مرتين وكان الأسود يختمه في رمضان في ليلتين وفي سواه في ست وكان بعضهم يزيد على ذلك قال ابن عبد البر : كان سعيد بن جبير وجماعة يختمون القرآن مرتين وأكثر في ليلة وقال النووي وأكثر ما بلغنا في ذلك عن ابن الكاتب أنه كان يقرأ في اليوم والليلة ثمان ختمات وأكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك وإنما هو بحسب النشاط والقوة والترتيل أفضل من العجلة .

وفي مصنف ابن أبي شيبة عن زيد بن ثابت لأن أقرأ القرآن في شهر أحب إلي من أن أقرأه في خمس عشرة ولأن أقرأه في خمس عشرة أحب إلي من أن أقرأه في عشر ولأن أقرأه في عشر أحب إلي من أن أقرأه في سبع أقف وأدعو .

(السابعة) وفيه استحباب ضرب الأمثال لإيضاح المقاصد .

(الثامنة) إن قلت مقتضى الحديث على القول بدلالة إنما على الحصر أنه لا مثل لصاحب القرآن سوى المثل المذكور في هذا الحديث مع أنه عليه الصلاة والسلام قد ضرب له أمثالا أخرى فمنها قوله عليه الصلاة والسلام مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيب وطعمها طيب .

قلت المراد حصر مثله في هذا بالنسبة إلى أمر مخصوص وهو دوام حفظه بالدرس ونسيانه بالترك فهو في حفظه بالدرس كحافظ البعير بالعقل وفي نسيانه بالترك كمضيع البعير بعدم العقل وأما بالنسبة إلى أمور أخرى فله أمثلة أخرى والحصر وإن كان ظاهره العموم فهو حصر مخصوص وله نظائر معروفة والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية