صفحة جزء
[ ص: 134 ] حكم الصحيحين ، والتعليق


40 . واقطع بصحة لما قد أسندا كذا له ، وقيل ظنا ولدى      41 . محققيهم قد عزاه ( النووي )
وفي الصحيح بعض شيء قد روي      42 . مضعفا ولهما بلا سند
أشيا فإن يجزم فصحح ، أو ورد      43 . ممرضا فلا ، ولكن يشعر
بصحة الأصل له كـ (يذكر)


أي : ما أسنده البخاري ومسلم ، يريد روياه بإسنادهما المتصل ، فهو مقطوع بصحته ، كذا قال ابن الصلاح ، قال : "والعلم اليقيني النظري واقع به ، خلافا لقول من نفى ذلك محتجا بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن وإنما تلقته الأمة بالقبول; لأنه يجب عليهم العمل بالظن ، والظن قد يخطئ قال : وقد كنت أميل إلى هذا ، وأحسبه [ ص: 135 ] قويا ، ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولا هو الصحيح; لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ ، والأمة بإجماعها معصومة من الخطأ" . . . إلى آخر كلامه . وقد سبقه إلى نحو ذلك محمد بن طاهر المقدسي ، وأبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف . قال النووي : "وخالف ابن الصلاح المحققون والأكثرون ، فقالوا : يفيد الظن ما لم يتواتر" .

وقوله : ( ظنا ) منصوب بفعل محذوف ، أي : يفيد ظنا . وقوله : ( بعض شيء ) ، إشارة إلى تقليل ما ضعف من أحاديث الصحيحين .

ولما ذكر ابن الصلاح : أن ما أسنداه مقطوع بصحته . قال : سوى أحرف يسيرة ، تكلم عليها بعض أهل النقد ، كالدارقطني وغيره ، وهي معروفة عند أهل الشأن . انتهى . وروينا عن محمد بن طاهر المقدسي ، ومن خطه نقلت قال : سمعت أبا عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي ببغداد يقول : قال لنا أبو محمد بن حزم : وما وجدنا للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئا لا يحتمل مخرجا إلا حديثين . لكل واحد منهما حديث ، تم عليه في تخريجه الوهم مع إتقانهما وحفظهما وصحة معرفتهما .

[ ص: 136 ] فذكر من عند البخاري حديث شريك ، عن أنس في الإسراء ، أنه قبل أن يوحى إليه ، وفيه شق صدره . قال ابن حزم : والآفة من شريك . والحديث الثاني عند مسلم ، حديث عكرمة بن عمار ، عن أبي زميل ، عن ابن عباس ، قال : كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ، ولا يقاعدونه ، فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ثلاث أعطينهن . قال : نعم . قال : عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان ، أزوجكها . قال : نعم . . . الحديث . قال ابن حزم : هذا حديث موضوع لا شك في وضعه ، والآفة فيه من عكرمة بن عمار . وقد ذكرت في الشرح الكبير أحاديث غير هذين .

[ ص: 137 ] وقد أفردت كتابا لما ضعف من أحاديث الصحيحين مع الجواب عنها . فمن أراد الزيادة في ذلك فليقف عليه ، ففيه فوائد مهمات .

وقوله : ( ولهما بلا سند أشيا ) . أي : وللبخاري ومسلم في الصحيح مواضع لم يصلاها بإسنادهما ، بل قطعا أول أسانيدهما مما يليهما . وذكر ابن الصلاح أن ذلك وقع في الصحيحين . قال : "وأغلب ما وقع ذلك في كتاب البخاري ، وهو في كتاب مسلم قليل جدا" . قلت : في كتاب مسلم من ذلك موضع واحد في التيمم . وهو حديث أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة . أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نحو بئر جمل ، . . . الحديث . قال فيه مسلم : وروى الليث بن سعد . ولم يوصل مسلم إسناده إلى الليث . وقد أسنده البخاري عن يحيى بن بكير عن الليث . ولا أعلم في كتاب مسلم بعد مقدمة الكتاب حديثا لم يذكره إلا تعليقا غير هذا الحديث . وفيه مواضع أخر يسيرة رواها بإسناده المتصل ، ثم قال : ورواه فلان ، وهذا ليس من باب التعليق ، إنما أراد ذكر من تابع رواية الذي أسنده من طريقه عليه ، أو أراد بيان اختلاف في السند ، كما يفعل أهل الحديث . ويدل على أنه ليس مقصوده بهذا ادخاله في كتابه; أنه يقع في بعض [ ص: 138 ] أسانيد ذلك من ليس هو من شرط مسلم ، كعبد الرحمن بن خالد بن مسافر . وقد بينت بقية المواضع في الشرح الكبير .

وقوله : ( فإن يجزم فصحح ) ، أي : ان أتى به بصيغة الجزم ، كقوله : قال فلان ، أو روى فلان أو نحو ذلك; فاحكم بصحته عمن علقه عنه ، لأنه لا يستجيز أن يجزم بذلك عنه إلا وقد صح عنده عنه . ثم الحكم بصحة الحديث مطلقا يتوقف على ثقة رجاله ، واتصاله من موضع التعليق . فإن كان فيمن أبرزه من لا يحتج به ، فليس فيه إلا الحكم بصحته عمن أسند إليه كقول البخاري : وقال بهز ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " الله أحق أن يستحيى منه " . قال ابن الصلاح : "فهذا ليس من شرطه قطعا . ولذلك لم يورده الحميدي في جمعه بين الصحيحين" .

( وإن ورد ممرضا ) ، أي : اتي به بصيغة التمريض ، كقوله : ويذكر ، ويروى ، ويقال ، ونقل ، وروي ، ونحوها . فلا تحكمن بصحته . كقوله : ويروى عن ابن عباس [ ص: 139 ] وجرهد ومحمد بن جحش ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " الفخذ عورة " ; لأن هذه الألفاظ استعمالها في الضعيف أكثر ، وإن استعملت في الصحيح . وكذا قوله : وفي الباب تستعمل في الأمرين معا . قال ابن الصلاح : ومع ذلك فإيراده له في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله إشعارا يؤنس به ويركن إليه . وحمل ابن الصلاح قول البخاري : ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح . وقول الأئمة في الحكم بصحته على أن المراد مقاصد الكتاب وموضوعه ومتون الأبواب دون التراجم ونحوها [ ص: 140 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية