صفحة جزء
آداب المحدث


684 . وصحح النية في التحديث واحرص على نشرك للحديث      685 . ثم توضأ واغتسل واستعمل
طيبا وتسريحا وزبر المعتلي      686 . صوتا على الحديث واجلس بأدب
وهيبة بصدر مجلس وهب      687 . لم يخلص النية طالب فعم
ولا تحدث عجلا أو إن تقم      688 . أو في الطريق ثم حيث احتيج لك
في شيء اروه وابن خلاد سلك      689 . بأنه يحسن للخمسينا
عاما ولا بأس لأربعينا      690 . ورد . والشيخ بغير البارع
خصص لا كمالك والشافعي


[ ص: 17 ] من تصدى لإسماع الحديث ، أو الإفادة فيه فليقدم تصحيح النية وإخلاصها ، فإنما الأعمال بالنيات ، وقد قال سفيان الثوري : قلت لحبيب بن أبي ثابت حدثنا . قال : حتى تجيء النية . وقيل لأبي الأحوص سلام بن سليم حدثنا . فقال : ليست لي نية ، فقالوا له : إنك تؤجر . فقال :


يمنونني الخير الكثير وليتني نجوت كفافا لا علي وليا



وروينا عن حماد بن زيد أنه قال : أستغفر الله إن لذكر الإسناد في القلب خيلاء ، وليكن أكبر همه نشر الحديث ، والعلم ، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتبليغ عنه ، وقد كان عروة يتألف الناس على حديثه . وقال سفيان الثوري : تعلموا هذا العلم فإذا علمتموه فتحفظوه ، فإذا حفظتموه فاعملوا به ، فإذا عملتم به فانشروه . ويستحب له أن يستعمل عند إرادة التحديث ما رويناه عن مالك - رضي الله عنه - ، أنه كان إذا أراد أن يحدث توضأ ، وجلس على صدر فراشه ، وسرح لحيته ، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة ، وحدث ، فقيل له في ذلك ، فقال أحب أن أعظم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحدث إلا على طهارة متمكنا ، وكان يكره أن يحدث في الطريق ، أو وهو قائم ، أو يستعجل وقال : [ ص: 18 ] أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وروينا عنه أيضا أنه كان يغتسل لذلك ويتبخر ويتطيب ، فإن رفع أحد صوته في مجلسه زبره ، وقال : قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ، فمن رفع صوته عند حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقولي : (وهب لم يخلص النية) أي : وهب أن الطالب لم يخلص نيته فلا تمتنع من تحديثه ، بل عم كل طالب علم . وروينا عن الثوري أنه قال : ما كان في الناس أفضل من طلبة الحديث ، فقال له ابن مهدي : يطلبونه بغير نية ، فقال : طلبهم إياه نية . وروينا عن حبيب بن أبي ثابت ومعمر بن راشد أنهما قالا : طلبنا الحديث وما لنا فيه نية ، ثم رزق الله عز وجل النية بعد وروينا عن معمر أيضا ، قال : إن الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبى عليه العلم حتى يكون لله عز وجل . قال الخطيب : "والذي نستحبه أن يروي المحدث لكل أحد سأله التحديث ، ولا يمنع أحدا من الطلبة" . وقولي : (أو أن تقم) أي : في حال قيامك ، فإنه معطوف على الحال التي قبله [ ص: 19 ] .

وقولي : (ثم حيث احتيج لك في شيء اروه) ، بيان للوقت الذي يحسن فيه التصدي للإسماع ، والتحديث . فإن كان قد احتيج إلى ما عنده ، فقد اختلف فيه كلام الخطيب ، وابن الصلاح في الوجوب والاستحباب ، فلهذا أتيت فيه بصيغة الأمر الصالحة لهما في قولي : (اروه) . قال الخطيب في كتاب الجامع : فإن احتيج إليه في رواية الحديث قبل أن يعلوا سنه فيجب عليه أن يحدث ، ولا يمتنع ; لأن نشر العلم عند الحاجة إليه لازم ، والممتنع من ذلك عاص آثم . وقال ابن الصلاح : والذي نقوله أنه متى احتيج إلى ما عنده استحب له التصدي لروايته ، ونشره في أي سن كان . وروينا عن أبي محمد بن خلاد الرامهرمزي في كتابه المحدث الفاصل ، قال : الذي يصح عندي من طريق الأثر والنظر في الحد الذي إذا بلغه الناقل حسن به أن يحدث ; هو أن يستوفي الخمسين ; لأنها انتهاء الكهولة ، وفيها مجتمع الأشد . قال : "وليس بمستنكر أن يحدث عند استيفاء الأربعين ; لأنها حد الاستواء ، ومنتهى الكمال ، نبئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو ابن أربعين ، وفي الأربعين تتناهى عزيمة الإنسان وقوته ويتوفر عقله ويجود رأيه" . وتعقبه القاضي عياض في كتاب الإلماع ، فقال : واستحسانه هذا لا تقوم له حجة بما قال ، وكم من السلف المتقدمين ، ومن بعدهم من المحدثين من لم ينته إلى هذا السن ، ولا استوفى هذا العمر ، ومات قبله ، وقد نشر من العلم ، والحديث ما لا يحصى . هذا عمر بن عبد العزيز توفي ولم يكمل الأربعين ، وسعيد بن جبير لم يبلغ الخمسين [ ص: 20 ] .

وكذلك إبراهيم النخعي . وهذا مالك بن أنس قد جلس للناس ابن نيف وعشرين سنة ، وقيل : ابن سبع عشرة سنة ، والناس متوافرون ، وشيوخه أحياء : ربيعة وابن شهاب وابن هرمز ونافع ومحمد بن المنكدر ، وغيرهم . وقد سمع منه ابن شهاب حديث الفريعة . ثم قال : وكذلك محمد بن إدريس الشافعي قد أخذ عنه العلم في سن الحداثة وانتصب لذلك في آخرين من الأئمة المتقدمين والمتأخرين . انتهى كلام القاضي عياض . وقد روينا عن محمد بن بشار بندار ، أنه حدث وهو ابن ثماني عشرة سنة . وروينا عن أبي بكر الأعين ، قال : كتبنا عن محمد بن إسماعيل البخاري على باب محمد بن يوسف الفريابي ، وما في وجهه من شعرة . وروينا عن الخطيب قال : وقد حدثت أنا ولي عشرون [ ص: 21 ] سنة ، كتب عني شيخنا أبو القاسم الأزهري أشياء في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة . انتهى . وقد حدث شيخنا الحافظ أبو العباس أحمد بن مظفر ، وسنه ثماني عشرة سنة ، سمع منه الحافظ أبو عبد الله الذهبي سنة ثلاث وتسعين وستمائة ، وحدث عنه في معجمه بحديث من الأفراد للدارقطني ، وقال عقبه : أملاه علي ابن مظفر ، وهو أمرد . وقد حدث شيخنا أبو الثناء محمود بن خليفة المنبجي وله عشرون سنة ، سمع منه شيخنا العلامة شيخ الإسلام تقي الدين السبكي أحاديث من فضائل القرآن ، لأبي عبيد .

قلت : وقد سمع مني صاحبنا العلامة أبو محمود محمد بن إبراهيم المقدسي ، ولي عشرون سنة ، سنة خمس وأربعين ، وقد سمع على شيخنا الحافظ عماد الدين بن كثير حديثا من أمالي ابن سمعون ، ولم أكمل يومئذ ثلاثين سنة ، سنة أربع وخمسين بدمشق . وهذا ونحوه من رواية الأكابر عن الأصاغر . وقد حمل ابن الصلاح كلام ابن خلاد على محمل صحيح ، فقال : ما ذكره ابن خلاد غير مستنكر ، وهو محمول على أنه قاله فيمن يتصدى للتحديث ابتداء من نفسه من غير براعة في العلم تعجلت له قبل السن الذي ذكره . فهذا إنما ينبغي له ذلك بعد استيفاء السن المذكور ، فإنه مظنة الاحتياج إلى ما عنده . قال : "وأما الذين ذكرهم عياض ممن حدث قبل ذلك ، فالظاهر أن ذلك لبراعة منهم في العلم تقدمت ، ظهر لهم معها الاحتياج إليهم فحدثوا قبل ذلك ، أو لأنهم سئلوا ذلك ، إما بصريح السؤال ، وإما بقرينة الحال" انتهى كلامه .

وإليه الإشارة بقولي : (والشيخ بغير البارع خصص) أي : خصص كلام ابن خلاد بغير البارع في العلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية